انقلاب في السياسة الخارجية: نزع الأمركة من النزاعات العالمية

تم نشره في الجمعة 26 حزيران / يونيو 2015. 11:00 مـساءً
  • أميركية تحتج على التدخلات العسكرية لبلادها في الخارج - (أرشيفية)

بن تانوسبورن — (ميدل إيست أونلاين)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

18/6/2015
يذكرنا بعض الساسة الأميركيين بين فترة وأخرى بأن على الولايات المتحدة عدم محاولة أن تكون شرطي العالم. لكنني بعد أن استمعت إلى تلك الصيحة من نوع "ادخروا دمنا وأموالنا"، ذلك النوع من التظاهر بالعذر الذي يتكرر مرة تلو الأخرى لعقود، أصبحت مقتنعاً بالكامل بأنها لا تعدو كونها الصيحة القديمة الزائفة المتكررة نفسها؛ وبأن الامبريالية تحكم بشكل فائق في الولايات المتحدة القديمة الجيدة في عموم حكومتنا الضخمة ثنائية الحزب، كما تحكم -لسوء الطالع- حصة الأسد من مواطنينا المخدرين سياسياً. وسيكون من الصعب المحاججة بأن الأميركيين لا يستمتعون بالإحساس بالهيمنة العالمية، تماماً مثلما كان مواطنو الإمبراطوريات السابقة يستمتعون بها منذ زمن أبعد من الذاكرة.
إننا نتعرض مثل الدمى للتحريض من جانب إعلام موحد لا يخجل من وصم -وحتى كراهية- أي وكل شخص يجرؤ على الادعاء بأن الإمبراطور لا يرتدي أي ملابس. لقد أصبح قارع أجراس الإنذار الوطني، إدوارد سنودن، بإماطته اللثام عن السلوك المشبوه لوكالة الاستخبارات قبل عامين، تماماً مثلما كان سميدلي بتلر قد فعل قبل ثمانية أعوام، أصبحا ببساطة خائنين، والشهيدين اللذين يتلقيان الازدراء من جمهورنا المتركز في استجابات الرعاع.
وراء في العام 1933، كتب سميدلي بتلر، الذي كان في حينه جنرالاً متقاعداً من البحرية الأميركية، والذي تلقى وسام الشرف مرتين، كتاباً بعنوان "الحرب خديعة" والذي عرى فيه مؤامرة -انقلاب ضد فردريك روزفيلت نفذها قادة الأعمال التجارية وضباط الجيش- وأدرج بعمليات عسكرية معروفة جيداً (بادعاء أنها عن "حماية الديمقراطية")، باعتبارها ليست أكثر من أدوات لزيادة المصالح التجارية للبنوك والشركات الأميركية. وبعد عقدين، حذرنا الرئيس آيزنهاور من هذا العدو الداخلي غير الديمقراطي والسمي سياسياً: الفاشية بأسلوب أميركي، والتي تعرف على نحو مناسب باسم "المجمع الصناعي العسكري".
ولكن بطريقة ما، وفي غمرة غيبوبة الكرامة والعزة الوطنية الزائفة، يبدو الأميركيون غير راغبين في القبول بحقيقة أن عدوهم ليس مبعثراً حول سبعة بحار كما يقال لهم، وإنما نصب خيمته المؤقتة هنا في الوطن: لقد تم اختطاف الحكومة ومعظم المؤسسات الأميركية الجريئة من جانب نخبة حاكمة، والتي وضعت واشنطن تحت إبهامها. ولا حاجة لانقلاب عتيق الطراز على غرار أسلوب العام 1933، والذي تم أصلاً من دون الجلبة الملونة التي نقرنها دائماً بالانقلابات العسكرية في جمهوريات الموز. لقد أنجزت أميركا الموحدة والبنتاغون –وزارة الدفاع- عملهما الشنيع بينما نحن البدينين والصم والسعداء الذين نمثل 80 في المائة من المواطنين نرفض الإقرار بأسرنا الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، كسكان في هذا القفص الإمبريالي المموه.
سواء كنا نحن المواطنين–الأحرار الذين يدعي سادتنا بأننا نشكلهم، أو حزمة مهتاجة من المستهلكين المحشورين في قفص، والمصطفين في طابور على نحو جنوني في انتظار جهاز الأيفون التالي، فإن الإفلاس الاقتصادي على وشك أن يقرع بابنا، تماماً مثلما فعل الإفلاس الأخلاقي في الماضي غير البعيد. لقد حان الوقت لأن تقوم النخبة الأميركية التي تحكم الأمة – مع تطلعات لإدارة العالم جميعاً- لأن تحلل حالة هذه الامبراطورية الزائفة التي يحاولون جعلها قابلة للتصديق وإدخالها في حكمة البهجة؛ والإقرار بأي من، وبكل التغييرات الجيو-سياسية المطلوبة للحفاظ على التوازن الأيديولوجي-السياسي في عالم إما أن نختار تقاسمه معاً، أو نسمح له بأن يصبح نهاية الحضارة، مع رثاء مكتوب ذاتياً.
وبينما تسعى قيادتنا من النخبة إلى هذه التغييرات الجيو-سياسية وتدركها، فإنه يجب عليها أولاً وقف ثيرانها المستعرة عن دخول الحلبة -من البطل المساء التعليم، جون ماكين، وقرينه الآخر غير المهم، ليندسي غراهام، إلى الآلاف من الضباط الفارغين الذين يحملون نجوماً مكدسة ويقودون التواجد العسكري لأميركا عالمياً في المئات من القواعد العسكرية... والآلاف الذين يديرون مواقع التنصت العسكرية العاملة بنشاط.
ربما تستنير بتعليقات فلاديمير بوتن قبل عدة أيام في مقابلته مع الصحفي الإيطالي لوسيانو فونتانا (صحيفة كورير ديلا سيرا)، المقابلة الجديرة بالقراءة، إذا كان لي أن أضيف، والتي من غير المرجح أن تحظى بأي تغطية من الإعلام الأميركي. وفي المقابلة، تظهر الأدلة على الإمبريالية الأميركية في عدة أشكال، ليس أقلها ما تضمنه تعليق بوتن عندما فصل كل القواعد العسكرية الأميركية -أو "مراكز الشرطة" إذا كانت فكرة الإمبريالية تبدو فظة- على خريطة العالم. وذلك هو الفارق- ليس بين الولايات المتحدة وروسيا فقط، أو بين الولايات المتحدة والصين، وإنما هو حقيقة إمبراطورية تُقزم إمبراطوريات إسبانيا وبريطانيا خلال نصف الألفية الماضي كله.
 في ضوء الفسحة القصيرة التي تجد الإمبراطورية الأميركية نفسها فيها، فإن الطبقة الحاكمة الأميركية هي في موقف واضح لإحداث انقلاب كبير في السياسة الخارجية... واحد قد يفيد العالم بأسره بالإضافة إلى هذه النخبة نفسها. فكيف؟ من خلال نزع الأمركة من النزاعات الجارية في العالم والانضمام إلى عالم متنوع (وأمم متحدة متجددة العزم والنشاط وقوية) من أجل إيجاد حلول للعديد من المشاكل الجيوسياسية ومشاكل حقوق الإنسان... في حين تقوم الولايات المتحدة بالتأثير على التغيير، وليس فرضه بالقوة.
إن أميركا هي إما مسؤولة بحكم الأمر الواقع، أو أنها ساعدت بشكل رئيسي في ولادة تنظيمات "القاعدة" و"داعش" والعديد من التنظيمات الإسلامية التي تصنف على أنها إرهابية، والتي تجبر راهناً على استخدام تكتيكات التمرد وحرب العصابات التي تتعارض مع الأعراف والتقاليد الغربية. وفي العامين الماضيين، امتد نثر أميركا بذور الشقاق إلى الشعوب السلوفينية في شرقي أوروبا من خلال الاستئساد على الدب الروسي، عبر احتمال وضع أسلحة على حدوده. وثمة احتمال مشابه ينتظر المطالبات الصينية بالسيادة حول بحر الصين الجنوبي.
 من أجل الحفاظ على ذاتها، قد تعمد النخبة الأميركية الحاكمة إلى تأمل تحسين موقفها -ليس على الصعيد المحلي وحسب، وإنما على الصعيد الدولي أيضاً، عبر القبول بالصداقة والود كانقلاب لسياستها الخارجية.
أهو اقتراح بعيد المنال...؟ بالطبع؛ لكن السلام العالمي سيفيدنا جميعاً.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Foreign Policy Coup: De-Americanization of World Conflicts

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق