د.أحمد جميل عزم

"رمضان" واستراتيجية أيلول الفلسطينية

تم نشره في الثلاثاء 30 حزيران / يونيو 2015. 11:06 مـساءً

بات المتوقع أنّ يشهد شهر رمضان في كل عام تصعيداً ميدانياً في المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية. في المقابل، بات تكريس الحراك الدبلوماسي والرسمي الفلسطيني يتمحور حول ما سيُقال ويجري في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بحيث تتحول غالبية التفاعلات الدبلوماسية والسياسية تحضيرا لاجتماع أيلول (سبتمبر) السنوي؛ هذه هي الحال في الأعوام الأربعة الأخيرة على الأقل. ومع أنّ الفصل بين المسارين (الميداني والدبلوماسي) مستحيل، إلا أنّ الصحيح أنّ هناك عدم تناغم.
في العام الماضي، كانت حرب غزة. وهذا العام، هناك سلسلة عمليات مقاومة فردية، أو يقوم بها أفراد قد يكونون جزءا من فَصائِل، لكن تكاد تصبح العمليات (الطعن وإطلاق النار) حدثاً شبه يوميّ في القدس والضفة الغربية. أضف إلى هذا كان إضراب الشيخ خضر عدنان عن الطعام والحراك الذي رافقه، بما في ذلك تهديدات حركة "الجهاد الإسلامي" من غزة بالتصعيد عسكرياً إذا استشهد عدنان. هذه كلها معالم تصعيد، يصبح سمة من سمات شهر رمضان صيف كل عام.
في المقابل، هناك دبلوماسيا حراكان ظاهران على الأقل: الأول فرنسي؛ والثاني مصري. وهناك حراك أميركي خافت. فالفرنسيون ماضون في تحضير مبادرتهم لطرحها على الأمم المتحدة، في أيلول (سبتمبر) المقبل، مع تراجع طرح الفلسطينيين أنفسهم لأي شيء هذا العام، على غرار ما كانوا يفعلونه في السنوات الماضية، لكن من دون أن يلغي هذا أن الانشغال الفلسطيني الرسمي هو في التحضير لأيلول (سبتمبر) المقبل، موعد التئام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وما سيطرحه الفرنسيون من صيغة لإطلاق المفاوضات، ضمن حدود زمنية ومرجعيات معينة.
أمّا المصريون، فعدا عن استقبالهم مسؤولين فلسطينيين، مثل عزام الأحمد من حركة "فتح"، لمناقشة ملفات المصالحة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية؛ وعدا عن الانفراج النسبي على صعيد العلاقة مع حركة "حماس"، ومعبر رفح والسماح للغزيين ولبضائع بالمرور عبر المعبر، فإنّ لقاءً واحداً على الأقل حدث وجمع في القاهرة، مساعد وزير الخارجية المصري أسامة المجدوب، مع مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية دوري غولد، ونوقشت عملية إعادة إطلاق المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية، ما يشير إلى توجه مصر لتفعيل دورها السياسي في الملف الفلسطيني.
في الأثناء فإنّ المقابلة التي أجراها رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمدالله، مؤخراً، مع صحيفة "واشنطن بوست"، كشفت التفاهم مع الطرف الأميركي على الانتظار لحسم المفاوضات العالمية مع إيران، قبل توقع إعادة عجلة المفاوضات. وهو ما يعني أيضاً أن الجميع في انتظار، وأنّ موعد إعادة دوران العجلة المرتقب فلسطينيا هو أيلول (سبتمبر) المقبل.
هناك مؤشرات، من ضمنها التوصل لاتفاق إنهاء إضراب خضر عدنان، وحوارات الهدنة مع "حماس"، تفيد بأنّ الإسرائيليين معنيون بعدم التصعيد العسكري، والتهدئة مع قطاع غزة، بل وصل الأمر بزعيم حزب "البيت اليهودي"، وزير التعليم العالي الإسرائيلي، المتطرف، نفتالي بينيت، حد الاقتراح في لقاء مع التلفزيون الإسرائيلي مقايضة إعادة الإعمار في غزة وتقبل وجود "حماس" علناً هناك، بالتهدئة.
يحرص الإسرائيليون، وهم معنيون الآن، على تهدئة تسمح لهم بالاستمرار في الاستيطان في الضفة الغربية، ومعالجة تبعات حرب غزة العام الماضي على اقتصادهم، وتخفيف الضغط على "حماس" الذي قد يدفع للتوصل لاتفاق نهائي مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أي بكلمات أخرى تخفيف الضغط الداعي لإنهاء الانقسام، بضمان استمرار الانقسام والتهدئة، وبالتالي تقليل الضغط الدولي للدخول في عملية مفاوضات وتسوية سلمية تختلف عما جرى في ربع القرن الماضي.
تعني آفاق الانتظار حتى أيلول (سبتمبر)، فيما تعني، انتظار جهد دبلوماسي آخر، غالبا ما سترفضه إسرائيل، أو سيفرّغ من مضمونه بعدم وجود موعد فعلي لإنهاء الاحتلال، وربما تنازلات أخرى. وفي النهاية، لن تكون النتيجة العملية مختلفة عن محصلة أيلول في الثلاث سنوات الماضية؛ استمرار الاستيطان، والتقدم البطيء في الضغط الدولي على الإسرائيليين، واحتمالات خروج الأمر عن السيطرة ميدانياً دائماً.
السؤال الذي قد يعطي التحرك الدولي قوة أكبر، ويضغط على الإسرائيليين أيضاً، هو التناغم بين الميداني والدبلوماسي. وهو ما يتطلب استراتيجية مقاومة شعبية، وتنظيما شعبيا حقيقيا، بدلا من وضع الغالبية العظمى من الناس في موضع المتفرج، أو المعارض الصامت، أو الطلب إليهم أن يكونوا مؤيدين للتحرك الرسمي من دون دور فعلي.

التعليق