الاتفاق النووي الإيراني: ما الذي يعنيه خامنئي بتعليقاته الأخيرة؟

تم نشره في الجمعة 3 تموز / يوليو 2015. 12:00 صباحاً
  • اجتماع للمتفاوضين حول الاتفاق النووي الإيراني - (أرشيفية)

تقرير خاص -

(الإيكونوميست) 30/6/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

لم يكن تاريخ 30 حزيران (يونيو) ليشكل موعداً نهائياً ثابتاً للتوصل إلى اتفاق شامل بين القوى العالمية الست وبين إيران، والذي يفترض أن يضع قيوداً على البرنامج النووي الإيراني. ويعرف الدبلوماسيون أن المرحلة النهائية تكون دائماً أصعب جزء في أي مفاوضات، وهو ما تبين في هذه الحالة أيضاً. ويبقى من المرجح، ولو أنه بعيد عن التأكيد، أن يكون التوصل إلى اتفاق ما يزال ممكناً في فيينا في 7 تموز (يوليو)، الموعد النهائي الجديد الذي وضعه المتفاوضون لأنفسهم. أما في حال إعادة تمديد المفاوضات لأي زمن أطول من ذلك، فإن عطلة آب (أغسطس) في واشنطن سوف تترك للكونغرس المتشكك 60 يوماً بدلاً من 30 لإجراء مراجعته للاتفاق، وهو ما يعني إعطاء النقاد مزيداً من الوقت لحشد الدعم ضده.
ولكن، إذا كان الكونغرس يمثل عقبة سيترتب التغلب عليها في وقت لاحق، فإن تدخل المرشد الإيراني الأعلى، آية الله علي خامنئي، يشكل تهديداً مباشراً وأكثر قرباً بكثير الآن لجهود التوصل إلى نتيجة ناجحة. ففي 23 حزيران (يونيو)، تماماً بينما كان المتفاوضون يبدأون اللفة الأخيرة من سباق المفاوضات الطويل، قام السيد خامنئي بوضع سبعة خطوط حمراء للاتفاق، والتي لن تعبرها إيران أبداً، كما قال. ومن بين هذه الخطوط، إصراره على وجوب أن يتم رفع عقوبات الولايات المتحدة والأمم المتحدة عن إيران في اللحظة التي يتم فيها توقيع الاتفاق. كما قال إن القيود المفروضة على برنامج الأبحاث والتطوير النووي الإيراني غير مقبولة. أما الأمر الأكثر تدميراً، فهو إعلانه أن مفتشي الوكالة الدولية للطاقة النووية سوف يُمنعون من الوصول اللازم للتحقق من أن أنشطة البرنامج النووي الإيراني هي ذات طبيعة سلمية: ستكون المواقع العسكرية خارج حدود التفتيش بالكامل، وكذلك مسألة التحقيق مع علماء إيران النوويين. وبالإضافة إلى ذلك، قام البرلمان الإيراني، "المجلس"، أيضاً بتمرير قانون من جهته يحظر على المفتشين الدوليين دخول المواقع العسكرية، ولو أنه يبقى شأناً يمكن التراجع عنه بطبيعة الحال، في حال طلب المرشد الأعلى ذلك.
ليست هذه هي المرة الأولى التي يدلي فيها السيد خامنئي بمثل هذه التصريحات، لكن كلاً من توقيت ملاحظاته ورفضها الظاهري لاتفاق إطار العمل الذي تم التوصل إليه في لوزان قبل ثلاثة أشهر، يبدوان وأنهما يستهدفان إجهاض التوصل إلى اتفاق نووي نهائي. وقد قلل وزير الخارجية الأميركية جون كيري من ذلك باعتباره مجرد لعب على ما يروق للجمهور الإيراني في الوطن. لكن ذلك يخفق في تفسير السبب في أن السيد خامنئي سيخاطر بالتعرض لإذلال سياسي في حال توصل المتفاوضون إلى اتفاق، وبقيادة وزير الخارجية محمد جواد ظريف، وهو ما سيعني في حال حدوثه قيادة شاحنة كبيرة عبر خطوطه الحمراء. وقد طار السيد ظريف إلى طهران يوم 28 حزيران (يونيو) للتشاور مع المجلس الإيراني الخاص الذي يشرف على المفاوضات ويقدم تقاريره مباشرة للمرشد الأعلى. وبعد يومين من ذلك، وقبل ساعات من "الموعد النهائي"، عاد إلى فيينا وهو ما يزال يصر على أن إبرام "اتفاق نهائي" ما يزال ممكناً.
من جهتهم، يصر الأميركيون والأوروبيون على أنه لن يكون هناك تراجع عن "معايير" لوزان. وفي موضوع المفتشين، يعني ذلك أن البروتوكول الإضافي المهم لمهمات الوكالة الدولية للطاقة النووية، والمعمول به في 126 دولة، أصبح عرفاً من أجل تعزيز الضمانات النووية. ولا يخدم البروتوكول الإضافي بالضبط نظام التفتيش القائم على مبدأ "في كل مكان، وفي أي وقت" الذي ربما يكون مرغوباً في حالة إيران، نظراً لتاريخ هذه الدولة المعروف في الخداع. لكنه يتطلب تفعيل وصول المفتشين إلى القواعد العسكرية إذا توفرت أسس للشك فيما قد يكون بصدد الحدوث فيها. وقد قامت الوكالة الدولية بزيارات عدة لمواقع عسكرية في بلدان أخرى. وبمجرد أن تقبل به الدولة المعنية، فإن تطبيق عناصر البروتوكول الإضافي يصبح متطلباً قانونياً.
قد يكون هناك بعض المتسع للتملص عندما يأتي الأمر إلى نشاطات إيران النووية السابقة، أو ما تصفه الوكالة الدولية للطاقة النووية بأنه "أبعاد عسكرية محتملة" لبرنامجها النووي. ويقول الأميركيون إنهم لا يبحثون عن اعتراف إيراني علني. لكنه يجب أن يكون هناك ما يكفي من التعاون من أجل أن يجمع المفتشون المعلومات عن عمل التسليح السابق، والتي يحتاجون إليها لاستنتاج أن مثل هذه الأنشطة قد توقفت، وأن البرنامج النووي أصبح الآن سلمياً.
ثمة قضية بارزة أخرى، هي المتعلقة بأي محددات هي التي سوف تنطبق على عمل إيران في تطوير واختبار أجهزة الطرد المركزي المتقدمة خلال السنوات العشر الأولى من الاتفاق، ووتيرة نشرها في السنوات الخمس التالية. ويمكن لأجهزة الطرد المركزي من طراز "آي. آر-8" التي تعمل إيران على تطويرها أن تقوم بتخصيب اليورانيوم بسرعة تصل إلى 20 ضعف سرعة أجهزة "آي. آر -1س" القديمة، كما يقال، مما ينطوي على إمكانية خفض الوقت اللازم لإنتاج مادة انشطارية كافية لصناعة قنبلة نووية -ما يدعى بعتبة الاختراق- إلى ما لا يزيد على أسبوع واحد أو نحو ذلك، بمجرد نشر هذه الأجهزة على نطاق واسع بعد 15 عاماً.
أما المناطق الباقية التي يبدو أن الاتفاق يواجه صعوبة في معالجتها، فتتعلق بسرعة تخفيف العقوبات، وآليات إعادة فرض كل أو بعض العقوبات في حال تبين أن إيران تقترف انتهاكاً كبيراً للاتفاق. ويبدو أن تعريف المستويات المختلفة من الانتهاكات، وأي التداعيات هي التي ينبغي أن تترتب عليها، ما تزال مسائل شائكة. وتريد أميركا وفرنسا وبريطانيا "عودة سريعة" وأتوماتيكة لعقوبات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في حال حدوث انتهاك كبير من الجانب الإيراني، بحيث لا يستطيع أي عضو آخر في مجموعة الخمسة الدائمين (أي روسيا والصين) التصويت على منع العقوبات باستخدام حق النقض "الفتيو".
لكن كل هذا يبدو بعيداً جداً حتى الآن عن جعل مطالب خامنئي تشكل واقعاً بديلاً. وإذن، ما الذي يحدث؟ الاحتمال الأول هو أن يكون المرشد الأعلى قد أساء الحكم تماماً على قوة موقف إيران التفاوضي الحقيقي والمسافات التي يبدو باراك أوباما مستعداً لقطعها من أجل الحصول على اتفاق. والاحتمال الثاني هو أنه ممزق حول ماهية الشيء الذي يشكل تهديداً أكبر للنظام الذي يمثله: إنهاء وضع إيران كدولة مارقة، أم استمرار هذا الوضع. ويتطلع معظم الإيرانيين العاديين بشعور من الحاجة الماسة إلى الفرص الاقتصادية التي سيجلبها البديل الأول؛ لكن منظري النظام وأتباعهم يحبون بقاء الأمور تماماً كما هي، ويخشون من التغيير. أما إذا كان هناك اتفاق نووي سيتحقق أم لا، فإن ذلك سوف يعتمد أقل على التفاصيل الفنية الغامضة التي سيتم تجاوزها في فيينا، بينما سيعتمد أكثر على الكيفية التي يحل بها المرشد الأعلى البالغ من العمر 75، والذي يعاني من سرطان البروستاتا، معضلته الشخصية.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: The Iran nuclear talks: What did he mean by that?

التعليق