مصير التبت بعد الدلاي لاما

تم نشره في الخميس 9 تموز / يوليو 2015. 11:00 مـساءً
  • الدلاي لاما الزعيم الروحي للتبت -(أرشيفية)

براهما تشيلاني*

نيودلهي - في العيد الثمانين لميلاد الدلاي لاما الرابع عشر، الذي كان في منفاه في الهند منذ العام 1959، يبدو مستقبل التبت أكثر غموضاً من أي وقت مضى. وخلال ولايته، رأي الدلاي لاماً الحالي وطنه -أكبر وأعلى هضبة في العالم- وهو يفقد استقلاله لصالح الصين. ومن المرجح، بمجرد وفاته، أن تنصّب الصين دمية خلفاً له، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى تآكل هذه المؤسسة.
في واقع الأمر، عينت الصين بالفعل بيدقها في ثاني أعلى منصب في البوذية التبتية، البانتشن لاما، في العام 1995، بعد اختطاف المعين البالغ من العمر ست سنوات، الذي كان الدلاي لاما قد ثبته للتو. وبعد مرور عشرين عاماً، أصبح البانتشن لاما الشرعي من بين السجناء السياسيين الأطول احتجازاً في العالم. كما عينت الصين ثالث أعلى شخصية دينية لدى التبتيين، كارمابا؛ ولكنه فر إلى الهند في العام 1999، عندما كان عمره أربعة عشر عاماً.
يصادف هذا العام ذكرى سنوية أخرى ذات أهمية بالنسبة للتبت: الذكرى السنوية الخمسين لتأسيس ما تسميه الصين "منطقة التبت الذاتية الحكم". وهو اسم مضلل إلى حد كبير. فالحقيقة أن التبت تحكمها الصين، فضلاً عن دمج أراضيها التاريخية في مقاطعات صينية أخرى.
بعد احتلالها للتبت في الفترة 1950-1951، عملت الصين على توسيع أراضيها بأكثر من الثلث، وأدخلت بذلك تغييراً جوهرياً على المشهد الجيو-استراتيجي في آسيا. فقد أصبحت الصين جارة للهند، ونيبال، وبوتان، وفرضت سيطرتها على شبكات الأنهار الرئيسية في المنطقة. وتشكل الأنهار التي تنبع في التبت الغنية بالمياه أهمية بالغة في دعم البلدين الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم، الصين والهند، فضلاً عن قوس البلدان الذي يمتد من أفغانستان إلى فيتنام.
من منظور الصين، يبدو أن الاستيلاء على مؤسسة الدلاي لاما البالغة من العمر 437 عاماً هو الخطوة الأخيرة في تأمين قبضتها على التبت. فمنذ فراره إلى الهند، كان الدلاي لاما -الزعيم السياسي والروحي الشرعي للتبت (وإن كان قد تخلى عن دوره السياسي لحكومة منتخبة ديمقراطياً في المنفى في العام 2011)- وجهاً عاماً لمقاومة السيطرة الصينية على التبت. ولكن الصين استخدمت في السنوات الأخيرة نفوذها المتنامي -الذي تدعمه التهديدات بالآلام الدبلوماسية والاقتصادية- لإرغام عدد متزايد من البلدان على عدم استقبال الدلاي لاما، وبالتالي الحد من ظهوره على المستوى الدولي.
وتنتظر حكومة الصين، بعد إصدار مرسوم في العام 2007 يقضي بحظر تجسد كبار اللامات مرة أخرى من دون الحصول على إذن رسمي، وفاة الدلاي لاما الحالي، حتى يتسنى لها أن تمارس سلطتها الخالصة التي منحتها لنفسها في اختيار خليفته. ويبدو أن قادة الصين لا يبالون بمدى عبثية قيام حكومة ملحدة باختيار زعيم روحي. ويبدو هذا الأمر أشبه بأن يدّعي موسوليني أنه هو فقط، وليس مجلس الرهبان الكاثوليك، الذي يمكنه تعيين البابا.
ناقش الدلاي لاما المسن علناً مجموعة من الاحتمالات غير التقليدية للمصير الذي ستؤول إليه روحه -من التجسد في هيئة امرأة إلى تسمية خليفته وهو ما يزال على قيد الحياة. وعلاوة على ذلك، اقترح أن الدلاي لاما القادم سوف يكون موجوداً في "العالم الحر"، وهو ما يعني ضمناً أنه سوف يتجسد من جديد كمغترب تبتي في المنفى أو في منطقة تاوانج في الهند، حيث ولِد الدلاي لاما السادس في القرن السابع عشر.
مثل هذه التصريحات دفعت الصين إلى الادعاء، منذ العام 2006، بأن كامل ولاية أروناشال براديش تشكل "جنوب التبت"، ثم ضغطت على الهند في المفاوضات بشأن حدود الهيمالايا المتنازع عليها منذ فترة طويلة لحملها على التنازل على الأقل عن الجزء من منطقة تاوانج الواقعة في تلك الولاية. ولكن الإعلان الذي كان الأكثر إثارة لغضب الصين هو ذلك الذي صرح به الدلاي لاما في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، حين اقترح أنه سيكون الدلاي لاما الأخير.
لدى الصين الكثير من الأسباب التي تجعلها تتوقع رفض التبت المتوترة، التي أعرب شعبها عن ازدرائه للبانتشن لاما الذي عينته الصين والذي يعتبره محتالاً، للدلاي لاما الذي قد تختاره. وإذا أصدر الدلاي لاما مبادئ توجيهية واضحة بشأن إعادة تجسده، فسوف يكون أهل التبت أقل ميلاً إلى قبول التعيين من طرف الصين. والسؤال هو: لماذا تردد الدلاي لاما في القيام بذلك؟
ينبع الخطر الأكبر الذي قد يترتب على رحيل الدلاي لاما من المقاومة العنيفة للقمع الصيني في التبت. ووفقاً للوضع الحالي، فإن التزام الدلاي لاما بنبذ العنف والمصالحة، والذي تمثل في نهج "الطريق الوسط"، الذي يهدف إلى تمكين التبت من الحصول على الحكم الذاتي، ولكن ليس الاستقلال، يساعد في ضمان أن مقاومة التبت للحكم الصيني سوف تظل سلمية وتتجنب النزعة الانفصالية الصريحة.
على مدى السنوات الستين الماضية، كان أهل التبت يتبنون حركة مقاومة نموذجية، غير ملوثة بأي صلة بالإرهاب. وحتى بعد أن أصبح قمع الصين للتراث الديني والثقافي واللغوي للتبت شديداً على نحو متزايد. لم يحمل أهل التبت السلاح، بل كانوا يحتجون من خلال التضحية بالنفس كقربان، وهو ما قام به 140 من أهل التبت منذ العام 2009.
ولكن هذا النهج قد لا يستمر بمجرد رحيل الدلاي لاما الحالي. ذلك أن أهل التبت الأحدث سنا يشعرون بالغضب مسبقاً إزاء الأساليب الوحشية التي تنتهجها الصين -ناهيك عن الرفض الحاد لمبادرات الدلاي لاما، بما في ذلك ما ورد في تقرير رسمي أخير. وعلى هذه الخلفية، فإن تعيين الصين لمحتال في منصب الدلاي لاما يمكن أن ينتهي إلى تحويل الحركة السلمية التي تسعى إلى الحصول على الحكم الذاتي إلى نضال سري عنيف من أجل الاستقلال.
لأن الدلاي لاما الشرعي طفل صغير، وبالتالي غير قادر على تقديم الزعامة القوية لحركة المقاومة، فإن مثل هذه النتيجة قد تكون أكثر ترجيحاً. وقد استغلت الصين هذا الموقف على وجه التحديد، عندما كان الدلاي لاما الحالي في سن خمسة عشر عاماً فقط، لغزو واحتلال التبت.
بعد وفاة الدلاي لاما الثالث عشر في العام 1933، ابتليت التبت التي كانت بلا قيادة بالمكائد السياسية، إلى أن تم تنصيب الدلاي لاما الحالي رسمياً في العام 1950. ويمكن أن يختم أي فراغ قادم في التراتب الهرمي للتبت على مصير نسب الدلاي لاما ويدفع شعب التبت نحو مستقبل عنيف، وقد تمتد العواقب إلى ما هو أبعد كثيراً من حدود هضبة التبت الشاسعة.

*براهما تشيلاني: هو أستاذ الدراسات الاستراتيجية في مركز نيودلهي الجديد لأبحاث السياسات وزميل في أكاديمية بوش روبرت في برلين، وهو مؤلف لتسعة كتب، منها: "الطاغوت الآسيوي، المياه: ميدان معركة آسيا الجديد"؛ و"المياه، والسلام، والحرب: مواجهة أزمة المياه العالمية".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2015.

التعليق