توقعات النمو الاقتصادي 2015: إجماع في الاتجاه الخاطئ؟

تم نشره في الجمعة 10 تموز / يوليو 2015. 11:00 مـساءً

د. جمال الحمصي

تسارعت ردود فعل الصحافة الاقتصادية المحلية تجاه تقديرات النمو الحقيقي للربع الأول من العام الحالي، الصادرة مؤخراً عن دائرة الإحصاءات العامة. هذا يعزى لعاملين: أولهما كبر الفجوة بين النمو المقدر والنمو المتوقع، وثانيهما أن هذه الأرقام كسرت رتابة التقديرات السابقة والمستقرة نسبياً. فقد أظهرت هذه التقديرات الربعية الأولية بلوغ النمو 2 % مقابل 3.1 % للعام 2014 كاملاً.
وقد تفاوتت ردود الأقلام بين اعتبار هذه التقديرات الأولية جرس إنذار يستدعي الاستجابة الملائمة من ناحية، الى الميل الى التهوين من الارقام لعوامل موسمية أو أخطاء التقدير من ناحية أخرى.
وبرأيي، فإن الاتجاه الأول هو أكثر صحة وأن التقديرات الربعية الصادرة يجب أخذها بجدية ولا ينبغي التقليل من دلالاتها لأسباب لا تصمد عند التفحص الدقيق. وواضح من خلال اجراء السياسة النقدية الأخير بتخفيض أسعار الفائدة ان الاتجاه الثاني لا يلقى كامل الـتأييد. فليس صحيحاً أن هنالك فروقاً موسمية متسقة وملموسة بين أداء الاقتصاد خلال الربع الأول وبين أدائه "الأفضل" خلال الأرباع الثلاثة اللاحقة وذلك خلال الأعوام الستة الماضية، خصوصاً إذا استثنينا العام 2009 كحالة خاصة.
كما ان أخطاء التقديرات السريعة الأولية معروفة دولياً لكنها لا تختص بسنوات الهبوط دون سنوات الصعود في الدورة الاقتصادية. وتأخر اقرار الموازنة العامة والصرف منها لا يشكل عاملاً حاسماً في تفسير هبوط نمو العديد من القطاعات، كالسياحة والصناعات التحويلية والانشاءات غير الحكومية.
التوقعات المتفائلة، والخاطئة على الأرجح، لاتجاهات النمو في عام 2015 كانت محل اجماع من قبل مؤسسات دولية، كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومجموعة اكسفورد للأعمال، الى جانب شركات استشارية محلية بعضها يصدر تقريراً تفصيلياً حول آفاق الاقتصاد الاردني للسنة القادمة.
التساؤل الذي يركز عليه هذا المقال: لماذا أخفق الجميع في توقع اتجاهات النمو الاقتصادي في الربع الأول للعام 2015؟ القضية المركزية هنا ليست عجز كافة التنبؤات الدولية والمحلية عن توقع حجم أو معدل النمو الاقتصادي للعام 2015، فهذا أمر وارد في أي تنبؤ مستقبلي، لكن القضية هي اخفاق مختلف التقديرات في توقع اتجاه النمو للعام الحالي وتحديداً توقع التراجع في وتيرة النمو. فحتى ضمن أكثر السيناريوهات الرقمية تشاؤماً، توقع الخبراء ان يرتفع النمو الاقتصادي في العام 2015 الى نحو 3.5 % مقابل 3.1 % في العام 2014. 
باعتقادي، هنالك أسباب عديدة اجتمعت وسببت حالة الاجماع، أبرزها الدور القيادي الذي يتمتع به صندوق النقد الدولي في مجال اصدار التوقعات. فتقديرات الصندوق المنشورة تشكل دوما الأساس لتوقعات غيره من المؤسسات وعادة ما يتبعها الآخرون دون تفحص كاف.
المشكلة الرئيسية هنا هي تفاؤل توقعات الصندوق دعماً لنتائج برامجه. عوامل أخرى مساعدة هي غياب منهجيات محلية، كمية ونوعية، أكثر دقة للتوقع مثل نظام المؤشرات الريادية، وأيضاً اساءة فهم اشارة الارتفاع المحدود في تقدير النمو للعام 2014 بالمقارنة مع 2013، وتبني نهج النبوءة التي (لا) تحقق ذاتها، والتركيز على أثر تراجع أسعار النفط وتجاهل اتجاهات الطلب المحلي والخارجي على السلع والخدمات جراء الظروف والمستجدات الاقليمية.
وبالأخذ بالاعتبار ان تقديرات النمو الربعي الأخيرة والبالغة 2 % تسجل سابقة في مستواها منذ العام 2010، وبالرغم من ان تقديرات النمو للربع الثاني 2015 ستؤكد قصة التحول في اداء النمو أو ستشكك بها، الا ان الحكمة تقتضي أخذ جانب الحذر، والبدء في التحوط لهذا التحول في الأداء ودلالاته على السياسات الاقتصادية.
هذا التحوط هو توجه أساسي لتوفير فرص العمل المنتج وزيادة نصيب الفرد من الدخل القومي مع زيادة السكان وبالتالي تحسين مستوى المعيشة. وهي مقاصد مطلوبة حتى بافتراض تحسن وتائر النمو للأرباع الثلاث القادمة لتصل إلى 3.0 %، وهو افتراض ضعيف الاحتمال برأيي في ظل سيناريو "العمل كالمعتاد" واستمرار السياسات الاقتصادية القائمة.
بناء على كل ما سبق، فإن الاستجابة العقلانية المطلوبة تتمثل في اجراءات متناسقة وقوية وسريعة لدعم جانب العرض في الاقتصاد من خلال تحسين بيئة الأعمال وتخفيف العبء التنظيمي على منشآت الاعمال وتسريع تنفيذ مبادرات رؤية الاردن 2025. كما تشمل تنشيط سياسات ادارة الطلب الأقصر أجلاً، متمثلة في مختلف أدوات السياسة النقدية (مثل كلفة الائتمان ووفرته واستهدافه وادارة مخاطره) وفي أدوات السياسة المالية (كالعبء الضريبي ومشاريع الانفاق العام الممولة من الموازنة العامة ومن المنحة الخليجية). هذا يتطلب بمجمله تطويرات في الحوكمة الاقتصادية، بما في ذلك انتاجية القطاع العام ونموذج الشراكة مع القطاع الخاص والمقدرة الاستيعابية للدعم الخليجي والأجنبي.

التعليق