محمد أبو رمان

ليالي الأنس في فيينا!

تم نشره في الثلاثاء 14 تموز / يوليو 2015. 11:10 مـساءً

تم، أخيراً، الاتفاق على "الصفقة النووية" بين إيران والغرب، أمس في فيينا. وقد يكون التعبير الأكثر دقّة هو "الصفقة الإقليمية". ففي مقابل تنازلات إيران في برنامجها النووي، وقبولها بالرقابة الدولية، فإنّ النصّ الموازي لذلك في الاتفاق يتمثّل في القبول بدور إيراني إقليمي، مع نفوذ واسع لها في المنطقة.
الصفقة الإقليمية تمّ الإقرار بها قبل الاتفاق النووي؛ فهي صفقة موازين القوى الجديدة في المنطقة، والمرتبطة بتحولات جوهرية في رؤية الإدارة الأميركية الجديدة لإيران وللأنظمة العربية على السواء. وبالرغم من محاولات الرئيس باراك أوباما تلطيف هذه الخلافات الأميركية-العربية، وتدوير الزوايا الحادة في تناقض الرؤية بين الطرفين، في قمة كامب ديفيد الأخيرة (مع زعماء الخليج)، إلاّ أنّ الواقع أكبر من المجاملات والكلام الديبلوماسي المنمّق.
ماذا سيترتب على هذه الصفقة داخلياً (في إيران) وإقليمياً؟ على الصعيد الاستراتيجي والتاريخي العام، فإنّ المرحلة المقبلة مختلفة تماماً عن المرحلة السابقة، وتحديداً منذ العام 1979، أي بعد الثورة الإيرانية التي قضت على التحالف التاريخي الإيراني-الأميركي. فما يحدث اليوم من تطورات فرض على الإدارة الأميركية القبول بإيران كحليف أمر واقع، قبل توقيع الاتفاقية النووية. وبعد الاتفاقية، ستعود الصداقة إلى جانب التحالفات، وستكون طهران شريكاً أساسياً في إعادة ترسيم خرائط النفوذ والقوة في المنطقة.
في الداخل، ستؤدي الصفقة إلى ترجيح كفّة التيار الإصلاحي ضد المحافظين، وستخلق مزاجاً اجتماعياً وسياسياً جديداً، الأمر الذي قد يظهر في انتخابات الشورى المبكّرة في شباط (فبراير) من العام المقبل. فالإفراج عما يزيد على 110 مليارات دولار لإيران، مع رفع العقوبات، سينعش الاقتصاد، ويعزز من الضغوط المجتمعية للانفتاح وتحجيم قوة رجال الدين المحافظين، بالتزامن مع انتخابات مجلس خبراء النظام (في آذار (مارس) المقبل)، والتي تأتي في ظل ظروف مرض المرشد الروحي، والحديث عن خلفائه المنتظرين. كل ذلك قد يعيد تشكيل النظام السياسي والاجتماعي في إيران بصورة جديدة على المديين المتوسط والبعيد، ويحجّم من "نظام ولاية الفقيه". لكن الأهم أنّه سيضعف المحافظين على المدى القريب.
على الصعيد الإقليمي، فإن خيوط الصفقة في العراق تكاد تكون واضحة. فهناك إقرار أميركي بالنفوذ الإيراني، وسوف يتم الحوار بين الطرفين مباشرةً على الطاولة لتحديد مستقبل العراق. وبالطبع، فإنّ السُنّة هم الضلع الأضعف في المثلث، مقارنة بالشيعة والأكراد.
سورية ستكون القصة الجوهرية. فهناك احتمالات مفتوحة متباينة للدور الإيراني المنتظر بعد الصفقة في سورية. إذ إن المؤشرات الأخيرة حول تراجع الدعم الإيراني العسكري لنظام الأسد، دفعت به إلى القلق من أن يكون الاتفاق النووي المبرم هو إيذان بعقد صفقة دولية وإقليمية للتخلي عنه، بخاصة أنّ الرئيس أوباما أكّد في خطابه الأخير في البنتاغون على أنّ مستقبل سورية من دون الأسد، فيما ينتظر الإيرانيون والروس وصفة مقنعة لليوم التالي للأسد، للقبول بالتخلي عنه تماماً.
ثمّة أسئلة ونقاشات عديدة ستتولد بعد "ليالي الأنس" في فيينا؛ فهل ستقبل إيران بالعراق الفيدرالي لتتخلّص من الصداع السُنّي؟ وهل سيتوافق العالم على صفقة "ما بعد الأسد"؟ وما هو شكل الحضور الكردي الجديد؟ وكيف ستنعكس هذه المعادلة على الأزمة اللبنانية وعلى مستقبل حزب الله ودوره في المعادلة الداخلية؟
عربياً، كيف سيتعامل العرب مع إيران؟ وما هو موقف الأردن في ظل هذه التحولات الكبيرة؟
بالرغم من أنّه من المبكّر الحديث عن تحولات سحرية فورية، إلاّ أنّه من الضروري أن ندرك تماماً أنّ إيران ما بين 1979-2015 انتهت؛ فهناك إيران جديدة ومنطقة عربية تتشكّل من جديد، على وقع موازين قوى يمثل العرب فيها الطرف المستباح!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مكر الغرب (فايز ابو صالح)

    الأربعاء 15 تموز / يوليو 2015.
    امة الكفر واحدة ... قال تعالى ومكروا مكرهم وعند الله مكرهم وان كان مكرهم لتزول منه الجبال .
    ايران في اضعف حالاتها الان وهاذا الاتفاق سينعشها لتستمر في نشر الشر والفتن في الدول الاسلاميه
  • »عن ليالي الانس... (أحمد العربي - عمان)

    الأربعاء 15 تموز / يوليو 2015.
    لا ادري اذا كان الكاتب المحترم قد اطلع على تصريح الرئيس الامريكي بعد توقيع الاتفاقيه , وفيه وصف المفاوض الايراني بانه مثل ندا ذكيا للولايات المتحدة؛ وحسب معلوماتي لم يحظ اي " مفاوض " عربي بمثل هذه الشهادة .. عليه فان ما جرى بالامس لم يكن للرقص على لحن ليالي الانس في فينا فقد تركت هذه الرقصة لمن اوكلوا امور سياساتهم لغير الشعوب. كذلك فان ما رايته في مقالكم ليس اقرب الى قارىْ الفنجان فحسب بل مقالا رغائبيا يعكس الامنيات والاسقاطات الخاصة بشكل كبير . لماذا الاصرار على استخدام السلاح الامريكي المصدر لتفتيت المنطقة واقصد هنا الطائفية والمحاصصة؟ الا يمكن مثلا, للسعودية ان تجري حوارا مصلحيا- استراتيجيا يمكن ان يشكل مدخلا لتنمية المنطقة ومحاربة الارهاب واطفاء بؤر التوتر وهي مطالب لا تمس بسيادة اي طرف بقدرما تحمي السيادة الوطنية ؟ ماذا سيفعل النعاقون العرب بعد تجريدهم من سلاح الفتنة الامريكي واعني هنا الطائفية والعنصرية اذا التقت الدبلوماسية السعودية بالايرانية ؟ . القادم من الايام قد يحمل الكثير لمن اراد ان يكسب التنمية ويطفىْ الحرائق ويدرك بان ما سيجري لن يكون ترجمة ل " لعبة الامم " فلا تخلي عن سوريا وغيرها من بؤر التوتر , لكن عودة حصار تمدد الكيان الصهيوني ربما لن تتأخر , فلننتظر ونرى مواقف الحلف الامريكي الصهيوني ومواقف حلف الممانعة ايهما اقرب الى شعوب المنطقة .
  • »شرق اوسط بنفس فارسي وتركي فقط (هلا عمي)

    الأربعاء 15 تموز / يوليو 2015.
    فهناك إيران جديدة ومنطقة عربية تتشكّل من جديد، على وقع موازين قوى يمثل العرب فيها الطرف المستباح!
    صدقت دكتور محمد لان العرب اصبح لا قيمة لهم عند الامريكان والغرب بل والعالم كله نتيجة لتراكمات عديده من الرؤية التي كونها الغرب عن العرب فهم الذين يتميزون بالغدر والخيانه فالذي فعلوه بصدام حسين جعلهم من ارخص الامم في عيون الغرب ناهيك عن الدور الذي تميز بالمؤامرات والخيانه لكل ما هو عربي من خلال احداث الفتنه واشعال نار الحروب الاهلية بين مكونات الول العربية وذلك خدمة لامريكا واسرائيل وبالمحصلة الامة العربية اصبحت في الدرك الاسفل من التردي والمهانة لاسباب نعرفها جميعا تدور في فلك الصفات التي كونها العالم عن العرب ودول الخليج لها نصيب الاسد في هذا الشيء ولقد عبرت في اخر سطر من مقالك الرائع حول كون العرب هم الطرف المستباح والذي لا يحسب له اي حساب في معادلة تشكيل الشرق الاوسط الجديد
  • »ايران والعرب (خالد صالح)

    الأربعاء 15 تموز / يوليو 2015.
    استمدت ايران قوتها بالرغم من برنامج العقوبات من ضعف العرب وتأمرهم على بعضهم البعض، ،هذا الضعف مصدره أنظمة ديكتاتورية تقوم على حكم الفرد المطلق يقرر في قضايا مصيرية بناء على مزاجية وقصر نظر وتغليب مصالح الدول الكبرى التي تقوم بالدعم والحماية،كان أمل العرب ان ينجح ما سماه الغرب بالربيع العربي بخلق واقع جديد يعيد للمواطن وحقوقه وللأمة مكانها المستحق بين الامم،ماذا فعل العرب،أنفقوا اموالهم وسخروا الاعلام المنحرف لوأد هذه الحالة قبل ان تتسع وتصل اليهم،يجب على العرب دراسة الحالة الإيرانية والتركية وكيف استطاعت هذه الدول في فرض نفسها كقوى إقليمية وفشل العرب في إقناع احد ان لهم كلمة في الامر،ايران تتدخل في لبنان وسورية والعراق واليمن ومصر تحتاج الى شركات امن لحماية قناة السويس،اين الخلل!!!!!!!!؟
  • »سذاجة (قارئ)

    الأربعاء 15 تموز / يوليو 2015.
    ايران قد تتخلى عن طهران لكن ليس عن دمشق. الكاتب ساذح بصورة مؤسفة
  • »"خلط اوراق لزيادة العديد واللهيب" (يوسف صافي)

    الأربعاء 15 تموز / يوليو 2015.
    الرؤيا العميقة للسياسة الأمريكية كما اعلنها بوش الإبن (الفوضى الخلاقّة) وتبعها اوباما الناعم بعدم التدخل بالحرب الدائرة نيابة عن أحد وتأتي الإتفاقية وان لم تكتمل بعد كإعلان صريح للقوى المتقاتلة "كل واحد يخلع شوكه بيديه" بعد ان حققت الأمن للعدوالصهيوني اقلّه حتى ينتهي القتال مابين الأطراف وبعده حيث يخرج الطرفان منهكان(سياسة فخّار يكسر بعضه) انظر تصريحات ايران بعد ان حاولت تركيا التدخل في سوريا وكأن مابعد الكمبارس الأضعف ستمتد الحرب للكمبارس الأقوى(تركيا وايران ظنا انهم لاعبين كبار حيث مربط الفرس القتال الطائفي المتوقع امتداده ل افغانستان وباكستان بعد منهم)"ولاراد لقضاء الله بل اللطف فيه"
  • »مستقبل مظلم (سعيد)

    الأربعاء 15 تموز / يوليو 2015.
    الاتفاقية تعكس نظرة العالم الجديدة للمنطقة وأهم ملامح هذه النظرة أن النظام العربي الذي كان الغرب يقيم معه علاقات ويحسب له حسابات قد انتهى.
    وأن المرحلة القادمة ستشهد عدم استقرار نتيجة عمليات التحول الناتجة عن نهاية هذا النظام لذلك كان لا بد من ترتيب تحالفات جديدة مع دول مستقرة ولو نسبيا أكثر من دول العالم العربي.
    مرة أخرى هذا الحدث هو أحد مظاهر فشل الدولة العربية والنظام العربي عبر عقود ما بعد الاستعمار وحتى اليوم.
    إن صعود نفوذ إيران المتوقع بعد هذا الاتفاق سيعمل على دق المسامير الأخيرة في نعش النظام العربي.
    والمفروض في الحالات التي تواجه الدول فيها مصاعب أن تلجأ لشعوبها كي تسندها.
    لكن مشكلة الأنظمة العربية أنها قطعت الصلة مع شعوبها. بل إن هذه الشعوب عانت من هذه الأنظمة ما لم تلقه من المستعمرين أيام الاستعمار.
    القادم من الأيام مظلم إلى درجة أن إسرائيل تقايض بقايا الأنظمة العربية على اعتراف بضم الجولان وشرعنة وجودها مقابل حمايتهم. وستحصل اسرائيل على ما تريد لكنها لن تحمي أحدا وستسعى إلى التحالف مع إيران لترتيب تقاسم النفوذ في هذه المنطقة الخالية من الإرادة.
  • »بيئة العرب السياسية الراكدة (بسمة الهندي)

    الأربعاء 15 تموز / يوليو 2015.
    أستاذ محمد، الاغراق في محاولة قراءة المستقبل جعل مقالك أقرب إلى "قارئة الفنجان" منه إلى "ليالي الأنس في فينا" – أتفق معك بشأن المزاج السياسي والاجتماعي الجديد في إيران، ولكنه سابق للاتفاق. باختصار، هناك تيارات سياسية في أمريكا وهناك أيضاً تيارات سياسية في إيران، بمعنى أن هناك بيئة سياسية داخلية ديناميكية ومتطورة في البلدين، أي بيئة سياسية غير راكدة.
    أوباما هو من "عظام رقبة" النظام السياسي الأمريكي، كما أن روحاني هو من "عظام رقبة" النظام السياسي (رفسنجاني وخاتمي ومير حسين موسوي هم رموز الثورة الخضراء الايرانية وهم أيضاً من "عظام رقبة" النظام – روحاني هو بالوسط ما بين تلك الرموز والحرس الثوري. رفسنجاني عراب الاصلاح الاقتصادي وخاتمي عراب الاصلاح المدني والسياسي) هناك روح في الحياة السياسية في البلدين.
    الاتفاق بين ايران وأمريكا يعني نهاية مدرسة "المحافظين الجدد" في أمريكا وأرثها، كما يعني تكريس لأجندة الثورة الخضراء الايرانية (ثورة 2009) وإن كانت رموزها المعروفة ليست في الواجهة.
    المشكلة في العالم العربي هي في ركود البيئة السياسية الداخلية؛ ركود ممزوج في بعض الحالات بانفجارات اجتماعية وسياسية وتكسير عظم (هي مؤشرات ركود لا حركة كما يتوهم البعض). جوهر مشكلتنا ليس مع ايران أو أمريكا، بل مع أنفسنا ومع بيئتنا السياسية الراكدة.
    لا أستطيع أن أنهي تعليقي هذا دون القول بأن جون كيري واحد من أهم وزراء الخارجية في تاريخ أمريكا.