إبراهيم غرايبة

العقلي والفردي والجماعي في الدين

تم نشره في الثلاثاء 14 تموز / يوليو 2015. 11:07 مـساءً

يصدق الإنسان بقلبه، ولا سلطان في ذلك لأحد عليه. فالإيمان مسألة خالصة بين الإنسان والخالق، ولا يمكن إجبار أحد على الإيمان أو عدم الإيمان ("... أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ")، ولا يجوز محاولة إجبار أحد أو محاسبته على الإيمان، ولكننا نفهم الدين ونطبقه بعقولنا وما لدينا من معرفة وإدراك. وبذلك، فإن عمليات فهم الدين وتطبيقه هي إنسانية؛ بما في ذلك من خطأ أو صواب، موضوعية أو انحياز، هوى أو نزاهة، خبرة وذكاء أو نقص معرفة وذكاء... هي معرفة وتجارب إنسانية ليست مقدسة، حتى لو أطلقت أحكاما بالحرام والحلال والمكروه والجائز، إذ هي أحكام إنسانية مشوبة بقوة الإنسان وضعفه، وتتعرض على نحو دائم للمراجعة والتصحيح والتغيير، وليست مقدسة حتى وهي صواب وليست خروجا من الدين حتى وهي خطأ.
الذين يصدقون أن القرآن وحي من السماء نزل به الروح الأمين على قلب محمد ليكون من المنذرين، لم يثبتوا ذلك في المختبرات.. لا نملك إلا أننا نصدق وكفى! وكل ما تقوم به السلطات السياسية والدينية بعد ذلك لا يجوز أن يتعدى احترام وحماية هذا التصديق وخصوصيته. أما أحكام الردة وما يتعلق بها من حقوق وواجبات، فإنها وصاية على الدين والناس لم يأمر بها الله، العكس هي اعتداء على ربوبية الله وادعاء بالألوهية والربوبية لم يأذن بها الله.
الدول الحديثة، بما هي تنظيم سياسي للإقليم وعلاقة الناس به وبالسلطة لهذه العلاقة، تقوم على المواطنة والعقد الاجتماعي بين المواطنين والسلطة والمؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وبين بعضهم بعضا. وهي تطور إنساني تبلور في القرن السابع عشر (معاهدة وستفاليا 1648)، وبدأ للمرة الأولى يأخذ أبعادا تطبيقية واقعية العام 1688 في بريطانيا، ثم في الولايات المتحدة العام 1776، وما يقدم بعد ذلك من فقه سياسي "إسلامي" هو محاولة لاستيعاب التقدم الإنساني ومطابقته أو محاكمته إلى الإسلام. ولا بأس في ذلك على أي حال، ولكنه ليس إيمانا ولا كفرا ولا حلالا ولا حراما. أما أحكام الردّة المطبقة في قوانين وتشريعات الدول العربية والإسلامية في الشهادة والزواج والحضانة والميراث مما لم يرد في القرآن؛ فهي تطبيق حرفي للتوراة درجت عليه السلطات السياسية والدينية منذ قرون عدة، والتبست على أصحابها وعلى الناس بأنها من الإسلام. ومن الطريف جدا أن المؤمنين بها من المسيحيين واليهود لا يطبقونها.
أن يكون الفهم والتطبيق إنسانيين، يعني ذلك بالضرورة تعددا في الأفهام يساوي عدد المؤمنين. وفي هذه التعددية الهائلة لا مجال عمليا إلا للفردية الخالصة في الإيمان والعبادة والعلاقة بالخالق، فلا شأن لأحد بها ولا سلطان لأحد عليها. ويقتضي ذلك بالضرورة أن ما يتعدى الفرد إلى المجتمع والسوق والسلطة، لا يمكن إدارته أو تنظيمه إلا برده إلى الإنسان. حتى أولئك الذين يؤمنون بتعاليم نزلت من السماء لتنظيم الحكم والأسواق والقوانين، فإنه لا مجال لفهم ما يؤمنون به ويدعون إلى تطبيقه، سوى مجهود عقلي إنساني، وفي ذلك سوف تتعدد الأفهام والآراء، ما يحتم اللجوء إلى أدوات إنسانية في الاختيار، وبما يعني بالضرورة، أيضا، أنها قابلة لأن تكون خطأ وأنها صواب أو ربما تكون صوابا أو أقرب إلى الصواب في اللحظة الراهنة فقط، وبما هي تحظى بتأييد الأغلبية. وفي اللحظة التي تفقد فيها تأييد الأغلبية لا تعود صوابا ليس لأنها خطأ أو صواب، أو لأنها كانت صوابا وصارت خطأ، أو كنا نظنها صوابا وتبين أنها خطأ، ولكن لأننا نقر أننا لا نعرف الصواب ولا نملك سوى البحث الدائم عنه.
كيف يتعصب قوم ويقاتلون ويموتون لأجل فكرة ربما تكون خاطئة، أو لا يعرفون إن كانت صوابا أو خطأ؟
لا بأس بالدفاع عن فكرة أو قضية أو الإيمان بها أو حتى الموت من أجلها، ولكن لنحاول أن نجعل فرصة لتصحيح الأخطاء أو التراجع عنها، أو على الأقل لتكن قضية تستحق أن نقاتل أو نخسر لأجلها!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »العباد انواع (هاني سعيد)

    الأربعاء 15 تموز / يوليو 2015.
    في مقال الاستاذ ابراهيم "العقلي والفردي والجماعي في الدين " شرح فيه جوانب مختلفة تستحق التأمل والوقوف على معطياتها السامية
    الحقيقة انما سمي العقل عقلا لأنه يعقل الهوى أي يقيده ويوثقه وثاقا شديدا وهو يعقل الشهوات ،واذا كانت الروح حياة العقل اي لا حياة بلا روح فان العقل هو الذي يسمو بالروح والازمة في الامة العربية هو ضمور وتأكل العقل الجمعي اي ما يسمى الرأي العام - فالرأي العام اميل الى تصديق اللامعقول وتكذيب المعقول وهو عقل الموضوعية ويرفض الحقائق ويهوى الشائعات والاكاذيب والخرافات وهذا الميل الغريب الى كل ما هو شاذ وغير مألوف جعل العقل الجمعي العربي يفرغ كل القيم والشرائع والاديان والعقائد من مضامينها وحولها الى ترهات وخرافات ، فالعربي مولع بالدجل والهرطقة وربط كل هذا بالدين ولذلك سيطر عليه وعلى افكاره الدجالون والارهابيون وتجار الدين والدعاة والعلماء الذين انشغلوا بوصف الحنة وما فيها من لحوم وطيور وانهار عسل ولبن وخمر وراحوا يصفون كل شيء دون ان يصفوا طريق الوصول اليها
    المطلوب من المؤمن الحق ان يحب الحياة لا ان يحب الموت وان يحب الأخرة لا ان يحب الدنيا لأن الدنيا فانية ولكن الحياة باقية تنتهي في الدنيا وتبدأ بلا نهاية في الاخرة والحقيقة ان كل الدماء التي تسيل والانفس التي تموت والبلاد التي اصابها الخراب في هذه الامة انما يحدث فيها كل ذلك من اعداء الحياة وطلاب الدنيا فنحن نحارب الحياة من اجل الدنيا وليس صحيحا اننا نحارب من اجل الدين لأنه يقدس الحياة ويأمر بالحفاظ عليها بينما يرغب في الاخرة ويزهد في الدنيا وأفة الامة اليوم هي في الاحمق العابد وهي مشكلة اخطر من فجو الفاجر
  • »الردة (خلدون)

    الأربعاء 15 تموز / يوليو 2015.
    مفهوم الردة و حروبها أمر يتنافى مع العقل و دوره سياسي بحث .
    العقل و قناعاتي تحدد ما أريد و ليس ما كتب على الهوية عند ميلادى.
  • »ابدعت (خلدون)

    الأربعاء 15 تموز / يوليو 2015.
    تألقت و أبدعت كالعادة.
    اشكرك