لقد توصلنا إلى اتفاق مع إيران.. ماذا بعد؟

تم نشره في الثلاثاء 21 تموز / يوليو 2015. 12:00 صباحاً
  • الرئيسان الأميركي باراك أوباما والإيراني حسن روحاني - (أرشيفية)

جمشيد تشوكسي* - (ريل كلير وورلد) 14/7/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

تم الاتفاق مؤخراً على رفع القيود الاقتصادية، والتخفيف التدريجي لحظر الأسلحة، كما طلبت إيران، في تلازم مع وقف تطوير البنية التحتية النووية الإيرانية وتفعيل إجراءات التحقق من المواقع النووية، كما طلبت مجموعة 5+1. وسيحدث ذلك على الأقل في حال صمود خطة العمل الشامل المشتركة التي أعلنت في فيينا يوم الرابع عشر من هذا الشهر. ولا تتطلب الاتفاقية من إيران التخلي عن دعواتها لتدمير الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن العقوبات الأميركية ضد إيران، والمتعلقة بالإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان، سوف تستمر.
فيما وراء الوقائع التقنية الجوهرية، تحمل الصفقة في طياتها تبعات رئيسية، وربما دائمة. فرغم العقوبات الأميركية التي بدأت في العام 1987، يضاف إليها عقوبات الأمم المتحدة في العام 2006، فإن اقتصاد إيران يحتل المرتبة 29 في العالم. وقد استطاع علماؤها توطين تكنولوجيا الطاقة النووية على "المستوى الصناعي"، كما قال الرئيس حسن روحاني متفاخراً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 2013. وكتب وزير الخارجية محمد جواد ظريف منتشياً، بينما كانت آخر مراحل المفاوضات متواصلة، أن طاقة التخصيب زادت بشكل دال "لأنه كان لدى إيران عند بداية هذه الأزمة أقل من 200 جهاز للطرد المركزي، واليوم أصبح لديها 20.000 جهاز للطرد المركزي". كما أقر وزير الدفاع الأميركي، أشتون كارتر، في حديث خاص في نيسان (أبريل) الماضي بأنه بينما "ستعيد القنابل البرنامج النووي الإيراني وراء لبعض الوقت، فإن العمل العسكري يمكن عسكه". وبذلك، بدت الصفقة "أفضل خيار بما لا يقاس" بالنسبة للرئيس الأميركي باراك أوباما وغيره من قادة العالم.
رغم كل شيء، يظل النقاش الدائر حول ما إذا كانت الصفقة جيدة -ولمن- وما إذا كان من الممكن تنفيذها على المدى البعيد، مسألة مفهومة. وتستطيع إيران ممارسة الخداع في الحقيقة، ويظل مطروحاً سؤال ما إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع بالفعل إعادة فرض العقوبات أو تدمير المواقع النووية المشكوك فيها إذا انهار تنفيذ بنود الاتفاق. وعلى المدى الطويل، قد تكون إيران النووية مسألة محتمة -لأن هذه الإمكانية تفي بالطموحات العالمية لذلك البلد.
أمل ومعارضة
مع ذلك، ثمة ارتياح عم العالم لأن إيران وافقت على تجميد سعيها للحصول على الطاقة الذرية. ولذلك، فإن رفض الصفقة سيكون صعباً على كل من الكونغرس الأميركي والمجلس (البرلمان) الإيراني، رغم أن كلا المجلسين التشريعيين قد أقرا تشريعات للإشراف -تشريعات يستطيع الرئيس في كل من البلدين تجاوزها. وفي الحقيقة، فإن إدارتي أوباما وروحاني تغذان الخطى لقطع الطريق على معارضي الاتفاق في الوطن والخارج على حد سواء. وتبعاً لذلك، من المرجح أن لا تنجح مقاومة الاتفاقية، حتى من جانب قادة حلفاء الولايات المتحدة، مثل العربية السعودية وإسرائيل؛ عدوتي إيران في المنطقة.
تخشى العربية السعودية أيضاً أن تستعيد إيران في نهاية المطاف كسب المكانة التفضيلية الولايات المتحدة، والتي كانت تتمتع بها قبل العام 1979. ومع ذلك، فإن معظم الساسة الإيرانيين سيتجنبون هذا التحالف، وسيحتفون بفكرة عودة إيران إلى التفوق الإقليمي، لأن واشنطن تستطيع من خلال لعب بطاقة دعم إيران المساعدة في جلب الملكية السعودية إلى خط السياسة الأميركية المعادية للإرهاب وإلى خطط السلام الشرق أوسطي. ومع بدء قفز الاقتصاد الإيراني، سيكون من المؤكد أنه سيتفوق على اقتصاد العربية السعودية كأضخم اقتصاد في المنطقة وأكثرها تنوعاً -موفراً لطهران موارد جديدة لموازاة تمدد إيران الوهابي. وسيكون من المفيد للشرق الأوسط وللعالم أيضاً وجود حالة تعادل بين أولئك الخصوم السنة والشيعة.
كاسبون أكيدون ومحتملون
سوف يواجه المستثمرون الأجانب أجهزة دولة إيرانية مجردة من السيولة، ومتلهفة لقبول الأموال والتكنولوجيا للبدء في استغلال النفط (تتوافر إيران على رابع احتياطات نفط مثبتة في العالم) والغاز (ثاني أضخم احتياطيات مثبتة) ومعادن نفيسة نادرة في باطن الأرض (7 في المائة من احتياطيات العالم المثبتة). وبعد سنوات من ركود الإسهامات في سلسلة إمدادات الطاقة العالمية، ستنجم إيران بسرعة كمزود رئيسي ثابت للطاقة للاتحاد الأوروبي والصين. وبعد كل شيء، وعلى عكس مزودي الشرق الأوسط الآخرين مثل العربية السعودية، فإن إيران لا تواجه تهديد المتشددين الذين يلقون بمجتمعها في أتون الفوضى، وبالتالي جر الأمم الجائعة للوقود إلى حالة ركود بفعلها ذلك. ولعل الأمر الأكثر إشكالية هو النية التي كشف عنها علي أكبر صالحي، الذي يرأس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، لتصدير "اليورانيوم المخصب والماء الثقيل" لبلدان أخرى من أجل الاستخدامات المدنية.
وحتى مؤسسة الحرس الثوري الإيراني التي أصبحت عن طريق تعزيز تفويضها العسكري المجموعة الصناعية الرئيسية في إيران، والمقدرة قيمتها بأكثر من 150 مليار دولار، تستطيع جني مزايا مالية كبيرة من خلال الارتباط مع الشركات الغربية. ومن شأن هذه الشراكات تعزيز هالة الحرس الثوري الإيراني، ليس في داخل إيران فقط وإنما فيما وراءها أيضاً -ربما حتى بتحويله إلى شركة متعددة الجنسيات. وقد تزداد قدرة جهاز الحرس الثوري الإيراني للعمل كوكيل عالمي للإرهاب -ليس فقط من خلال السيولة التي تتولد من التجارة الإضافية، وإنما أيضاً من خلال إساءة استخدام مليارات الدولارات التي سيتم الإفراج عنها لإيران بموجب صفقة التجميد النووي. ومع ذلك، وبينما يصبح أكثر اعتماداً على الاستثمارات والشراكات الدولية، فإن ضباط الحرس الثوري الإيراني والمجندين فيه يمكن أن يختاروا بحصافة خيار التعاون على العداوة، والثراء على المشروع النووي.
بسبب عقود من طلب المستهلك المكبوت، فإن إيران ما بعد العقوبات ستصبح سوقاً رئيسية صاعدة للمصدرين الأجانب الذين يقدمون خدمات للأسواق الفخمة، كالأزياء الرفيعة والسيارات السريعة وأحدث التقنيات في جراحة التجميل. وسوف يجد الموردون الأجانب أسواق مبيعات مغرية في المواد الصيدلانية المحتضرة حتى الآن، وفي تكنولوجيا المعلومات وقطاعات الطيران (معدل العمر التشغيلي للطائرة هو 35 عاماً، وتعود معدات المطارات الإيرانية إلى السبعينيات). وسيبرز التعاون التعليمي مع الجامعات الأميركية والأوروبية -كما يشاهد راهناً في الإمارات العربية المتحدة والعربية السعودية- والتي تخدم شباب إيران الموهوب والساخط.
ثمة الإمكانية أيضاً لحدوث تغيير آخر على القدر نفسه من الأهمية. فالإيرانيون المؤدلجون ليبرالياً، وخاصة أولئك الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً والذين لا يتوافرون على ذاكرة لثورة العام 1979 وعاطفتها المعادية للغرب، يأملون أن يدفع الاتصال المتزايد مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى التغيير المجتمعي والسياسي في إيران بعيداً عن الثيوقراطية والحزب الواحد. وكان الإيرانيون قد سعوا جادين في العام 2009 إلى تحويل حكومتهم إلى حكومة أكثر ديمقراطية ومحكومة دينياً على نحو أقل. وبينما تتراجع العقوبات وتتصاعد التعاملات، فإنه سيكون من الصعب بازدياد على النظام وقف تدفق الناس والأفكار والمعلومات، أو تشكيل تلك التدفقات التي تهدف إلى استدامة الثيوقراطية. وفي الحقيقة، وحتى فيما هو يدفع في اتجاه صفقة نووية في الخارج، كان الرئيس روحاني يتحدث عن الحاجة إلى الحريات الشخصية والمدنية في الوطن، مغرداً على التويتر اليوم أنه يتوقع من "شبابنا أن يحلموا ثانية بمستقبل أكثر إشراقاً".
يعد الاتفاق النووي انتصاراً أيضاً للرئيسين أوباما وروحاني، وكلاهما رهنا مكانتهما السياسية به. ومن المؤكد أن يسعى روحاني إلى الدفع بإصلاحات اقتصادية واجتماعية وسياسية في أعقاب هذه الاتفاقية لتعزيز فرص إعادة انتخابه في العام 2017. وقد يحول أوباما تدعيم إرثه الخاص عبر البناء على الاتفاقية. وكان روحاني قد دعا أوباما إلى العمل مع إيران لحل القضايا الإقليمية، مثل تحطيم تنظيم "الدولة الإسلامية" ووضع حد للحرب الأهلية السورية -وقد يقبل الرئيس الأميركي تلك العروض، رغم استياء الآخرين.
بل إن الرئيس أوباما قد يجد إغراء حتى في إخراج نسخة ثانية لمشروعه الدبلوماسي مع كوبا عبر السعي لاستئناف العلاقات الكاملة مع إيران. وكان الرئيس الإيراني لمرتين سابقاً ورئيس مجلس الخلاص راهناً، آية الله أكبر هاشمي رفسنجاني، قد أكد مؤخراً أنه "من غير المستحيل أن تعيد السفارة الأميركية في طهران افتتاح أبوابها، رغم أن هذا الإجراء يعتمد على سلوك كلا الجانبين". ودعونا نتذكر أن الرئيس أوباما كان قد أعلن في خطابه في القاهرة في العام 2009 بشكل محدد: "لقد أوضحت لقادة وشعب إيران أن بلدي مستعد للتحرك قدماً".

*أستاذ بارز ومتميز في حقل الدراسات الإيرانية، وهو رئيس مجلس إدارة كلية الدراسات الأوروآسيوية الوسطى في كلية الدراسات العالمية والدولية في جامعة إنديانا. وهو أيضاً عضو في المجلس القومي للإنسانيات التابع للحكومة الأميركية.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
 So We Have a Deal with Iran. Now What?

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

abdrahamanalhuseini@

التعليق