صندوق النقد الدولي وأزمة اليورو

تم نشره في الخميس 30 تموز / يوليو 2015. 12:00 صباحاً

نايري وودز*

أكسفورد ـ على مدى العقود القليلة الماضية، تعلم صندوق النقد الدولي ستة دروس مهمة حول كيفية إدارة أزمات الديون الحكومية. ولكنه في الاستجابة للأزمة في اليونان تجاهل كل من هذه الدروس.
ولعل مشاركة الصندوق في الجهود الرامية إلى إنقاذ منطقة اليورو ساعدت في تحسين صورة الصندوق وإكسابه مكانة في أوروبا. ولكن فشله، وفشل المساهمون فيه من الأوروبيين، في الالتزام بأفضل الممارسات ربما يثبت في النهاية أنها كانت زلة قاتلة.
كان أحد الدروس المتجاهلة في كارثة اليونان هو أنه عندما يصبح الإنقاذ ضروريا، فإنه لابد أن يتم على الفور وبشكل حاسم. وقد تعلم صندوق النقد الدولي هذا في عام 1997، عندما تسببت عملية الإنقاذ غير الوافية لكوريا الجنوبية في فرض جولة ثانية من المحادثات. وفي اليونان، كانت المشكلة أشد سوءا، حيث تأتي خطة الإنقاذ المطروحة للمناقشة الآن بقيمة 86 مليار يورو (94 مليار دولار أميركي) بعد خطة إنقاذ بقيمة 110 مليار يورو في العام 2010، ثم خطة إنقاذ ثانية بقيمة 130 مليار يورو في العام 2012.
الواقع أن صندوق النقل الدولي، بمفرده، مقيد بشدة. فقروضه تقتصر على مضاعف مساهمات البلدان في رأسماله. وبهذا المقياس تصبح القروض التي قدمها لليونان أعلى من أي قرض قدمه في تاريخه. بيد أن حكومات منطقة اليورو لا تواجه مثل هذه القيود، وكانت بالتالي تتمتع بالحرية الكافية لوضع برنامج كان ليصبح مستداما.
وهناك درس آخر تم تجاهله، وهو عدم إنقاذ البنوك. وقد تعلم صندوق النقد الدولي هذا الدرس بالطريقة الصعبة في ثمانينيات القرن العشرين، عندما حول قروضاً مصرفية رديئة مقدمة إلى حكومات أميركا اللاتينية إلى دفاتره ودفاتر حكومات أخرى. وفي حالة اليونان، تم نقل القروض الرديئة التي تصدرها بنوك فرنسية وألمانية إلى الدفاتر العامة، وبهذا امتد التعرض ليس فقط لدافعي الضرائب الأوروبيين، بل وأيضاً إلى عضوية صندوق النقد الدولي بالكامل.
وكان الدرس الثالث الذي عجز صندوق النقد الدولي عن تطبيقه في اليونان هو أن التقشف يؤدي غالباً إلى حلقة مفرغة، مع تسبب خفض الإنفاق في انكماش الاقتصاد إلى مستويات أعلى كثيراً مما كان ليصبح لولا ذلك. ولأن صندوق النقد الدولي يقرض الأموال على أساس قصير الأجل، فإن الحافز كان كبيراً لتجاهل التأثيرات المترتبة على التقشف من أجل الوصول إلى توقعات نمو تعني ضمناً القدرة على السداد. ومن ناحية أخرى، وجدت بلدان منطقة اليورو الأخرى الساعية إلى تبرير تضاؤل التمويل عذراً مريحاً لتجاهل التأثير الكارثي المترتب على التقشف.
ورابعا، تعلم صندوق النقد الدولي أن تنفيذ الإصلاحات لن يتم في الأرجح إلا إذا كان عددها قليلاً وتركيزها دقيقا. فعندما تطلب دولة ما المساعدة يصبح من المغري للمقرضين أن يصروا على قائمة طويلة من الإصلاحات. ولكن الحكومة التي حطمتها الأزمة سوف تجد بكل تأكيد صعوبة بالغة في إدارة مطالب متعددة.
في اليونان، لم يكتف صندوق النقد الدولي وشركاؤه الأوروبيون بمطالبة الحكومة بخفض الإنفاق، بل وفرضوا عليها أيضاً إصلاحات بعيدة المدى للنظام الضريبي، ومعاشات التقاعد، وسوق العمل. ورغم أن التدابير الأكثر إلحاحاً لن تخلف تأثيراً فورياً على الأوضاع المالية لليونان، فإن صندوق النقد الدولي لم يكن لديه اختيار سوى التأكيد على تخفيضات الإنفاق في الأمد القريب والتي تعمل على تعزيز فرص سداد الديون المستحقة له ــ حتى برغم أن هذا من شأنه أن يجعل تنفيذ الإصلاحات أمراً أشد صعوبة.
والدرس الخامس هو أن الإصلاحات من غير المرجح أن تنجح ما لم تلتزم الحكومة بمتابعتها إلى النهاية. ويكاد يكون من المؤكد أن الشروط التي يُنظَر إليها على أنها مفروضة من الخارج مصيرها الفشل. وفي حالة اليونان، دفعت اعتبارات سياسية داخلية الحكومات الأوروبية إلى التظاهر بفرض ضغوط شديدة على الحكومة اليونانية. وكان صندوق النقد الدولي أيضاً حريصاً على إثبات شدته في التعامل مع اليونان تماماً كما كان شديداً في التعامل مع البرازيل وإندونيسيا وزامبيا ــ حتى ولو كان ذلك هدّاماً في نهاية المطاف.
وكان الدرس السادس الذي تجاهله صندوق النقد الدولي هو أن إنقاذ البلدان التي لا تسيطر بشكل كامل على عملاتها ينطوي على مخاطر إضافية. وكما تعلم الصندوق في الأرجنتين وغرب أفريقيا، فإن مثل هذه البلدان تفتقر إلى واحدة من أسهل الطرق للتكيف مع أزمات الديون: القدرة على خفض قيمة العملة.
وبعد فشله في تحذير اليونان والبرتغال وأيرلندا وأسبانيا مقدماً من مخاطر الانضمام إلى تكتل عملة موحدة، فكان لزاماً على صندوق النقد الدولي أن ينظر في ما إذا كان من اللائق أو الضروري أن يتدخل على الإطلاق في أزمة منطقة اليورو. والواقع أن مبرراته المنطقة للقيام بذلك تسلط الضوء على المخاطر المرتبطة بالقرارات التي يتخذها.
والسبب الأشد وضوحاً وراء إجراءات صندوق النقد الدولي هو أن أوروبا كانت فاشلة في معالجة مشاكلها الخاصة، وكانت تملك ما يكفي من السلطة والنفوذ لتوريط الصندوق. وكان المدير الإداري لصندوق النقد الدولي يُختار من أوروبا دائما، وتتمتع الدول الأوروبية بحصة غير متناسبة من الأصوات في مجلس إدارة الصندوق.
ولكن على نفس القدر من الأهمية كانت حقيقة مفادها أن صندوق النقد الدولي اتخذ قراره في حين كان يواجه أزمة وجودية. وتاريخيا، لم يكن التهديد الأكبر لصندوق النقد الدولي على أي قدر يُذكَر من الأهمية. وكاد الصندوق يصبح زائداً عن الحاجة في سبعينيات القرن العشرين عندما عومت الولايات المتحدة الدولار، لكي يتم إنقاذه في عام 1982 بفضل أزمة الديون المكسيكية، والتي دفعت به إلى دور منقذ الحياة المالي العالمي.
بعد عشر سنوات، بدأت أهمية صندوق النقد الدولي تتضاءل مرة أخرى، ولكن دوره عاد إلى الانتعاش من جديد بفضل الدور الذي لعبه في تحويل اقتصادات الكتلة السوفييتية السابقة. وفي وقت اندلاع أزمة اليورو، كان الصندوق يتخبط مرة أخرى في أعقاب أزمة شرق آسيا، حيث بذل عملاؤه الذين يدفعون رسومه كل ما بوسعهم من جهد لتجنب اللجوء إليه.
الحق أن مشاركة صندوق النقد الدولي في أزمة منطقة اليورو أعطت الاقتصادات الناشئة القوية سبباً آخر للتحرر من وهم صندوق النقد الدولي. وبعد أن أحبطت الولايات المتحدة مطالبها بقوة تصويت أكبر في الصندوق، فإن هذه الاقتصادات تكتشف الآن أن المنظمة كانت تنفذ أوامر أوروبا. وسوف يكون من الصعب أن يستعيد صندوق النقد الدولي ثقة هذه البلدان الأعضاء المتزايدة الأهمية. وما لم تسارع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى التخلي عن هيمنتهما على الصندوق، فربما تكون أحدث محاولة من قِبَل الصندوق لاستعادة أهميته هي الأخيرة.

*عميدة كلية بلافاتنيك لدراسات الحكم والإدارة.
خاص بـ"الغد" بالتعاون بروجيكت سنديكيت.

التعليق