د.أحمد جميل عزم

القوة الناعمة الصينية

تم نشره في الخميس 30 تموز / يوليو 2015. 12:03 صباحاً

صادفتني، على المستوى الشخصي، في السنة الأخيرة، عدة حالات دفعتني إلى السؤال: هل لدى الصين خطة قوة ناعمة جديدة؟
في الأشهر الأخيرة، صادفتُ أشخاصا (عربا) عاديين من قطاعات مختلفة، يعملون في مهن مختلفة، تلقوا دعوات إلى الصين بهدف أساسي، هو التعرف إلى التجربة الصينية. وتأتي الزيارات على شكل دورات تدريبية أو زيارات تعريفية.
إلى ذلك، وكأستاذ جامعة، التقى بي باحثان صينيان (من مراكز بحثية حكومية صينية)، يسألون عن الدور الذي يمكن للصين أن تقوم به بالتعاون مع الجامعات والباحثين، في إشارة واضحة أخرى على "دبلوماسية شعبية" مزمعة.
يقول جوزيف ناي، الباحث الأميركي الشهير صاحب فكرة ومصطلح "القوة الناعمة"، في مقال نشر مؤخرا: إنّ "الرئيس الصيني العام 2007، هو جنتاو، أخبر الحزب الشيوعي (الحاكم في الصين) أنّ البلاد تحتاج زيادة قوتها الناعمة. وقد أعاد الرئيس الحالي شي جين بينغ، نفس الرسالة العام الماضي". فهم يعرفون أنّ بلدا مثل الصين، تؤدي قواها الاقتصادية والعسكرية المتنامية إلى إخافة جيرانها، ويؤدي بها لتكوين تحالفات مضادة، وأنّ "استراتيجية ذكية لا بد أن تبدو أقل إخافةً".  
عمليا، فإنّ الزيارات التي ذكرتها أعلاه قد تكون مختلفة عمّا يقصده ناي؛ فهو يتحدث عن الجيران الذين توجد مشكلات كثيرة بينهم وبين الصين، مثل اليابان والهند. أمّا الزيارات فهي حول العالم ولمناطق أبعد.
بحسب ناي، تنفق الصين 10 مليارات دولار سنويا على الدعاية الخارجية. أمّا الولايات المتحدة، فخصصت العام الماضي 66 مليون دولار فقط للدبلوماسية الشعبية. ولكنه يرى أنّ هناك محدودية بالغة لأثر مليارات الصين، لأنّ الحزب الشيوعي أيضا يعتمد خطابا قوميا صينيا يفزع الدول الأخرى، وبسبب سوء سجل حقوق الإنسان الصيني.
يمكن أن نضيف لما قاله ناي أسبابا أخرى تجعل المقارنة بين المليارات العشرة والـ66 مليونا خادعة؛ منها أنّ فكرة الدبلوماسية الشعبية ذاتها تقوم على أن تصبح الدولة ذات صورة جذابة في عقل الشعوب الأخرى، والصورة الأميركية خليط بين دولة إمبريالية لكنها أيضاً جذابة من حيث مستوى ونمط الحياة ومن حيث مدى القوة، وتستفيد من عامل قوة ناعمة مجانية (أو مربحة حتى) كثيرة، تبدأ من إرث كبير للسينما والإعلام الأميركي التجاري، مرورا بالأكاديميا الأميركية وقوة اللغة الإنجليزية، وصولا إلى المهاجرين الموجودين في الولايات المتحدة من كل العالم، والذين يلعبون بشكل أو آخر دور السياسي والدبلوماسي الممثل لنمط الحياة الأميركي الجذاب.
هذا لا يقلل من أهمية ما يقوم به الصينيون. وعلى سبيل المثال، يسعى الصينيون إلى توضيح تاريخ علاقاتهم مع العالم، وإنشاء شكل آخر من الترابط. فهذا العام 2015، أعلن عاما للسياحة، يهدف إلى إحياء ذكرى طريق الحرير التي كانت تربط بين الصين ووسط آسيا والإمبراطورية الرومانية نحو 100 عام قبل الميلاد، تحت شعار "الصين الجميلة - عام سياحي على طول طريق الحرير".
وفي واقع الأمر أنّ فكرة طريق الحرير ذاتها استحضار جذاب للتاريخ، ولكنه نوع من القوة أيضاً. فالسيطرة على طرق التجارة جزء من عوامل الازدهار والتواصل تاريخيا، بقدر ما هي قضية صراع بين القوى الكبرى والاستعمارية. والآن، هناك قطارات صينية تسير طويلا حتى أوروبا، وتوفر جزءا كبيرا من الرحلات البحرية التي كان يستغرقها نقل البضائع. وهذا جزء من خطة تنفذها شركات كبرى لبناء "طريق حرير اقتصادية" للقرن الواحد والعشرين.
لا شك في أنّ لدى الصين عوامل جذب ممكنة خاصة لشعوب ودول بعيدة عنها. فمثلا، سيسعد عربي برؤية كفاءة الصناعة والتجارة الصينيتين، وسيسعد بالصين نموذجا لدولة استطاعت أن تنمو وتصبح قوة عظمى. ويمكن استغلال رغبة الصين في شن هذه الحملة من السحر والجاذبية بطرق مختلفة. وعلى سبيل المثال، يوجد لدى الإسرائيليين مشروع مطروح منذ سنوات يهدف إلى إنشاء سكة حديد تصل بين البحرين الأبيض المتوسط والأحمر (أي ستكون لو تمت منافسا لقناة السويس المصرية). ويسعى الإسرائيليون إلى إقناع الصينيين بالشراكة في بنائها، فيما قد يكون جزءا من سعي لربط الإسرائيليين أنفسهم بطريق الحرير الصينية.
تستحق المساعي الصينية وراء تسويق الصين ثقافيا واقتصاديا وسياحيا وإعلاميا، نظرة متأنية للبحث عن الفرص المتاحة فيها، ووضع خطط لاستغلالها إيجابياً.

التعليق