الهواتف الذكية.. هل "جمدت" عقولنا؟

تم نشره في الأربعاء 5 آب / أغسطس 2015. 12:00 صباحاً
  • الهواتف الذكية.. هل "جمدت" عقولنا؟

منى أبو صبح

عمان- تستعجب الثلاثينية آلاء مصطفى من ذاكرة والدتها الستينية القوية؛ إذ تصفها بـ”الأرشيف” فهي متمكنة من حفظ الأحداث بتفاصيلها الصغيرة، والسنوات بل الأشهر التي وقعت بها تلك الأحداث، كما أنها تحفظ العديد من أرقام الهواتف سواء للأقارب أو الأصدقاء.
تعتقد مصطفى أن سبب قوة ذاكرة والدتها وفي هذا العمر يعود لعدم وجود وسائل التكنولوجيا ومنها الهواتف النقالة فترة شبابها، وتظن أيضا أن كثيرا من كبار السن المتمتعين بذاكرة قوية يكون سببه نشاط ذاكرتهم فترة شبابهم.
تقول مصطفى “عدم وجود التقنية سابقا دفع الناس لتشغيل أدمغتهم والحفظ، أما الآن فجميع الأرقام محفوظة على الجهاز، فعندما يحتاج شخص أن يهاتف آخر ما عليه سوى استحضار الاسم والضغط على الزر الخاص به”.
التكنولوجيا والتقنيات سهلت كثيرا في حياة الإنسان، إلا أنها تسببت في ضعف الذاكرة منذ انتشارها، فأصبحت تحتل جزءا كبيرا في حياتنا العملية، “بكبسة زر” نحصل على المعلومة التي نحتاجتها مثل أرقام الهواتف، التواريخ، الحسابات، وغيرها العديد من المعلومات المخزنة في ذاكرة “الموبايل” وليس في ذاكرتنا.
وكشفت دراسة كندية حديثة أجراها عدد من الباحثين فى جامعة “Waterloo” أن “الهواتف الذكية تدفعنا نحو الكسل والغباء”.
وأكدت الدراسة أن الأشخاص الذين يملكون قدرات عقلية كبيرة لا يقضون وقتا طويلا في استخدام الهواتف الذكية ولا يضيعون ساعات طويلة في تصفح هواتفهم، على عكس الأشخاص الذين يملكون قدرات عقلية ضعيفة؛ حيث أصبحت الهواتف الذكية سببا في الشعور بالكسل، فأي شيء يقف أمامنا نلجأ إلى الهاتف لحله في ثوان معدودة بدون أن نبذل أي مجهود عقلي للتفكير فيها، فالبحث عن المعلومات على الإنترنت يقلل من الفضول وحب التعلم.
ويعبر الحاج أبو سلطان عن استيائه الشديد من شباب هذا اليوم، ويقول “عندما كنا في أعمارهم كنا نحفظ تواريخ وأرقاما عديدة، وكنا نحسب بدون الاستعانة بالآلات الحاسبة، بينما اليوم نجد أبناءنا لا يحفظون حتى أرقام هواتفهم ذاتها، ولو ضاعت هواتفهم النقالة فإن كارثة تقع حينها”.
وتشاركه الرأي الخمسينية أم رامي، التي تقول “نحن مع التطور والتكنولوجيا، لكن أن تلغي عقولنا وتجمدها فهذا غير مقبول، فعندما نسأل أبناءنا عن مسألة حسابية بسيطة (جمع، ضرب، قسمة) فلا يكلفون أنفسهم حلها بل يستعينون بالآلة الحاسبة على الهاتف النقال.
وتعترف الطالبة الجامعية هدى عطاالله، أن ذاكرتها كما شباب هذه الأيام ضعيفة جدا مقارنة مع أمهاتنا وأجدادنا، وتقول “رغم أنني أدرس تخصص الهندسة، وأعد من الطالبات الذكيات، إلا أنني لا أمتلك مهارة حفظ الأرقام أو التواريخ، فجميع الأرقام الخاصة بعائلتي وأقربائي وصديقاتي مخزنة على الهاتف، كما أنني أستعين بـ”جوجل” لمعرفة تاريخ حدث ما عاصرته”.
الاختصاصي النفسي د. محمد الحباشنة، يقول “الهواتف النقالة أداة تمنع من قيام العمليات العقلية السليمة لقراءة الموضوع وحفظه وإعادته وهذا هو الإجراء العقلي للتعلم، أما ما يتم الآن عبر الهواتف النقالة فلا قراءة ولا حفظا ولا إعادة فكل شيء موجود على الهاتف الذكي، فهو ذكي لكن يجب أن لا يكون على حساب ذكائنا”.
ويضيف “أصبحنا نستبدل الذكاء الطبيعي بالصناعي، وهنا يخفق الدماغ في كثير من العمليات بأن ننتج ونتطور ونقوم بالإجراءات الاعتيادية، وهذا يحدث عطلا في القدرة المعرفية، خصوصا الصغار وهم بحاجة إلى حالة نشطة من تشغيل الدماغ”.
ويؤكد الحباشنة أن الأطفال والشباب لا يشغلون أدمغتهم من خلال الحفظ والاطلاع، ويتعاملون مع المعطى الجاهز عبر الأجهزة الذكية، وبالتالي سوف يؤثر على تراكم الخبرة المعرفية في العقل وقدراته الاستيعابية والذكاء، وسوف يثبت من خلال الإحصاءات أن الهواتف الذكية تربك هذه العمليات”.
الثلاثينية كوثر (أم لطفلين)، تؤكد أنها تحاول بين الحين والآخر تنشيط عقول صغارها وتشجيعهم على الحفظ من خلال مسابقات وألعاب بسيطة مفيدة ومسلية في الوقت ذاته.
وتلفت التربوية د. أمل بورشيك، إلى أنه لا بد من التعامل مع الهواتف النقالة بذكاء، فقد فرضت نفسها علينا لما تقدمه من خدمات مذهلة، وللأسف أصبحنا نعتمد عليها في كثير من الأمور بكل يسر وسهولة، وقد تبعث بنا الى الكسل في كثير من جوانب تفعيل الدماغ وحثه على التفكير؛ فالوقت يمضي ونحن نلهو بها في كل حين، ولكن لا ننكر مدى ما قدمته لنا من خدمات وتسهيلات.
وتبين أن هناك حدا أعلى من المهارات التي لا بد أن يمتلكها الفرد حتى يتقن استخدامها، ولكن الكثيرين يستخدمون الحد الأدنى من الخدمات التي يقدمها الجهاز الخلوي.
وعن تأثير ذلك على الأبناء، تقول “الهاتف النقال لا يفارق يد الشخص فيقوم بحفظ الرقم على الجهاز بدون محاولة حفظه كما في السابق، ويكتفي بإرسال رسالة نصية جاهزة أو ملصق يعبر عما يريد بدون محاولة الكتابة بالحروف حتى لو كانت خاطئة. هذه من الآليات التقنية التي حجمت من تدريب العقل على توظيف الذاكرة فأصبحت الرسائل والقص واللصق توقف عملية الإبداع والتفكير في الكتابة والحفظ وخاصة الرسائل التجارية”.
وتضيف بورشيك “أن الاطفال الآن يحبون الحياة السهلة ولا يرغبون بعمل شيء، ففي طفولتهم ابتعدوا عن تحسين مهاراتهم وصقلها”، مبينة أن الأطفال هم ضحية العصر فلماذا المهارات وهم يقضون جل وقتهم في الألعاب الالكترونية؟”.
وتأسف بورشيك بقولها “نعم، الهواتف الذكية أضعفت ذاكرتنا، فـ”جوجل” مثلا يمتلك الذاكرة التي نثق بها وبكبسة زر تصل اليك المعلومات، ونحن أيضا نحرص على استخدامه لا أن نستدعي المعلومات من الذاكرة، فنرى كبار السن يستذكرون أحداثا مضت بتفاصيلها، بينما أبناء اليوم قد لا يستذكرون حدثا قبل عام أو عامين وأحيانا أقل من ذلك”.

التعليق