حان الوقت لحظر القنبلة

تم نشره في الأربعاء 5 آب / أغسطس 2015. 12:00 صباحاً

هانز بليكس*

ستوكهولم- جاء الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين إيران، والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإضافة إلى ألمانيا، والاتحاد الأوروبي، في لحظة مناسبة تاريخياً. فقبل سبعين عاماً، فتح إسقاط قنبلتين نوويتين على مدينتي هيروشيما وناغاساكي اليابانيتين أحلك فصول تاريخ البشرية الطويل من فظائع الحروب وأهوالها. والآن، انضمت الإشعاعات النووية إلى النار والرصاص والحِراب، وهو قاتل غير مرئي مثل الغاز والأسلحة البيولوجية.
بعد الحرب العالمية الأولى، تبنى المجتمع الدولي ما يسمى بروتوكول الغاز، الذي حظر استخدام الأسلحة الكيميائية والبكتريولوجية. وعلى نحو مماثل، كانت المطالبة بحظر أي استخدام للأسلحة النووية قوية ومتواصلة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
لكن الدول التي تمتلك الأسلحة النووية كانت تعارض دائماً مثل هذا الحظر، بحجة أنه لن يكون فعّالاً وجديراً بالثقة. وبدلاً من ذلك، أوصت هذه الدول بنهج تدريجي يقود في نهاية المطاف إلى حظر حيازة وإنتاج الأسلحة النووية. وفي نهاية المطاف، أدى النهج نفسه إلى تمكين فرض القيود الصارمة القائمة اليوم على الأسلحة البيولوجية والكيميائية.
لكن هذا النهج التدريجي أثبت فشله الواضح بعد سبعين عاماً من وقوع كارثة هيروشيما وناغاساكي. فخلال الحرب الباردة، ارتفع إجمالي عدد الأسلحة النووية في مختلف أنحاء العالم إلى أكثر من خمسين ألف سلاح. وكثير من هذه الأسلحة، بما في ذلك القنابل الهيدروجينية، تتمتع بقدرة تفجيرية أعظم كثيراً من قدرة القنبلتين اللتين أسقطتا على اليابان.
وقد تم الاتفاق على بعض التدابير للحد من الخطر النووي: اتفاقيات الحد من التسلح الثنائية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، والقيود المفروضة على اختبار أي أسلحة جديدة، وفي المقام الأول من الأهمية، إقرار معاهدة منع الانتشار النووي. ويتلخص الهدف من معاهدة منع الانتشار النووي التي تم التوقيع عليها في العام 1968 في الإزالة الشاملة للأسلحة النووية؛ مع تعهد الدول غير النووية بعدم السعي إلى حيازتها، وتعهد الدول الخمس التي تمتلكها رسمياً (الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والصين، وروسيا) بالدخول في مفاوضات لنزع هذا السلاح.
لكن التهديد الإجمالي لم يتضاءل على الإطلاق. ومن المؤكد أن الجزء الأول من معاهدة منع الانتشار النووي لاقى بعض النجاح: فمنذ دخول المعاهدة حيز التنفيذ لم تعمل سوى أربع دول -الهند، وإسرائيل، وكوريا الشمالية، وباكستان- على إنتاج الأسلحة النووية. كما أزالت دولة جنوب أفريقيا أسلحتها النووية وأصبحت عضواً في معاهدة منع الانتشار النووي، في حين حولت أوكرانيا، وبيلاروسيا، وكازاخستان ترساناتها من الأسلحة النووية إلى روسيا. وتم منع دولتين -العراق وليبيا- من إنتاج الأسلحة النووية. والآن تعهدت إيران، وهي طرف في المعاهدة، بالالتزام بقيود مهمة على برنامجها النووي.
رغم هذا، كانت نتائج التزام الدول النووية الخمس بنزع السلاح محدودة للغاية. فقد تم تخفيض المخزون النووي -لأسباب اقتصادية في الأساس- في أعقاب انتهاء الحرب الباردة، إلى أقل من عشرين ألف سلاح نووي في مختلف أنحاء العالم (وهو العدد الذي يظل كافياً لتدمير البشرية مرات عدة). ثم في العام 2010، جلبت معاهدة ستارت الجديدة حدوداً قصوى لعدد الأسلحة النووية التي تنشرها الولايات المتحدة وروسيا. ولكن أي مفاوضات جادة لنزع السلاح لم تُعقد منذ ذلك الحين.
علاوة على ذلك، كان من المأمول ذات يوم أن يتم سحب العدد الصغير من الأسلحة النووية غير الاستراتيجية التي ينشرها حلف شمال الأطلسي في أوروبا إلى الولايات المتحدة؛ حيث كانت تعد على نطاق واسع غير مجدية عسكرياً. وقد اقترح أنصار هذا الرأي أن ذلك يمكن أن يقود روسيا إلى إزالة أسلحتها النووية التكتيكية. ولكن أياً من الأمرين لم يحدث.
على نحو مماثل، لم يتحقق الأمل في تحول معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، التي تم تبنيها في العام 1996، إلى معاهدة ملزمة. وقد صدر قرار رسمي بوقف مثل هذه التجارب بالفعل، كما تم إنشاء آلية مراقبة مبهرة وقادرة -ليس على تسجيل الاختبارات النووية فقط، بل وأيضاً الزلازل وموجات التسونامي. ولكن، لأن ثماني دول، بما في ذلك الولايات المتحدة والصين، لم تصدق عليها، فإن معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية تقبع في عالم أوسط، وبوسعنا أن نقول إنها عاملة، ولكنها ليست نافذة.
وبدلاً من نزع الأسلحة النووية، يشهد العالم الآن تطوير وتحسين جودة الترسانات النووية -وفي بعض الحالات توسيعها. ولا يوجد أمل يُذكَر في حدوث أي تغيير للأفضل ما لم تخلص الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن إلى أن أمنها الخاص يتطلب استئناف إزالة التوترات فيما بينها وإطلاق مفاوضات جادة لنزع السلاح، كما وعدت من قبل. وقد أظهرت هذه الدول استعدادها للعمل على منع دول أخرى من حيازة أسلحة الدمار الشامل؛ والآن، حان الوقت لكي تبدأ بكبح جماح أنفسها.
بطبيعة الحال، ما دامت بعض الدول ترفض الانضمام إلى الاتفاقيات التي تحظر القنابل العنقودية والألغام الأرضية، فلن تنضم الدول التي تمتلك الأسلحة النووية إلى اتفاقية تحظر ترساناتها. ولكن وجود مثل هذه المعاهدة يمكن أن يخدم كتذكِرة دائمة بما يمكننا أن نتوقعه منها. ولهذا السبب وحده، يجب أن تصبح أولوية دولية.
خلال الحرب الباردة، كان كثيرون يخشون أن تنتحر البشرية فجأة، بشن حرب نووية. واليوم، ربما يخشى عدد أكبر من الناس أن تعاني البشرية من موت أطول أمداً بسبب الانحباس الحراري العالمي. ولكن الخطر النووي ما يزال قائماً، وهناك جماعات مثل "الصِفر العالمي"، والتي تستحق أن نقدم لها الدعم في جهودها الرامية إلى رفع مستوى الوعي العام.
يُقال لنا إن كارثة هيروشيما وناغاساكي خلقت نوعاً من التحريم ضد أي استخدام آخر للأسلحة النووية. ولا نملك إلا أن نأمل ذلك، لكنه ينبغي لنا أيضاً أن نطالب بأن يصبح هذا التحريم ملزم قانوناً.

*المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، كان أول رئيس تنفيذي لبعثة التحقق والمراقبة والتفتيش التابعة للأمم المتحدة في الفترة ما بين العامين 2000 و2003.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2015.

التعليق