في الذكرى الأولى لرحيل المناضل سمير حداد

تم نشره في الأربعاء 12 آب / أغسطس 2015. 11:00 مـساءً

فهمي الكتوت

في السادس عشر من آب (أغسطس) 2014، توقف قلب صاحب القلب الكبير! كان الخبر فاجعا لأسرته ورفاقه وأصدقائه.
قد لا يعرف كثيرون من أبناء الشعب الأردني الجندي المجهول سمير حداد، لكن كوكبة من المناضلين الذين عاصروا العمل السياسي في الظروف السرية، إبان الأحكام العرفية في الأردن، يعرفون جيدا الدور المميز الذي نيط بالراحل. وقد قضى سني عمره بمهام خاصة، تميزت بالسرية والدقة والصرامة.
تمتع فقيدنا الراحل بسمات أهلته بجدارة لتبوؤ موقع قيادي في العمل السياسي. وساهم أبو سلام خلال سبعينيات القرن الماضي في بناء المنظمات الطلابية في الاتحاد الوطني لطلبة الأردن فرع سورية، وأقام علاقات واسعة مع الأحزاب الوطنية والتقدمية في الوطن العربي، وتكلف بالاتصال مع ممثلي الأحزاب الشيوعية والتقدمية العالمية، واختير عضوا في اللجنة المركزية للحزب في "الكونفرنس" المنعقد العام 1977، ومسؤولاً في العلاقات الخارجية للحزب.
جمع أبو سلام بين صفات المناضل بوعيه السياسي والتزامه الوطني والأممي، وبين الصفات الإنسانية، إذ كان مرحا ودودا مضيافا، صادقا مع نفسه وأسرته، كما مع مبادئه الإنسانية. وقد ترجم هذه الصفات بسلوكه الإنساني والاجتماعي والأسري، فجسد ثقافة المساواة بين المرأة والرجل، وكان متسامحا، نبذ مختلف أشكال التعصب والتطرف أو التمييز على أساس الجنس أو العرق أو الدين. تقول ابنة الفقيد، هلا: "تعلمت من والدي الكثير. لكن أول دروس الثقافة الوطنية، هو حب الناس، ومحاسبة الآخر على سلوكه وليس على أساس عرقي أو مذهبي او طائفي". ما أجمل هذه الكلمات، وما أحوجنا لثقافة التسامح في هذه الأيام!
بينما كان جسده يسجى في تراب الوطن، احتضنته جبال السلط بعناق، معاتبة اغترابه سنين طويلة. وكانت ذاكرة شيخ المناضلين يعقوب زيادين، وهو على رأس المودعين، تسرد قصة مناضل كرس حياته من أجل الأردن، دفاعا عن حق الأطفال في حياة هادئة، تملؤها السعادة، ولا تعكر صفاءها حوارات مذهبية أو صراعات طائفية أو مليشيات مسلحة، تسلب من الأطفال طفولتهم. كما كرس حياته دفاعا عن وطن اغتصب من قبل قتلة الأطفال وطغاة المال، ودفاعا عن أمة مرّغ النظام العربي كرامتها بالوحل، ولكي لا تتكرر آلام أجيال عانت من الاضطهاد القومي والطبقي والفقر والبطالة والشقاء، ومن أجل وطن حر وغد سعيد.
كان ذاك اليوم يوم انتخابات. كان رفيقنا الراحل يردد دائما أهزوجة "العرندس" محمد كايد الحياصات، ومطلعها: "يوم السبت ستعش تشرين الأول، كان ذاك اليوم يوم انتخابات والشعب كله تجمع في عمان، شياب وشباب ولا تنسى البنات..."؛ القصيدة التي ألقيت في العام 1954 احتجاجا على تزوير الانتخابات النيابية، وأسقطها الشعب الأردني ليفتح الباب أمام انتخابات العام 1956 الشهيرة، التي أوصلت نوابا يمثلون إرادة الشعب، وحكومة وطنية برئاسة سليمان النابلسي ألغت المعاهدة البريطانية في آذار (مارس) 1957. وقتها، كان سمير ما يزال طالبا وصديقا للحزب، لكن لم تثنه إقالة الحكومة الوطنية في 10 نيسان (أبريل) 1957، واعتقال آلاف الوطنيين من شيوعيين وبعثيين وقوميين، نوابا ووزراء وشخصيات وطنية، وعمالا وفلاحين ومثقفين، ومن بينهم رئيس الوزراء المقال سليمان النابلسي الذي وضع تحت الإقامة الجبرية، إذ قدم طلب عضويته للحزب الشيوعي الأردني في نيسان (أبريل) 1957 في ذروة تلك الحملة.
استمر اعتقال المناضلين من قادة الحركة الوطنية، وخاصة الشيوعيين، لمدة ثماني سنوات، إلى أن أفرجت عنهم حكومة وصفي التل في العام 1965. وخلال فترة الثماني سنوات تلك، كلف سمير بمهمة سرية، هي نقل بريد الحزب إلى الحزبين الشقيقين في سورية ولبنان، ومنظمات الحزب في الخارج. وقد ارتبط هذا الموضوع بسرية تامة مع اثنين فقط من قيادة الحزب. واستمر في القيام بعمله هذا منذ العام 1958 وحتى العام 1967. فدعونا نتخيل حجم الصعوبات والتعقيدات والمخاطر التي يتحملها إنسان اختار طريق النضال، من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لإيصال رسالة أو صحيفة سرية، يمكن الآن إرسالها بثوان عبر العالم بواسطة الإنترنت ووسائله المتعددة. في حين كان ضبط الرسالة مع حاملها يكلفه حكما قد يصل إلى خمسة عشر عاما.
لك المجد والخلود أيها الصديق والرفيق العزيز، ولزوجتك ورفيقة دربك مها البندك، وكريماتك وأسرتك، أحر العزاء.

التعليق