وفاة امرأة على يد مشعوذ.. هل من سؤال؟

تم نشره في الخميس 13 آب / أغسطس 2015. 12:00 صباحاً

د. عبدالحميد الصباغ

نتوقف عند الخبر المقتضب الذي قرأناه في بعض يوميات السبت، الموافق 8/ 8/ 2015، ومضمونه أن سيدة أربعينية (43 عاماً) توفيت على يد مدعٍ القدرة على إخراج الجن من الجسد؛ إذ تعرضت لحالة اختناق، إثر إقدام الشخص المشعوذ على لف قطعة قماش "شال" حول رقبتها وتكرار خنقها، في محاولة منه لإخراج الجن من جسدها!
ونقول: لماذا لا تصبح هذه الواقعة المؤلمة قضية "رأي عام"، بعد أن تهتم بها الصحافة وتبرزها على صدر صفحاتها الأولى، وكذلك وسائل الإعلام المرئية والمسموعة في نشراتها الرئيسة، ولتأخذ هذه القضية حقها في النقاش والدراسة والتحليل، فلا تتكرر، كما لكي نفهم ظاهرة الشعوذة المنتشرة في بلادنا؟ وربما تكون المرأة المغدورة هي رأس الهرم الجليدي.
وإلى متى لا يتابع الإعلام هكذا وقائع، ولا يُجري تحقيقات إعلامية استقصائية لظاهرة المشعوذين والشعوذة، ومدى انتشارها في مجتمعاتنا، رغم أننا نسمع عنها الكثير، حتى وصلت إلى درجة قتل المرحومة من إربد؟ وليست هذه هي المرة الأولى التي تقتل عبثاً امرأة بريئة على يد مشعوذ، وربما لن تكون الأخيرة، ما بقيت ظاهرة الشعوذة والدجالين تأخذ مكانها في المجتمع وعقول الناس.
ونسأل: لماذا يسلّم الناس أنفسهم لمشعوذين دجالين غير قادرين على علاجهم، ولكنهم قادرون على قتلهم؟ نطالب الباحثين الاجتماعيين وأصحاب الصنعة والاختصاص، دراسة هذه الظاهرة، وجمع المعلومات المحايدة والاستقصائية من دون زيادة أو نقصان أو تشهير، بل بتكتم شديد؛ حتى "نُشخص" هذه الحالة وهذه الظاهرة، ونضع، بعد ذلك، العلاج والحلول، فلا يبقى للمشعوذين مكان بيننا.
لا أعتقد أن هذا الموضوع أمني فقط. ولكنه، قبل ذلك ربما، مجتمعي وثقافي وسلوكي. فمن غير المعقول أن يكون للمشعوذ والدجال دور في بلادنا الأردنية المليئة بالأطباء النفسيين الأكفاء، والمصلحين الاجتماعيين المتنوريين. ونقول: أين دور علماء الدين التوعوي والتنويري، ومحاربتهم وكشفهم لظاهرة الشعوذة بأنواعها والآخذة بالانتشار، كما نراها بممارساتنا الطبية اليومية لنساء يتعرضن للاستغلال المادي والمعنوي بحجة معالجة عدم الإخصاب، والسرطان، والأمراض المزمنة، وبما يؤدي إلى ضياع الوقت والمال، مع تفاقم هذه الأمراض لتصبح صعبة العلاج؟
نغضب ونتألم ونحزن لوفاة إمرأة على يد مشعوذ. ونكتب لأننا أطباء؛ واجبنا المقدس الدفاع عن حياة الناس أينما كانوا وكيفما كانوا. ونطالب، مرة أخرى، وسائل الإعلام بأنواعها، أن لا تترك هذه الواقعة وهذه الظاهرة تمر مرور الكرام بخبرٍ قصير داخل بعض صحفنا اليومية، بل ننتظر حوارات وتقارير واسعة ومعمقة وجريئة على صفحات الجرائد، وعلى شاشتنا الوطنية، يشارك فيها المختصون بأنواعهم. وذلك حتى لا نقرأ عن وفيات أخرى علي يد أفاكٍ ومشعوذٍ ودجال، يتاجر بأرواح الناس، وهمه الأول والأخير الشعوذة، وجمع المال الحرام، والكسب غير المشروع.

التعليق