د.أحمد جميل عزم

مخطط إسرائيل لفصل الضفة عن القطاع

تم نشره في الثلاثاء 18 آب / أغسطس 2015. 12:07 صباحاً

تسربت عن اللقاء الأخير، في الدوحة هذا الأسبوع، بين رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل، ورئيس الوزراء البريطاني السابق، ومبعوث الرباعية السابق لعملية السلام توني بلير، أنباء عن "موافقة" إسرائيلية على تهدئة تستمر لسنوات، مقابل إنشاء ميناء بحري في قطاع غزّة، بإشراف دولي، ورفع الحصار كاملاً، وذلك بحسب ما نقلت وسائل إعلام عدة. وهذا العرض بقدر ما يمكن القول إنّه مخطط إسرائيلي لفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة، وإدامة الانقسام الفلسطيني الداخلي، بقدر ما يمكن تحويله إلى مدخل لحل جزء من الأزمة الوطنية الفلسطينية.
أولى النقاط التي تستحق التوقف، هو الوسيط توني بلير نفسه؛ فبأي صفة يتحرك؟ وما هي خريطة مواقفه وأعماله في الشرق الأوسط والعالم؟ هو قريب من دول خليجية عربية، ومرتبط بمشاريع وتقديم استشارات هناك، كما أنه مرتبط بدول وحكومات مثل صربيا التي ترتبط أيضاً بمسؤولين عرب وشخصيات فلسطينية مثل محمد دحلان، وقد التقى (بلير) مشعل سابقا في غضون هذا الشهر، وزار غزة مطلع العام. سيكون جيداً لو أوضحت "حماس" هذه الزاوية، وأفصحت عن الصفة التي يتحدث بها بلير.
ثاني النقاط، هي أنّ الذهاب إلى حركة "حماس" ونقاشها في هذا الأمر يتضمن مسعى لتكريس سياسة الأمر الواقع والانقسام في القطاع، وبين القطاع والضفة الغربية. ويستغل أصحاب هذا المخطط عدم قدرة الفلسطينيين على تسوية ملفات انقسامهم. ولو كانت النوايا لا تتضمن تكريس الانقسام، لطُرح المشروع في إطار دولي يرعى المصالحة الفلسطينية الداخلية، ولما جاء عبر قنوات خلفية غامضة مع فصيل. 
ثالث الملاحظات، أن انتقاد "حماس" لعقد هذه اللقاءات، وأنّها تجاوز "للشرعية"، يتطلب إعادة التركيز على ضرورة تجديد الشرعيات؛ بإعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية وضم الفصائل غير المنضوية فيها، وتمثيل الأجيال والقطاعات المستثناة من المنظمة منذ آخر تشكيل حقيقي لها قبل عقود. ولو حدث هذا، لكانت مثل هذه الاتصالات بلا معنى، وخروجا سافرا عن الشرعية.
رابع الملاحظات، أنّ هذه الأفكار تسعى إلى "تأهيل" حركة "حماس" لتندمج في المنظومة الإقليمية الرسمية، القابلة لقواعد اللعبة. فتهدئة في غزة تكرس سلطة "حماس" هناك، لن تكون بمعزل عن تهدئة في الضفة الغربية. وبالتالي، هو مخطط أيضاً لفرض تحول في "حماس". وقد كانت نقطة علاقة "حماس" بجماعة الإخوان المسلمين، والطلب إليها توضيح ارتباطاتها الاقليمية مع الجماعة، جزءا أساسيا من حوارات بلير في غزة في شباط (فبراير) الماضي. 
خامس الملاحظات، أن قيادة "حماس" تؤكد أن "أي قرار بخصوص التهدئة يجب أن يكون بإجماع وطني مع كافة الفصائل الفلسطينيّة، وفي إطار المشروع الوطني الفلسطيني العام". وهذا الموقف يمكن أن يشكل فاتحة لتوظيف إيجابي للعرض (من دون تجاهل وجود غموض حتى الآن في ظروفه وتفاصيله).
إنّ رفع حصار غزة مطلب لكل فلسطيني. والأمل أن يكون هذا جزءا من مشروع وطني شامل، وليس في إطار فصل الضفة عن القطاع وإخراج غزة و"حماس" من معادلة المقاومة (عبر التهدئة)، وتكريس الانقسام السياسي والوطني الفلسطيني. وإذ لا يمكن تجاهل رائحة مخطط لإدامة الانقسام في المشروع، بما يضر كثيراً بوحدة الشعب الفلسطيني، ويضر بمستقبل حركته السياسية، فإنّ الالتفاف على ذلك ممكن.
إنّ الخطوط بين مشعل والرئاسة الفلسطينية ليست مقطوعة، ويستحق الأمر اجتماعاً على مستوى القيادة، أو بمبعوث رسمي أو غير رسمي بين الطرفين، ليوضح مشعل حقيقة تفاصيل ما يجري، ثم دراسة إمكانية التعامل مع أي خطوات ومشاريع بشكل موحد فلسطينياً.
إنّ استعداد المجتمع الدولي والإسرائيليين للتعامل مع "حماس" على هذا النحو، يوضح أنّ "فيتو" بعض هذه القوى على المصالحة الفلسطينية وعلى حكومة وحدة وطنية تشترك فيها "حماس"، يتهاوى. وهذا ما يمكن استغلاله فلسطينيا لتشكيل حكومة وحدة وطنية، أو إعادة تنظيم عمل الحكومة الحالية.
من المستبعد أن يمرر المجتمع الدولي اتفاقاً مع "حماس" لا توافق عليه القيادة الفلسطينية. وحتى قبول "حماس" بذلك مستبعد. لكن تسويات ضمنية تكرس الانقسام هي أخطر ما يمكن أن يحصل الآن، والرد على ذلك يكون باجتماع فلسطيني موسع، يضع النقاط على الحروف، ويعلن مواقف موحدة.

التعليق