مروان المعشر

حتى تبقى الأغاني ممكنة

تم نشره في الثلاثاء 25 آب / أغسطس 2015. 11:09 مـساءً

نشهد كل يوم التراجع المخيف الذي طرأ على أنظمتنا التربوية، ونشهد معه تراخي الدولة أو ترددها في خوض مواجهة جدية لفكر إقصائي سيطر على أنظمتنا التعليمية، وبات يهدد بشكل واضح ليس تعددية المجتمع فحسب، بل حسه الإنساني، وقدرته على التفكير الإبداعي وقبول الآخر.
الأصوات التي سمعناها مؤخرا وهاجمت مهرجان جرش، لم تأت من فراغ؛ ولها صدى في العديد من الأقطار العربية. وهي نتاج نظام تربوي يرى في الفنون بشكل عام، والموسيقى والمسرح والرقص بشكل خاص، جرائم أخلاقية! وفي مقال رائد للناشطة الاجتماعية المبدعة سمر دودين بعنوان "المنهج الخفي الذي يحرّم الفنون"، توضح دودين أن "المنهج الخفي هو منظومة ثقافية دوغماتية، يتم تداولها وتعليمها للنشء بطرق غير معلنة"، تستبعد الفنون والفلسفة والدراسات الثقافية، بالرغم من أن المادة الرابعة من قانون التربية والتعليم لسنة 1994، تنص على أن أحد الأهداف العامة للتربية في الأردن هو "تذوق الجوانب الجمالية في الفنون المختلفة".
بالرغم من ذلك، هناك تغييب مقصود للفنون في مناهجنا، حيث لا تشكل أكثر من واحد بالمائة من المناهج، مع أن العديد من الدراسات العالمية تثبت أن الفنون تساعد الطلبة على التفكير الإبداعي والخروج بأفكار جديدة خلاقة. في عالم اليوم، تنمية الإبداع أهم بكثير من التعليم التلقيني، وليس كالفنون وسيلة أنجح لذلك. ولا يبدو أن الدولة راغبة أو جادة ليس فقط في إعادة النظر الجدية بالمناهج، ولكن أيضا في مواجهة فكر رجعي يريد منا العيش في الظلام. ولنكن صريحين؛ محاربة الأفكار والممارسات الداعشية لا تتم بالخطب والمؤتمرات، ولكن بجهد جاد ومستدام وطويل الأمد، يبدأ من تغيير نظامنا التربوي.
الحمد لله أن أصواتا عدة من المجتمع المدني لم تعد تهاب الحديث عن هذا الموضوع بصراحة، وولوج معتركات تخاف الحكومة أن تخوضها. ومن هذه الجهود، ندوة تقام في 5 أيلول (سبتمبر) المقبل، أول أيام انطلاق مهرجان "حكايا" الذي ينظمه مسرح البلد. وتهدف الندوة إلى البحث في إشكاليات التعامل مع الفنون كوسائط تعلم، والهجوم المتكرر على فضاءات المهرجانات الفنية التي تحرر التعبير والتفكير، وتعطي للأجيال المقبلة مساحات آمنة للتفاعل الاجتماعي البناء.
تطرح اللجنة المنظمة أسئلة حساسة وجريئة، لوضع المجتمع والمسؤولين أمام مسؤولياتهم؛ من قبيل: "لماذا لا نجد الموسيقى والفنون التشكيلية وصناعة الأفلام والفنون الأدائية جزءاً أساسيا من المنهج والحصص الصفية؟، لماذا لا يتم التركيز عليها في عملية تكوين المعلم، ولا توظف كوسائط تعلم فعالة؟"، "لماذا تمنع مدارس كثيرة تعليم الموسيقى وتعتبرها من المحرمات؟، ولماذا لا تتصدى وزارة التربية والتعليم ووزارة الثقافة لهذا الخطاب الرجعي الذي يؤسس لفكر العصور الوسطى الظلامي في أوروبا، حيث كان العلماء سحرة، والفنانون مشعوذين؟".
مطلوب تحرك مدني جريء طويل الأمد، لا تخيفه صكوك التكفير والغفران التي يصدرها البعض، ولا يثبط من عزيمته تقاعس الدولة عن مهمة الإصلاح الجاد للتعليم. وإن كان أحد يعتقد أن هناك أولويات أخرى تعلو على هذه الأولوية، فلينظر من حولنا ماذا جلبت الإقصائية والأحادية والانغلاق.
هنيئا لكل من يساهم في هذا الجهد الوطني الذي يحمل في طياته مستقبل هذه المنطقة؛ من ازدهار أو دمار، من نور أو ظلام، جهد يحارب، والرحمة لابن رشد، حتى تبقى "الأغاني ممكنة".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »العلة اعظم (محمود فؤاد)

    الخميس 27 آب / أغسطس 2015.
    حضرة الدكتور
    لن تحل المشكلة بتخصيص حصص للموسيقى و الفنون. ان المدارس التي اشرت اليها ليست الا نتاجا للبشر الذين يبعثون فيها حياتها، مشكلتنا في الاْردن و غيرها من الدول ترجع الى المفاهيم الدينية المغلوطة احيانا و المشوهة احيانا اخرى. لن يستقيم شان في حياة هذه الامم الى ان تتم مراجعة شاملة لكل الموروث البشري المضاف جزافا لأصل الرسالة السماوية لتنقية السمين من الغث، ساعتها فقط يحق لنا ان نتامل خيرا و الى ان يتم ذلك سنبقى نبكي على الحال المؤسف الذي نحياه
  • »الفن الراقي (مواطنون)

    الأربعاء 26 آب / أغسطس 2015.
    من يحارب المهرجانات يحارب الملابس الخليعه للفنانات وإثارة الغرائز والشهوات وما يتعرضن له هؤلاء الفنانات من إعتداءات من شباب عزب،اما الفن الراقي فلا احد يغضب منه مثل حفلات ام كلثوم وعبدالحليم بالماضي
  • »احادية التفكير (صالح)

    الأربعاء 26 آب / أغسطس 2015.
    لا زلنا ندور في حلقات احادية التفكير القاتلة التي تزيد من انطوائنا على انفسنا وعدم تقبل حتى فكرة الحوار مع الاخر، المشكلة ان السيد الكاتب وغيره ممن يدافعون عن الفن والموسيقى والرقص دفاعا مستميتاً لا يختلفوا عن التيار الجارف الذي يطالب بالغاء كل الفنون والمهرجانات بشكل كامل، فكلا الطرفين يستفرد برايه وانه هو الصواب المطلق، ويتناسا الطرفان عن قصد او بدونه ان لكل مجتمع خصوصيته من دين وعادات وتقاليد تضبط ما يناسبه في كل المجالات، تمنيت ان اسمع اصوات معتدلة تنادي باصلاح المهرجانات حتى تكون ادوات حق وخير وجمال تعرض الفن الراقي الخالي من كل اشكال التلوث الضوضائي الصوري الاخلاقي، تمنيت لو رايت كتاب وتربويون رفعوا اصواتهم للمطالبة باصلاح المناهج بصورة صحيحة لا لمجرد الوقوف ضد التيار الاخر المحافظ او المتشدد كما يقولون، فالاصلاح لا يعني نبذ الاخر واقصاءه وانما تعزيز الجيد وتعديل السيء، مناهجنا فيها من الفن والغناء والشعر والادب الكثير لكن المشكلة في طريقة تقديمها للطالب القصور الكثير، وقدرة المدرس على تقديمها يشوبها الخلل والتقصير، خلل منظومة الاخلاق الذي يتفشى بين ابناء المجتمع يمنع المدرس قبل الطالب من تذوق جماليات المناهج او ايصالها للطالب ويعمل بشكل بشع على اقصاء كل فن وشعر وثقافة في مناهجنا ويستبدلها بعنف وحقد وكره للاخر... مشكلتنا اخلاقية قبل ان تكون فنية.
  • »المشكلة أين؟ (NADER)

    الأربعاء 26 آب / أغسطس 2015.
    ان ما تفضلت به معالي الدكتور فيه ربما جانب من الصواب و بذات في قضايا المنهاج و اشكالية الفن في شعوبنا العربية خصوصا و اننا نمر بمشكلة تخلف واضحة للمفكريين العرب و ((الاسلامين)) خصوصاً و لكن هناك العديد من المهرجانات الاسلامية التي عقدت في عمان بدون ذكر للأسماء وصلت الاعداد بها اضعاف مهرجان جرش و للتاكد فقط اشرفت عليها اذاعات إردنية إسلامية و كان الحضور الغفير دلالة واضحة على تقبل المجتمع للفن الهادف الذي يعالج مشكلات المجتمع و همومه و لكن الفن الذي تقدمه المهرجانات الاخرى انما تهدف للعكس تماما في نظري عليك فقط ان تذهب الى احد هذه المهرجانات و ترى ما تشيب له الولدان من انحلال خلقي و تصرفات غير مسؤولة تماماً و بالتالي علينا ان نفرق تماماً و بشكل واضح بين الفن الهادف و الفن الذي يدمر القيم و الاخلاق و لا بعود على المجتمع بالفائدة و الخير و بين الذي يبنى القيم و الاخلاق و الهوية خصوصا و اننا نمر في حالة من الانهيار الاخلاقي حسب العديد من المفكرين الاسلامين بسبب الكثير من الامور و منها الفن الغير الهادف
  • »الاغاني والفنون ليست ترفا (ابراهيم مفيد الدقاق)

    الأربعاء 26 آب / أغسطس 2015.
    نعم ان للاغاني والفنون دورا ليس في صقل شخصية ابنائنا الطلاب فحسب بل والمساعدة في حفظ وفهم المنهاج الدراسي عبر عرضه بشكل محبب يقرب الفكرة للطالب ويختصر السطور والصفحات ليعطي الفكره مباشرة فيسهم في رفع سوية الطالب سلوكا وعلما وولاء وانتماء ويكون له حصنا من فكر تطرفي فيعلم ان الموسيقى والفنون كانت له سندا يقربه ويسانده لادراك مفاهيم طالما واجه صعوبة في حفظها،عدا عن الارتقاء بالذوق الفني لنرتقي بفنونا من خلال انشاء جيل يميز بين فن هابط وفن راق.
  • »الموسيقى (ahmad)

    الأربعاء 26 آب / أغسطس 2015.
    لا اعتقد ان مادة الفنون هي الغائبة فقط عم مدارسنا الحكومية....لو نظرنا اسضا فالعلوم التجريبية مقررة و لا تدرس في المختبرات ....الازمة هي غياب رؤية وطنية للتعليم بشكل عام
  • »ليس للتحريم شأن (علي النجار)

    الأربعاء 26 آب / أغسطس 2015.
    عزيزي الكاتب
    أن من يعارضون المهرجانات يعارضونها من منطلق الربح والخسارة وليس من منطلق التحريم فالأول التي تصرف عليه بدون عائد حقيقي والرعاية الرسمية له رغم الخسائر التي يمنى بها في حين أن أنشطة أخرى وبدون اية تكاليف على ميزانية الدولة توقف وتحارب رسمياً هي الدافع وراء المعارضة
  • »"المنظومة الإجتماعية وروافعها" (يوسف صافي)

    الأربعاء 26 آب / أغسطس 2015.
    ما اجمع عليه كبار الفلاسفة حيث اشرت معالي الدكتور ان اسباب العنف في اي منظومة اجتماعية هو عدم توائم المستدحث اوما ادخل تحت ستاره مع ثقافة وقيم وعادات وتقاليد وعقيدة؟(صدام المعايير) امّا التشبيه الذي اوردت حول ظلامية اوروبا وقراءتهم "العلماء سحرة والفنانون مشعوذين" قياسا على ما يجري في مدارسنا فهذا بعيد كل البعد ولا يعقل للتربية التي مساقاتها اخرجت الأمة من جاهليتها الى العلم والنور ان تعود به الى الظلامية ولقد درسنا الفلسفة والفن والرسم ؟ امّا ما يبنى عليه من منظومة خفية وتداولها فقد يكون من نسج الخيال او مؤامرة خارجية لادخل للمناهج المعلنة فيها؟ كفانا جلدا للذات ؟ حتى لانصاب بالإحباط ونخنع للتبعية والتقليد "وما يجب ان يكون في حواري باريس يجب ان يكون في حواري السلط"
  • »مفارقات (نور)

    الأربعاء 26 آب / أغسطس 2015.
    في وقت يكون همهم الوحيد الاغنية ومهرجان جرش وغيرها وربطها مع بعض الكوارث الطبيعية ... يتناسوا ظاهرة المثليين وانتشارها في الشارع .... صح لسانك