السياسة الخارجية والحملة الانتخابية الرئاسية في أميركا

تم نشره في الأربعاء 26 آب / أغسطس 2015. 11:00 مـساءً
  • البيت الأبيض، مقر إقامة رؤساء الولايات المتحدة ومركز صناعة القرار - (أرشيفية)

ريتشاد ن. هاس*

نيويورك - من المستحيل أن نعرف من قد يختار الناخبون الأميركيون رئيساً لهم في العام المقبل. ولكن من المؤكد أن الاختيار سوف يخلف عواقب عميقة على العالم بأسره، للأفضل أو الأسوأ.
ولعل الأمر الأكثر أهمية على الإطلاق هو أن هذا يعكس واقع استمرار القوة الأميركية. وهو يعكس أيضاً شبه اليقين بأن الرئيس المقبل سوف يرث هذا العالم الذي يعج بقدر كبير من الاضطرابات. ومن المؤكد أن ما سيختار ذلك الرئيس المنتظر القيام به، وكيف يختار القيام به، هو أمر بالغ الأهمية للناس في كل مكان.
لكن من الصعب مع ذلك أن نعرف ما الدور الذي قد تلعبه السياسة الخارجية في تحديد الشخص التالي الذي سيحتل المكتب البيضاوي. وما تزال سبعة عشر شهراً تفصل بيننا وبين انتخابات 2016. وقد تشهد الفترة بين الآن وذلك الحين تطورات كثيرة.
سوف تتكشف فصول عمليتين سياسيتين متصلتين، ولكنهما متمايزتان: مسابقات الترشيح داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري على مدى العام المقبل. والواقع أن وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون هي المرشحة الأوفر حظاً، وإن لم يكن ترشيحها محسوماً. وفي كل الأحوال، ربما تلعب السياسة الخارجية دوراً ضئيلاً في القرار، لأن القضايا الأكثر إلحاحاً في نظر الناخبين الذين من المرجح أن يشاركوا في انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية هي محلية واقتصادية في طبيعتها.
أما الجانب الجمهوري فهو أكثر ازدحاماً بالقضايا وأقل يقيناً، ويبدو من المرجح بدرجة أكبر كثيراً أن تلعب السياسة الخارجية دوراً أكبر في اختيار مرشح الحزب. فالاقتصاد يتحسن في عهد الرئيس باراك أوباما، الأمر الذي يجعله أقل جاذبية كهدف سياسي. وعلى النقيض من ذلك، أعطت الاضطرابات العالمية الجمهوريين حيزاً أوسع لمهاجمة أوباما والديمقراطيين.
ومع ذلك، فإن قِلة من قضايا السياسة الخارجية سوف تهيمن على الحوار في كل من الحزبين. وتتمثل إحدى هذه القضايا في التجارة، وهي مسألة محلية ودولية. ويسعى أوباما إلى الحصول على سلطة تعزيز التجارة، والتي تمثل مقدمة ضرورية لكسب تأييد الكونغرس لاتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، التي سوف تعمل على تقليص الحواجز بين الولايات المتحدة وإحدى عشرة دولة أخرى مطلة على المحيط الهادئ. وكثير من -ولكن ليس كل- المرشحين الجمهوريين يدعمون الشراكة عبر المحيط الهادئ؛ أما السياسة على الجانب الديمقراطي فهي أكثر عدائية في التعامل مع هذه الاتفاقية، الأمر الذي يجعل دعمها من أي مرشح ديمقراطي مخاطرة محتملة.
والقضية الثانية التي ستهيمن بكل تأكيد على مناظرات الترشح في الحزبين هي إيران والمفاوضات الدولية الجارية لاحتواء برنامجها النووي. وبوسع المرء أن يتوقع انتقاد العديد من المرشحين الجمهوريين لأي صفقة مطروحة. وسوف تُطرَح التساؤلات حول أي العقوبات ينبغي أن تخفف ومتى؛ وحول شروط الامتثال للتفتيش؛ وحول ما قد يحدث بمجرد انتهاء العمل ببعض القيود المفروضة على أنشطة إيران النووية. ومن المرجح أن يكون المرشحون الديمقراطيون أكثر تعاطفاً مع كل ما يتم التوصل إليه من خلال التفاوض؛ ولكن هناك فوارق بكل تأكيد بين المرشحين على الجانبين.
والقضية الثالثة هي مسألة تغير المناخ. سوف يعزز بيان البابا فرانسيس من بروز هذه القضية في خطابه حولها. وعلى نحو مماثل، سوف يعمل التخطيط والترتيب لمؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ في باريس في كانون الأول (ديسمبر) على إبقاء القضية مطروحة في وسائل الإعلام. وسوف يكون الديمقراطيون أكثر دعماً لبذل الولايات المتحدة تعهدات أبعد مدى، وإن كانت الاختلافات في وجهات النظر، مرة أخرى، سوف تنشأ على الجانبين.
وتشمل مجموعة رابعة من القضايا مشاكل الشرق الأوسط. والواقع أن الشهية قليلة على الجانبين لشن تدخل عسكري واسع النطاق في العراق وسورية للتصدي لتنظيم الدولة الإسلامية. ولكن المناقشة سوف تكون حامية، وسوف نشهد مواقف كبرى حول ما ينبغي القيام به وما لا ينبغي القيام به.
ثم هناك كل القضايا الأخرى، من عدوانية الصين في آسيا إلى رجعية روسيا في أوكرانيا. وسوف يكون الخطاب، وخاصة على الجانب الجمهوري، قاسياً.
ويأمل المرء أن تنشأ من عملية الترشيح في الحزبين رؤية واضحة للكيفية التي يجيب بها المرشحون الناجحون على ثلاثة أسئلة كبرى.
الأول يتعلق بمدى الاهتمام الذي يكرسه المرشح بالقيمة المطلقة للسياسة الخارجية. فإذا تصور المرء الأمن القومي كوجهين لعملة واحدة، حيث السياسة الخارجية على أحد الوجهين والسياسة الداخلية على الوجه الآخر، فأي الوجهين قد تكون له الغَلَبة لدى الرئيس التالي؟ الواقع أنها مناقشة كلاسيكية على غرار مناقشة "البنادق في مقابل الزبد" حول كيفية توزيع الموارد، من الدولارات إلى الاهتمام الرئاسي، بين الأمرين.
وثانياً، ما هي مقاصد وأولويات السياسة الخارجية؟ إن التقليد الواقعي في العلاقات الدولية يركز على التأثير على السياسات الخارجية للدول الأخرى والإقلال من التركيز على شؤونها الداخلية. ويتخذ التقليد البديل الرئيسي المسار المعاكس، بحجة أن الشؤون الداخلية للدول الأخرى هي الأكثر أهمية، سواء لأسباب تتعلق بالأخلاق والمبادئ، أو لأنه من المعتقد أن الكيفية التي تتصرف بها أي حكومة في الداخل تؤثر على الطريقة التي تتصرف بها في الخارج.
وفقاً لهذا الرأي المثالي، فإن الدول الديمقراطية التي تعامل مواطنيها باحترام هي الأكثر ميلاً إلى التعامل مع مواطني الدول الأخرى باحترام. ولكن المشكلة بطبيعة الحال هي أن التأثير على مسارات المجتمعات الأخرى أمر صعب عادة ومسعى طويل الأمد؛ ومن ناحية أخرى، هناك تحديات عالمية ملحة تحتاج إلى معالجة، وفي بعض الأحيان بمساعدة أنظمة بغيضة.
ويتعلق السؤال الأخير بالنهج الذي يميل إليه المرشحون في تنفيذ السياسة الخارجية. فما هو المزيج المفضل لديهم من الأحادية والتعددية، وما هي الأدوات من الدبلوماسية والعقوبات إلى العمليات الاستخباراتية والقوة العسكرية التي قد يستعينون بها في أغلب الأحيان؟
يجب أن تصبح الإجابات على هذه الأسئلة أكثر وضوحاً خلال الحملة الانتخابية. وسوف يكتسب الأميركيون حساً أفضل بمن يستحق أصواتهم، وسوف ينمو شعور أفضل لدى بين الناس في كل مكان حول ما ينبغي لهم أن يتوقعوا في كانون الثاني (يناير) 2017، عندما يتم تنصيب الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة.

*رئيس مجلس العلاقات الخارجية، عمل سابقاً مديراً لتخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأميركية، وكان مبعوث الرئيس بوش الابن لأيرلندا الشمالية ومنسق مستقبل أفغانستان.
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2015.

التعليق