الفصل الختامي في قصة كوريا الشمالية

تم نشره في الخميس 3 أيلول / سبتمبر 2015. 12:00 صباحاً

كريستوفر هِل*

دنفر- يبدو أن المفاوضين من الكوريتين نجحوا في حل أزمة الشهر الماضي؛ حيث تسبب استخدام كوريا الجنوبية مكبرات الصوت لإذاعة رسائل عبر المنطقة منزوعة السلاح في استفزاز تهديدات بالحرب من قِبَل الشمال. وهو نبأ سار بالنسبة للمنطقة والعالم: ففي خضم المخاوف المتنامية بشأن الاقتصاد الصيني، هناك بالفعل وفرة من الأسباب الداعية للقلق إزاء الأحداث الجارية في شمال شرق آسيا. وعلى الرغم من هذا، فإن حالة عدم اليقين في ما يتصل بمستقبل كوريا الشمالية تحت حكم كيم يونج أون تظل باقية، وتقدم الواقعة الأخيرة فرصة مهمة لتقييم زعامته.
كان سلوك كيم متماشياً إلى حد كبير مع والده كيم يونج إيل، وجده كيم إيل سونج: افتعال الأزمة من دون سبب واضح وتوقع المكافأة عن إنهائها. ولكن في الأزمة الأخيرة، لم يحقق كيم أي مكسب يُذكَر. فلم تحصل كوريا الشمالية على صفقات غذائية جديدة، ولا مساعدات اقتصادية أو مالية، أو مساعدة في مجال الطاقة أو الزراعة، بل ولم تتلق كلمات دافئة من الصينيين. والواقع أنه من الصعب أن نجزم بالسبب الذي دفع كيم إلى إشعال هذه الأزمة في المقام الأول.
ويبدو أن ما حصل عليه كيم هو موافقة كوريا الجنوبية على وقف بث الرسائل، والتي تتضمن انتقادات شديدة التعبير لشخص كيم. وربما كان ذلك كافياً.
بكل المقاييس، يتمتع كيم بقدر ضئيل من الشرعية الشخصية في كوريا الشمالية. ففي التقاليد الكورية، يُعَد ائتمان أصغر المنتمين إلى الجيل الثالث على ثروة العائلة اقتراحاً محفوفاً بالمخاطر في بعض الأحيان. وقد ناضل والده كيم يونج إيل بكل قوته لملء الفراغ الذي خلفه كيم إيل سونج. ويبدو أن كيم يونج أون يواجه صعوبة أعظم في إدارة شؤون العائلة.
لقد أطلق العنان لما يسميه كثيرون عهد الإرهاب: فقد أعدِم العشرات من كبار المسؤولين بعد إجراءات موجزة وبوحشية، في حين ترتعد فرائص آخرين من الخوف. وعلى الرغم من مشاريع البناء العَرَضية -متنزهات جديدة في العادة- فإن كوريا الشمالية في عهد كيم يونج أون تسير بخطوات ثابتة إلى عالم النسيان.
يعيش اقتصاد البلاد حالة من الفوضى، مع تعرض قاعدته الزراعية بشكل متزايد، في غياب أي هندسة أو تكنولوجيا حديثة، لتقلبات الطقس. ويعكس القرار الذي اتخذته السلطات بالسماح للأسواق بالعمل الحاجة إلى تحويل الضرورة إلى فضيلة: فكما كانت الحال مع الأنظمة الشيوعية المتآكلة في أماكن أخرى، فإن الحكومة لا تملك ترف تعويض المزارع الجماعية عن خسائر الناتج.
بالإضافة إلى ذلك، غسلت الصين يديها من جارتها الصغيرة. وروسيا، التي لا تستطيع التودد إلى أصدقاء جدد، في حين تناضل أيضاً لإدارة اقتصادها الضعيف، ليست مهتمة بإحياء الصداقة القديمة مع الدولة التي تبدو وكأنها تسير على مبدأ لا يتزعزع، والذي يتمثل في عدم الدفع لأي أحد مقابل أي شيء.
كانت إحدى السمات المميزة لزعامة كيم يونج هي عدم اهتمامه بالتفاوض على إنهاء برنامج كوريا الشمالية للأسلحة النووية. والواقع أنه بالرغم من المحاولات الصينية الحثيثة في السنوات الأخيرة لإعادة الحياة إلى ما يسمى المحادثات السداسية، فإن رد كوريا الشمالية كان يأتي بهدوء: "كلا، شكراً".
لقد استثمرت كوريا الشمالية تحت حكم كيم يونج أون بكثافة، وعملت جاهدة لتطوير صواريخ باليستية قادرة على حمل أسلحة نووية. ولم يُترك لشركائها السابقين -بل والعالم أجمع- أي اختيار آخر غير تشديد العقوبات، وزيادة اليقظة، وفي حالة الولايات المتحدة وحلفائها تطوير دفاعات فائقة التكنولوجيا قادرة على جعل أسلحة كوريا الشمالية الهجومية عتيقة وبلا جدوى قبل حتى أن يُكشَف عنها النقاب.
أثناء عملية المحادثات السداسية، وعلى مدى أربع سنوات، كان محاورو كوريا الشمالية (الولايات المتحدة، وكوريا الجنوبية، والصين، وروسيا، واليابان) يعرضون على النظام ما يرقى إلى صفقة كبرى: إيقاف البرنامج النووي في مقابل مجموعة واسعة من المساعدات والضمانات. ولكن كيم يونج أون رفض الفوائد التي كانت لتترتب على الاعتراف بدولته عضواً في المجتمع الدولي في وضع جيد، وأظهر عزمه الواضح على قيادة بلاده إلى مسافة أبعد في العراء.
من السهل أن نفهم على هذه الخلفية لماذا بدأ العديد من المحللين التركيز على العواقب التي قد تترتب على زوال كوريا الشمالية بالنسبة للترتيبات السياسية على شبه الجزيرة الكورية. وعند نقطة ما، وبطريقة لا يمكن تحديدها بعد، سوف تصبح كوريا الشمالية عاجزة عن العمل، وسوف تصبح كوريا الجنوبية الدولة التي تخلفها.
الواقع أن كثيرين من الكوريين الجنوبيين ليسوا على يقين من استعدادهم لقبول احتمال استيعاب سكان الشمال. ولكن، وبالرغم من أنهم سوف يناقشون ويقررون بشأن التفاصيل، فإنهم لن يحظوا بترف الاختيار. ففي مواجهة هذا التحدي التاريخي، سوف يقبل الكوريون، واضعين في اعتبارهم آفاق أحفادهم وأمنيات أجدادهم، إعادة توحيد شطري شبه الجزيرة.
سوف تكون المهمة بالغة الضخامة. والواقع أن المثال الحديث نسبياً لإعادة توحيد شطري ألمانيا يقدم بعض الإرشاد، ولكن كوريا يجب أن ترسم مسارها بنفسها. وهي لن تكون في احتياج إلى التخطيط السليم فحسب، بل في احتياج أيضاً إلى الأصدقاء والحلفاء والشركاء في هذه العملية.
في الرابع من أيلول (سبتمبر)، سوف تصل رئيسة كوريا الجنوبية باك غن هي إلى الصين في ثاني زيارة رسمية تقوم بها إلى البلاد. وسوف تكون في انتظارها أجندة كاملة من القضايا الحالية المطروحة للمناقشة. ولكن، ونظراً لزعامة كيم يونج أون البائسة في الشمال، فربما تكون فكرة جيدة أن تسعى إلى إيجاد بعض الوقت للحديث حول الكيفية التي قد تبدو عليها الحدود النهائية مع كوريا الموحدة.

*مساعد سابق في وزارة الخارجية الأميركية لشؤون شرق آسيا، وكان سفير الولايات المتحدة إلى العراق، وكوريا الجنوبية، ومقدونيا وبولندا، والمبعوث الأميركي الخاص إلى كوسوفو والمفاوض في اتفاقات دايتون للسلام.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت  سنديكيت".

التعليق