هل ثمة أسباب للأمل في الشرق الأوسط؟ ربما

تم نشره في الخميس 3 أيلول / سبتمبر 2015. 12:00 صباحاً
  • صورة من فيلم بثه "داعش" لتدمير معبد روماني في بلدة تدمر الأثرية السورية - (أرشيفية)

هنري جيه باركي، وديفيد أف غوردون - (الديلي ميل) 27/8/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

تعصف رياح التغيير على نحو غير متوقع في عموم منطقة ساحل البحر الأبيض المتوسط. وعلى وقع الاتفاقية النووية مع إيران، كان هناك توقع عريض، في المنطقة وما وراءها، بأن تتكثف حدة التوترات الطائفية والنزاعات لتعمق المعركة بالوكالة بين إيران والعربية السعودية. وفي الولايات المتحدة، شدد حتى أقوى الداعمين للصفقة النووية على أن واشنطن تحتاج إلى الرد بقوة على الاندفاع المحتم من جانب طهران من أجل توسيع نفوذها الإقليمي على حساب حلفاء الولايات المتحدة التقليديين.
مع ذلك، يبدو ما نشاهده على الأرض مختلفاً تماماً. ثمة احتمال متزايد لتكون اصطفافات جيو-سياسية جديدة في عموم المنطقة. هناك حشد الخوف المتنامي في كل من العربية السعودية وإيران بسبب التهديد الذي تشكله الدولة الإسلامية "داعش"؛ وضعف نظام الرئيس بشار الأسد في سورية؛ وانتقال سياسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى التعاون مع الولايات المتحدة في سورية؛ وتنامي المصالح المشتركة لموسكو وواشنطن في توجيه التنافس السعودي الإيراني نحو مسار أقل تصعيداً بينما يتم أيضا خلق ائتلاف عريض ضد "داعش"، وهي عوامل تقوم كلها بخلق سيولة سياسية حقيقية.
بينما تتسارع التحركات الدبلوماسية، يبدو أن الولايات المتحدة وحلفاءها يعدون العدة لشن هجوم جاد ضد "داعش". ولعل من شأن فتح القواعد الجوية التركية أمام طائرات الائتلاف التي يقودها طيارون أو تسير من دون طيار، أن يتيح المجال أمام الحلفاء للتحضير لهجوم بري رئيسي ينفذه حلفاء محليين لاستعادة مدينة الموصل. وما تزال هذه المدينة التي تعد ثالثة المدن العراقية تخضع لسيطرة "الدولة الإسلامية" منذ أكثر من عام. ولعل الأمر الأقل اكتمالاً هو الذي يتمثل في التسابق الموازي نحو تحديد مستقبل سورية السياسي، وما إذا كان من الممكن إيجاد إطار عمل للتوصل إلى تسوية تضع حداً للحرب الأهلية الجارية في ذلك البلد.
أول علامة على أن ثمة هجوماً دبلوماسياً قيد العمل، تمثل في المديح الكبير الذي كاله الرئيس باراك أوباما للدور الروسي في المراحل الأخيرة لمفاوضات إيران النووية، وذلك خلال مقابلة مع كاتب العمود في صحيفة نيويورك تايمز، ثوماس فريدمان، وتمثل الرد بالمقابل من جانب الكرملين عبر التخفيف من شدة المعاداة السامية للأمركة التي هيمنت على سرد التطورات العالمية منذ ضم شبه جزيرة القرم وفرض العقوبات الغربية على روسيا في العام الماضي.
ثم كان وزيرا الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف مؤخراً في الدوحة، من أجل الاجتماع مع القادة الخليجيين، وهو ما انتهى إلى اجتماع مشترك مع نظيرهما السعودي. وأعقبت ذلك زيارة قام بها إلى الرياض مسؤول استخبارات الأسد، وإرسال وزير الخارجية السوري لعقد اجتماعات في سلطة عُمان؛ الدولة الخليجية الوحيدة التي لا تدعم الثوار المعادين للأسد في سورية بنشاط.
الأمر الحاسم بالنسبة لهذه الدبلوماسية الجديدة هو تدافع النشاط الدبلوماسي غير الاعتيادي بين كبار المسؤولين الروس والمسؤولين السعوديين في الشهور الأخيرة. وفي أعقاب وفاة العاهل السعودي الملك
عبد الله في كانون الثاني (يناير) الماضي، سعى الروس إلى استكشاف فرص تحقيق مرونة سعودية في سورية. وبدت القيادة السعودية الجديدة، والتي كانت تتوقع إبرام الصفقة النووية مع إيران، والحانقة من الولايات المتحدة، وأنها تختبر هي الأخرى ما إذا كانت موسكو راغبة وقادرة على تعديل السياسة الإقليمية الإيرانية. ومن جهتهم، يركز السعوديون بشكل خاص على اليمن التي تعد حساسة بالنسبة للأمن السعودي، وحيث يسيطر الثوار الحوثيون المعادون للسعودية، بسبب ما تعتقد الرياض أنه دعم إيراني مباشر.
السرعة التي أسقطت بها العربية السعودية، على العكس من إسرائيل، معارضتها النشطة للصفقة النووية لإيران، تتحدث عن الأهمية التي توليها المملكة للدبلوماسية الإقليمية الجديدة. وقد تفضي النجاحات الواضحة الأخيرة للقوى العسكرية بقيادة السعودية إلى طرد الحوثيين من السلطة. وإذا تعززت هذه النجاحات، فإنها قد تزود السعوديين بالثقة التي يحتاجونها لتقديم زخم على الأرض للزخم الدبلوماسي الجديد الذي يتكون في المنطقة.
ما يزال من السابق لأوانه التحدث عن الدور الذي تنوي إيران أن تلعبه. وفي المفاوضات النووية مع القوى العالمية الست، تم استثناء القضايا الإقليمية بشكل واضح من المباحثات بغية الإسراع في استغلال فرص النجاح على الجبهة النووية. لكن بعض القادة الغربيين، وخاصة أوباما، قالوا بوضوح إن محصلة ناجحة للمباحثات قد تخلق سلاماً يتيح المجال لدبلوماسية أوسع. وكان أوباما قد أعرب عن وجهة نظره بأن حلاً للنزاع المستمر في سورية سوف يتطلب وجود إيران على طاولة المفاوضات، وهو عكس موقفه السابق.
لم يكن النظام في سورية ليتمكن من الاستدامة من دون مساهمات إيران بالقوات والتسليح. ومن هنا، يبدو من غير المرجح أن تكون المبادرات الأخيرة قد حدثت من دون قبول إيران على أقل تقدير. ومن جهته، أكد العراق -الذي ينسق هو أيضاً عن قرب مع إيران- لوزير الدفاع الأميركي الزائر آشتون كارتر، على أن الميليشيات السنية ستلعب دوراً كبيراً في الهجوم المقبل لاستعادة محافظة الأنبار من مجموعة "الدولة الإسلامية"، حيث ستلعب الميليشيات الشيعية دوراً أقل بروزاً. وما تزال الولايات المتحدة والعربية السعودية تحثان بغداد على انتهاج مثل هذا المنهج.
يبقى من غير الأكيد ما إذا كانت العناصر الإيرانية التي تنتهج خطا متشدداً، وخاصة الحرس الثوري، ستمضي قدماً في سياسة التعاون، وخاصة واحدة قد تعرض للخطر نظام الأسد، وبالتالي حليف إيران الأكثر تلقيا للجوائز، ميليشيات حزب الله اللبناني. كما أن الروس لن يتخلوا بسهولة عن حليفهم الأسد. وكان هذا واضحاً في تعليقات لافروف أن رجل سورية القوي هو مقبول كشريك كامل في القتال ضد مجموعة "الدولة الإسلامية".
بغض النظر عن الدبلوماسية الأخيرة، ما نزال على مسافة بعيدة من حل المشاكل المعقدة الناجمة عن الحرب الأهلية السورية وضعف الدولة العراقية. لكن هناك اختباراً حساساً يتمثل في سرعة ومدى النجاح الذي يتحقق في الهجوم المضاد المقبل ضد مجموعة "الدولة الإسلامية". ومن غير المرجح أن يتم القضاء نهائياً على المجموعة المتشددة، لكن قبضتها على مساحات شاسعة من العراق وسورية سترتخي على نحو سريع، وسينتقل الزخم وستصبح "داعش" خصماً ضعيفاً بشكل رئيسي.
من المفارقات أن مثل هذه المحصلة ستجعل نظام الأسد في سورية أكثر عرضة للأخطار. فمن دون بقاء سيطرة "الدولة الإسلامية" على المشهد، سوف تتحرر قوات المعارضة من خوض غمار حرب على جبهتين.
هذه هي المفارقة في نهاية المطاف: من خلال تهديد الجميع، بما في ذلك الإيرانيين والروس، تكون مجموعة "الدولة الإسلامية" قد نجحت في توحيد الكل لإلحاق الهزيمة بها. لكن الثمن أسفل الطريق بالنسبة لكلا البلدين سيزيد من الضغوط للتخلي عن نظام الأسد.

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:Are there any reasons for hope in the Middle East? Maybe

التعليق