الاستثمار بين سندان التطبيق الضعيف ومطرقة النقد السلبي

تم نشره في الاثنين 7 أيلول / سبتمبر 2015. 12:00 صباحاً

 النائب المهندس خير ابو صعيليك*

عمان-  لا يخفى على صانع القرار في الدولة الأردنية أهمية ملف الاستثمار باعتباره حلا لمشكلتي الفقر والبطالة، سيما في ظل انتهاء المنحة الخليجية المقدمة للأردن ونزول أسعار النفط، ما يحد من إمكانية قيام دول الخليج من تقديم مساعدات اضافية للأردن، ويعني ان وضع هذا الملف على سلم الاولويات بات أمرا "مبررا" يقصد منه خلق فرص عمل لآلاف الخريجين سنويا.
وقد أحسن مجلس الأمة بإصدار قانون عصري للاستثمار كان من ثماره توحيد مرجعيات الاستثمار وايجاد النافذة الاستثمارية وتلقائية الحوافز ودليل الترخيص، وقد لاقى القانون استحسانا "كبيرا" لدى الاوساط الاقتصادية، ولكن السؤال المهم لماذا لم تأت الاستثمارات؟
الحق أن تطبيق جملة القوانين الاقتصادية التي اقرت مؤخرا "لم ترتق الى مستوى الطموح، فما تزال شركة المدن الصناعية – ذراع الاستثمار الصناعي- دون مدير عام منذ سنة، وما تزالت شركة المناطق الحرة تعمل بإدارة مدير عام بالوكالة منذ ثلاث سنوات، ولم تفلح الحكومة بإجابة سؤالي النيابي حول قائمة المشاريع التي تعرضها الحكومة على القطاع الخاص بموجب القانون الجديد فكانت إجابة وزير المالية أن قائمة المشاريع مرهونة بإصدار نظام مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص وهو مودع لدى ديوان التشريع والرأي.
أما النافذة الاستثمارية، فهي تعاني من عدم تفويض صلاحيات المرجع المختص إلى المندوبين بالاضافة إلى عدم انجاز النظام الإلكتروني الذي يتيح للمستثمر تعبئة طلبه إلكترونيا دون الحاجة إلى الاحتكاك مع الموظف العام، علما أن هذا متطلب منصوص عليه في القانون.
عداك عن مشكلة تفريغ الحاويات التي ظهرت في شهر رمضان الماضي وقيام الحكومة بفرض نسبة 1 % كرسوم مساع للبضائع الواردة إلى المملكة بما فيها مدخلات الانتاج الصناعي والتلويح المستمر برفع أسعار الكهرباء.
 كما أن الحكومة لم تتعامل بايجابية مع مقترحات النواب فيما يتعلق بمبادرة تحسين الادارة الضريبية وتنشيط الاستثمار الصناعي. وفي الوقت الذي ننظر فيه بايجابية إلى أي نقد يستهدف التحسين والتجويد الا أن أكثر ما يقلقني حيال هذا الملف هو سيل النقد السلبي من بعض النخب مستغلين ذلك كاحدى ادوات الخصومة والمناكفة مع الحكومة ورئيسها أو رغبة في نيل مناصب أو مقاعد وزارية متناسين هؤلاء ان المستثمر يراقبهم ويقرأ تصريحاتهم ويبني قراره على ذلك فالحصافة تقضي ان نعظم الايجابيات وهي كثيرة.
فان يقول احدهم ان عددا من المصانع اغلق بسبب قانون الضريبة فهذا بهتان عظيم وانصحه بقراءة قانون ضريبة الدخل الجديد ليدرك ان قطاع الصناعة وشركات الاتصالات الأساسية والأشخاص الاعتباريين الذين يمارسون أنشطة التأجير التمويلي وشركات الوساطة المالية وشركات توليد وتوزيع الكهرباء لم يطرأ على نسبها الضريبية أي زيادة، فقد بقيت كما هي في القانون السابق، بل ان مجلس النواب تعدى ذلك الى اعفاء كامل قطاع الزراعة.
ان النقد الذي لا يستند الى معلومة صحيحة هو نقد سلبي يستهدف الهدم ولا يسعف البناء، فلا يمكن لعاقل ان يتغافل عن الظروف الامنية في دول الجوار واغلاق الحدود.
 وفي نفس الوقت لا يمكن لمستنير ان ينكر الإصلاحات الكبيرة التي تضمنها قانون ضريبة الدخل الجديد مثل نقل عبء الاثبات الى الدائرة بدلا من المكلف ومثل اجراء التقاص مع ضريبة الابنية والمسقفات بنسبة 100 % ومثل تشديد العقوبات على المتهرب ضريبيا وإدخال نظام الفوترة الذي يتيح رفع سقف الاعفاء الشخصي للأسر متوسطة الدخل الى 28 ألفا بدلا من 24 ألفا ويوسع القاعدة الضريبية.
وكم اعجبني حديث غسان نقل في منتدى الاستراتيجات الأردني عندما قال إننا كمستثمرين نفضل أن نبقي القوانين الحالية بدلا من التغييرات المستمرة وأن مشكلتنا ليست مع القوانين أو النسب الضريبية بل مع التطبيق والقرارات والانظمة التي تصدر بشكل مفاجئ وتلتف على نصوص القوانين.
وعلينا ان نعي انه رغم اعفاء كامل قطاع الزراعة من ضريبة الدخل بنسبة 100 % الا ان تحسنا في هذا القطاع لم يُلمس.
ولقد ارتفع صوت النقد السلبي حتى وصل إلى مسامع بعض المرجعيات، ما حدا بالحكومة إلى ان تتعهد بتغيير القوانين التي اتت بها هي نفسها فقد ظهر وزير التخطيط مبشرا" بقوانين جديدة تشمل الاستثمار والشراكة بين القطاعين العام والخاص والضريبة والغريب في الموضوع ان يتم الحديث عن تغيير قوانين لم تطبق بعد، فالانظمة المرافقة لقانون الاستثمار لم تصدر كلها والنافذة الاستثمارية لم تكتمل كما ان نظام مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص لم يصدر بعد ولم تعرض المشاريع على مجلس الشراكة ايضا.
أما الاقرارات الضريبية لقانون ضريبة الدخل الجديد فانها ستقدم خلال الثلث الأول من العام 2016، بمعنى ان اثر هذه القوانين لم يظهر، ما يضع علامات استفهام حول نية مراجعتها قبل اجراء دراسات الاثر المالي والاقتصادي والاجتماعي، ما يشي بان منطق التجربة والخطأ هو السائد.
ملف الاستثمار في الأردن يحتاج إلى استقرار تشريعي يترافق مع مزيد من الجهد والمثابرة من الحكومة وتعيين الأشخاص الأكفاء وتكامل عمل الوزراء وتفويض الصلاحيات تحت طائلة المراقبة وكذلك يحتاج الى تخفيف حدة النقد والعقلانية في الطرح المستند الى المعلومة الحقيقية والسليمة.
 وخلاصة القول، نرجوكم معشر النخب اتركوا ملف الاستثمار بعيدا عن مناكفاتكم السياسية.

*رئيس لجنة الاقتصاد والاستثمار في مجلس النواب

التعليق