منظمة التحرير الفلسطينية: العدو في الداخل

تم نشره في الثلاثاء 8 أيلول / سبتمبر 2015. 12:00 صباحاً

د. حسن عفيف الحسن* – (ذا بالستاين كرونيكل)

ترجمة: علاء الدين أبوزينة

يعيش الفلسطينيون الذين سمحت لهم إسرائيل بالعيش في بلدات وقرى المناطق المحتلة، في محنة! إنهم يتعرضون للإيذاء والإذلال عند نقاط التفتيش، ويخضعون للإقامة الجبرية، والتفريق العنيف لتظاهراتهم السلمية. ويتعرض الفلسطينيون للرعب والصدمة كل يوم، عندما يقتحم الإسرائيليون منازلهم ويسحبون الصغار والكبار من أسرتهم لمواجهة الاستجوابات في منتصف الليل. وتحت وطأة هذا السرطان الخبيث، كما هو حاله، أصبح الاحتلال والعيش في الجيوب التي تواجه سياسة الفصل العنصري جزءاً لا يتجزأ من الوجود الفلسطيني. وتشكل عمليات الترهيب التي يمارسها الجيش الإسرائيلي والمستوطنون، وكابوس الاحتلال، ركائز قبيحة للحياة اليومية الفلسطينية.
لست أتحدث هنا عن الفلسطينيين المدمرين المحاصرين الذين يتعرضون للتجويع في غزة، وإنما أتحدث عن الحياة في الضفة الغربية نفسها، مركز سلطة إقطاعية فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية. ويقوم الإسرائيليون هناك بترويع الفلسطينيين وحرمانهم من حقوقهم الإنسانية وحرياتهم.
إذا كان ثمة أي حياة أو كرامة باقية في منظمة التحرير الفلسطينية، فإنها يجب أن تحفزها على الارتقاء إلى مستوى الاسم الذي تحمله، وأن تحارب ضد الاحتلال بإخلاص. ولكن، وبدلاً من توفير الأمن والأمان الكاملين لأبناء شعبهم، يستخدم قادة منظمة التحرير الفلسطينية الأدوات التي لديهم للتنسيق مع الإسرائيليين من أجل حماية مؤسسات الاحتلال وقطعان المستوطنين.
كان محمود عباس، القائد الأعلى لمنظمة التحرير الفلسطينية، هو مهندس اتفاقيات أوسلو سيئة الصيت، وقد تخلى علناً عن حق لاجئي العام 1948 في العودة وأضفى الشرعية على عمليات التطهير العرقي الإسرائيلية. وينسجم ذلك مع استراتيجيته طويلة الأمد والقائمة على التنازل عن حقوق الفلسطينيين. بل إنه هنأ الرئيس المصري على إقامة منطقة عازلة كبيرة لإغلاق الحدود المصرية مع غزة، والتي خلقت أزمة إنسانية في القطاع. لقد أصبحت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية هي عدو فلسطين من الداخل!
يستمر قادة منظمة التحرير الفلسطينية في وصف منظمتهم بأنها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في داخل الأراضي المحتلة وخارجها. وهم يعتبرون المجلس الوطني الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية برلمان الفلسطينيين في المنفى، والمسؤول عن صياغة السياسات والبرامج لمنظمة التحرير الفلسطينية. لكن الفلسطينيين عندما صوتوا آخر مرة تحت الاحتلال من أجل انتخاب مجلس تشريعي، فإنهم اختاروا حماس لتمثلهم، وهي مجموعة سياسية تعمل خارج إطار منظمة التحرير الفلسطينية؛ وبذلك تكون شرعية منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني، قد أصبحت موضع شك اليوم.
من حيث المبدأ، يُفترض أن يجتمع المجلس الوطني الفلسطيني كل سنتين وينتخب رئيسه، لكنه أصبح إحدى ضحايا أوسلو وتأسيس السلطة الفلسطينية. وكانت المرة الأخيرة التي اجتمع فيها المجلس الوطني الفلسطيني في كانون الأول (ديسمبر) من العام 1998، وكان ذلك الاجتماع -فيما ينطوي على مفارقة كبيرة- قد انعقد بإلحاح من الحكومة الإسرائيلية، ومن أجل إلغاء أجزاء لا تعجب إسرائيل من ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية. وكانت إسرائيل حريصة على حضور أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني كافة، بمن فيهم أولئك الذين تتهمهم إسرائيل بقتل إسرائيليين. وكان ذلك الاجتماع الذي هدف إلى إلغاء ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية أشبه باستسلام الجنرالات اليابانيين على متن السفينة الحربية الأميركية، "يو. أس. أس. ميزوري" في الحرب العالمية الثانية. وقد حضر الرئيس الأميركي كلينتون اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني وأشاد بتنازلاته التاريخية. واليوم، أصبحت الغالبية العظمى من الأعضاء الأحياء في المجلس الوطني الفلسطيني أشخاصاً مسنين منشغلين بإدارة أسرهم وأعمالهم، بينما يتمتعون بالمزايا الشخصية الممنوحة لهم من السلطة الفلسطينية وإسرائيل.
بمجرد توقيع اتفاق أوسلو، استقال بعض الأعضاء القلقين والمهتمين من منظمة التحرير الفلسطينية في تعبير عن الاحتجاج، وكان من بينهم الراحل إدوارد سعيد. وكتب سعيد أن أعظم مأساة بالنسبة للفلسطينيين هي أنهم "يتعرضون لهذا العدوان الشامل -ليس من جهة إسرائيل فحسب، وإنما من الحكومات العربية، ومنذ أوسلو من جانب منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة عرفات".
بعد تأسيس السلطة الفلسطينية، أصبحت منظمة التحرير الفلسطينية خاضعة للسلطة الفلسطينية، وتحولت إلى عرض لرجل واحد، والذي يسيطر عليه ويستغله عباس لتسجيل النقاط ضد أعدائه الشخصيين ومكافأة أصدقائه. ويرتدي عباس الكثير من قبعات منظمة التحرير الفلسطينية: رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ ورئيس المجلس الوطني الفلسطيني؛ ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية.
كانت الأنظمة العربية قد أنشأت منظمة التحرير الفلسطينية من أجل وقف المشروع الصهيوني عندما فشلت هذه الأنظمة في إبطاء ذلك المشروع. وفي الأعوام بين 1949 و1967، كانت الجامعة العربية هي التي تكفلت بالتحدث باسم الفلسطينيين. وقد ثبَّطت في بعض الأحيان، بل ومنعت أي مشاركة فلسطينية في العملية السياسية. لكن الهزيمة الكاملة التي منيت بها الدول العربية في العام 1967 أنهت هذه السياسة، وأضفت الأهمية على الفلسطينيين الناشطين سياسياً والمنخرطين في حركة التحرير. وأكدت قمة جامعة الدول العربية التي انعقدت في الخرطوم في أيلول (سبتمبر) 1967 حق الفلسطينيين في استعادة كل فلسطين التاريخية، وأعلنت بيانها الشهير: "لا سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل، ولا مفاوضات معها".
لم يكونوا حتى مدعوين إلى قمة الخرطوم تلك. ولكن، بما أن المؤتمر ألغى إمكانية المشاركة في الحرب التقليدية أو حتى المفاوضات مع إسرائيل في المستقبل القريب، فإنه وضع الفلسطينيين وجماعاتهم  المسلحة في طليعة الكفاح المسلح. وبذلك حلت فرق حرب العصابات الفلسطينية المسلحة محل الجيوش النظامية المهزومة، وسرعان ما تحولت هذه الفرق إلى رمز للمقاومة الفلسطينية ضد الاستعمار الإسرائيلي. ثم أصبحت لاعباً دولياً كبيراً واكتسبت دوراً جديداً تماماً بعد ذلك.
في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 1959، عقد ياسر عرفات وصلاح خلف سلسلة من الاجتماعات مع حفنة من المهنيين الفلسطينيين المغتربين في الكويت من أجل إنشاء "حركة فتح"، من دون معرفة الحكومة الكويتية، لتكون حزباً علمانياً يروج لفكرة الكفاح المسلح لتحرير فلسطين. ودعا ميثاق الحركة الفلسطينيين إلى التسامي عن الفصائلية واستخدام كل وسائلهم لاستعادة حقوقهم الوطنية. وعلى مدار السنوات الخمس التالية، جندت فتح بقوة ونظمت الأعضاء والمؤيدين من المغتربين الفلسطينيين في الدول العربية.
وبينما كانت منظمة فتح السرية تنمو في الأعداد، قررت الدول العربية إنشاء هيئتها الرسمية الخاصة لتمثيل التطلعات الفلسطينية. وفي العام 1964، انعقدت القمة الأولى للزعماء العرب في القاهرة وأنشأت منظمة جديدة لتمثيل الفلسطينيين، وسمتها "منظمة التحرير الفلسطينية". وكان الهدف المعلن من منظمة التحرير الفلسطينية هو تمكين الشعب الفلسطيني من "لعب دوره في تحرير وطنه وتقرير مصيره".
القليل من الفلسطينيين تمت استشارتهم في شأن تأسيس منظمة التحرير الخاصة بهم، وفرض الرئيس عبد الناصر المحامي أحمد الشقيري ليرأس منظمة التحرير الفلسطينية. وفي متابعة لقرارات القمة، التقى 422 عضواً، جاء معظمهم من عائلات النخبة، في مدينة القدس. وأسس هؤلاء أنفسهم باعتبارهم المجلس الوطني الفلسطيني، كنوع من البرلمان، وتبنوا الميثاق الوطني الفلسطيني. ودعت المنظمة الجديدة إلى تشكيل جيش وطني فلسطيني، والذي سيصبح فيما بعد "جيش التحرير الفلسطيني" الذي تم توزيع وحداته في دول عربية مختلفة، حيث كانت خاضعة للقيادة العسكرية للبلد المضيف.
في البداية، أثار عرفات وزملاؤه في فتح شكوكاً كبيرة حول المنظمة الجديدة. وتم إقناعهم بأن الأنظمة العربية أنشأت منظمة التحرير الفلسطينية للسيطرة على الفلسطينيين أكثر من كونها لإشراكهم في تحرير بلدهم. وصممت قيادة فتح على أن تتفوق على هذا الجهاز الرسمي الجديد بإطلاق أولى عملياتها العسكرية ضد إسرائيل في رأس السنة الجديدة للعام 1965. وكانت تلك العملية إخفاقاً عسكرياً، لكنها صنعت نجاحاً دعائياً. وأصدرت فتح بياناً عسكرياً مطولاً تحت اسم مستعار، "العاصفة"، وكتبت ليلى خالد: "يوم 1 كانون الثاني (يناير) 1965، فتحت حركة فتح حقبة جديدة في التاريخ الفلسطيني الحديث". وقال صلاح خلف "إن فتح نفذت نحو 200 غارة (في إسرائيل) خلال سنتين"، لكنه اعترف بأن هذه الهجمات كانت "محدودة النطاق وليست من النوع الذي يمكن أن يهدد أمن دولة إسرائيل". ثم انضمت فتح إلى منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1966، وسرعان ما كسب عرفات رئاستها في وقت قصير، ونُسي الشقيري بسرعة.
بشكل تدريجي، ظهر عدد من مجموعات حرب العصابات الفلسطينية شبه المستقلة على الساحة، والتي انضمت بدورها إلى منظمة التحرير الفلسطينية بالإضافة إلى فتح، وأصبحت منظمة التحرير الفلسطينية مظلة للعديد من المنظمات ذات الإيديولوجيات المختلفة. وكان خطابها الوطني يذكر بقوات الفيتكونغ، التي نجحت حينذاك في مواجهة القوات الأميركية المسلحة القوية في جنوب شرق آسيا، وبجبهة التحرير الوطني التي استطاعت أن تطرد القوات الفرنسية من الجزائر. وقد ظلت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وقيادتها حكراً على حركة فتح منذ ذلك الحين. واعترفت الدول العربية بمنظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني"، ودُعي ياسر عرفات للتحدث في الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1974.
على مدى 25 عاماً، خاضت منظمة التحرير الفلسطينية صراعاً مخصوصاً بأشكال مختلفة ومن وجهات نظر مختلفة. وكان الفلسطينيون ينظرون إلى عملياتها على أنها حرب عصابات تحررية ضد إسرائيل، لكن بعضها كان عنفاً عشوائياً ضد أهداف محايدة من أجل الدعاية. وقد صنعت تلك الهجمات عناوين الأخبار في وسائل الإعلام الدولية، وأصبح الناس في كل مكان يعرفون عن القضية.
بعد حرب العام 1967 واحتلال الضفة الغربية وغزة، أصبح ملايين الفلسطينيين موحَّدين جغرافياً (ولو أن ذلك تحت الاحتلال الإسرائيلي) كما لم يحدث من قبل منذ العام 1948، وبطريقة زادت من تماسك هويتهم الوطنية. ثم شهدت أوائل الثمانينيات وأوائل التسعينيات نقل الصراع إلى المناطق المحتلة وظهور مرحلة جديدة من المقاومة الشعبية والثورة، والمعروفة باسم "الانتفاضة". ولم تكن الانتفاضة موجهة ضد الأهداف المحايدة في الخارج من أجل الدعاية، وإنما ضد أفراد وأدوات الاحتلال الإسرائيلي مباشرة.
شعرت إسرائيل لأول مرة في تاريخها بحرارة المقاومة الفلسطينية وبحثت عن طريقة لإنهاء ذلك الهجوم على الاحتلال. وفيما ينطوي على مفارقة، ذهب القادة الإسرائيليون إلى منظمة التحرير الفلسطينية من أجل الغوث. وقررت منظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت تدعو إلى تحرير فلسطين التاريخية، أن تمضي مع الخطط الإسرائيلية، والاعتراف بإسرائيل، والتعايش مع مؤسسات الاحتلال، والتقليل إلى الحد الأدنى من أي مسؤولية واضحة عن الفلسطينيين. ولم تعد إسرائيل اليوم تستطيع أن تعيش كدولة استعمارية من دون السلطة الفلسطينية، التي كانت من خلق منظمة التحرير الفلسطينية.
بعد خمسين عاماً من انطلاقتها، قطعت منظمة التحرير الفلسطينية رحلة مؤلمة من الرفض والحرب إلى القبول والتعاون. واليوم، أصبحت المنظمة في مواجهة تناقضاتها الخاصة، ولا يمكن الاستمرار في أن يكون الحل في المهاترات، ولن يتأتى من الأطروحات المعتادة والحجج المضادة التي اعتادتها القيادة الحالية للمنظمة.
ala.zeineh@alghad.jo
*محلل سياسي. آخر كتبه "هل مات حل الدولتين فعلاً؟".

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: The PLO, the Enemy Within

التعليق