وادي الأردن: شبح الخسائر يقلص مساحة الأراضي المجهزة للزراعة

تم نشره في الاثنين 14 أيلول / سبتمبر 2015. 12:00 صباحاً
  • عاملات يقمن بزراعة أراض في وادي الأردن -(تصوير: ساهر قدارة)

حابس العدوان

الأغوار الوسطى- يؤكد مزارعون ومعنيون بالقطاع أن منطقة وادي الأردن تشهد تراجعا في مساحة الأراضي المجهزة للزراعة، مرجعين ذلك إلى خوف المزارعين من تكرار مسلسل الخسائر الذي شهدوه على مدى السنوات الماضية، مع استمرار الاحداث الجارية في دول الجوار.
ويبين المزارعون ان الموسم الزراعي القادم يحتاج إلى تكاتف جميع الاطراف المعنية لتقديم الدعم اللازم للمزارع لتجنيبه الخسائر، مشيرين إلى انه آن الأوان لأن تتحرك الحكومة لحل مشاكل القطاع العالقة، وخاصة خفض مستلزمات الانتاج وخفض اجور الايدي العاملة الوافدة وتوفير الاسواق لمنتوجاتهم.
ويبدي المزارع محمد العدوان قلقه من عواقب الزراعة للموسم القادم، مع عدم وجود اي مؤشرات على تحسن الاوضاع على صعيد التسويق او انخفاض تكاليف الانتاج، قائلا "انه قام بحراثة ارضه الا انه لم يستطيع إلى الآن البدء بتجهيزها لقلة الامكانات" لأن الشركات الزراعية التي كان يعتمد عليها في تمويل العمليات الزراعية ترفض امداده بالمال اللازم خوفا من عدم القدرة على السداد".
ويضيف العدوان أن هذا الحال ينطبق على حوالي 60 % من مزارعي المنطقة الذين لا يملكون اجور العمال للبدء بعمليات التجهيز كوضع السماد العضوي وتغطيته بالملش ومن ثم الزراعة، اضافة إلى اثمان الاشتال وغيرها من المصاريف الضرورية، موضحا إن المزارعين الذين زرعوا جزءا من أراضيهم بالباذنجان لتوفير مصاريف زراعة الموسم الجديد تعرضوا لخسارة نتيجة ارتفاع درجات الحرارة التي اتلفت عددا كبيرا من الاشتال وأخرت نموها.
"دعم المزارعين في وادي الاردن يعتبر مخاطرة قد لا تحمد عقباها"، هكذا يصف رائد الهمشري الموسم الزراعي القادم من وجهة نظر اصحاب الشركات الزراعية، لافتا إلى أن بعض الشركات تقوم حاليا بتمويل المزارعين على امل أن يتمكنوا من سداد الديون التي تراكمت عليهم من الموسم الماضي.
ويبين الهمشري وهو صاحب احدى هذه الشركات أن مستقبل الزراعة في وادي الاردن مجهول، خاصة مع استمرار الاوضاع الامنية في الدول المجاورة، وتأثير ذلك على تسويق المنتوجات الزراعية خلال الموسم، موضحا انه لا توجد اي مؤشرات على انفراج الاوضاع في القريب لذا فإن الخوف ما يزال يخيم على جميع مكونات القطاع رغم أن المساحات التي يجري تجهيزها لن تقل كثيرا عن العام الماضي.
ويشاركه الرأي صاحب محل المواد الزراعية نواش العايد بأن معظم اصحاب الشركات الزراعية احجموا عن تمويل المزارعين للموسم الجديد بنسب متفاوتة، معللا ذلك "بأن غالبية المزارعين مدينون لهذه الشركات من الموسم الماضي، ولم يستطيعوا سداد هذه الديون إلى الآن، وأي ديون أخرى ستكون مسمارا يدق في نعش اصحابها خاصة وأن هذه الشركات عليها التزامات للتجار".
وبحسب العايد فإن تمويل المزارعين تراجع بنسبة 60 % مقارنة مع الموسم الماضي، الأمر الذي انعكس على مبيعات الشركات بنسبة تراوحت ما بين 40 و60 %، في حين أن بعض الشركات اغلقت ابوابها وأخرى توقفت عن البيع لعدم توفر السيولة لدى المزارع لشراء مستلزمات الانتاج، مشيرا إلى إن هذا الوضع انعكس سلبا على القطاع الزراعي بشكل عام، إذ إن ما يقرب من 40 % من المزارعين فقط استطاعوا تجهيز أراضيهم فيما البقية ينتظرون من يمدهم بالمستلزمات اللازمة لذلك.
ويبين العايد أن جميع المؤشرات تدل على أن الموسم الماضي افضل من الموسم القادم، اذ إن السوق السوري كان يستوعب كميات كبيرة من الانتاج، الا أن تردي الاوضاع الامنية في دول الجوار سيتسبب بعدم استقرار الاسواق التصديرية الرئيسة، موضحا أن الحل الوحيد لمشكلة التسويق هو النقل الجوي وقد طالبنا الحكومة مرارا بتوفير خطوط نقل جوي بأسعار مقبولة لتمكين المزارع من تسويق انتاجه إلى دول اوروبا وروسيا.
ويؤكد صاحب المشتل الزراعي ناصر عبدالله ان كميات الاشتال التي يجري زراعتها تراجعت بنسبة 20 % مقارنة مع العام الماضي، موضحا ان السبب في ذلك خوف المزارعين من تحمل ديون جديدة، خاصة وأن معظمهم لا يملكون ثمنها.
معظم المزارعين تراكمت عليهم ديون للمشاتل الزراعية من الموسم الماضي، وتقوم المشاتل مجبرة بإمداد المزارعين بالأشتال لهذا الموسم، على امل ان يتمكنوا من سداد ثمنها خلال الموسم مع بدء عمليات القطاف وتسديد الديون القديمة، بحسب عبدالله، مبينا أن هناك تراجعا في تشتيل البندورة والباذنجان في مقابل ارتفاع الطلب على اشتال الكوسا والورقيات كالزهرة والملفوف.
ويرى رئيس اتحاد مزارعي وادي الاردن عدنان الخدام ان الموسم الجديد سيكون "القشة التي ستقصم ظهر البعير"، في ظل ارتفاع اسعار مستلزمات الإنتاج بشكل كبير، وشح مياه الري وتراكم المديونية الزراعية وتراجع التصدير، مع استمرار إغلاق الاسواق الرئيسة وعدم توفر العمالة الزراعية الكافية، لافتا إلى ان القطاع يواجه لحظة مفصلية هذا الموسم ستحدد بقاءه او موته بعد سنوات عجاف اتت على الاخضر واليابس، حدت بالعديد من صغار المزارعين لهجر اراضيهم  لعدم قدرتهم على تجهيز اراضيهم وامتناع الشركات الزراعية عن تمويلهم بسبب الديون المتراكمة.
ويعي الخدام أن الاوضاع الامنية في سورية والعراق تسببت بانتكاسة كبيرة للقطاع الزراعي في وادي الاردن، خاصة أنهما يعدان من اكبر الاسواق التصديرية، فضلا عن كونهما طريقا مهما لتصدير المنتوجات الزراعية إلى روسيا والدول الاوروبية، مستدركا "إلا ان التهميش والتجاهل الحكومي لمشاكل وهموم القطاع عمقت من جراحه، وزادت من الاعباء الملقاة على المزارعين، الأمر الذي حد من قدرتهم على مواصلة العمل".
وأشار إلى ان هجرة المزارع لأرضه ستكون لها نتائج غير محمودة على المجتمع والاقتصاد، خاصة فيما يتعلق بقضايا الفقر والبطالة، مستدلا على ذلك بارتفاع اعداد المواطنين الذين يتقاضون رواتب معونة الوطنية خلال السنوات الماضية، موضحا أن الزراعة تعد من اكبر القطاعات المولدة لفرص العمل تحولت إلى أكبر قطاع مولد للفقر والبطالة والامراض الاجتماعية في الوادي.
من جهته، يؤكد مدير زراعة وادي الأردن المهندس عبدالكريم الشهاب ان "الزراعة" لم تالُ جهدا للخروج بالقطاع الزراعي من هذا الوضع، من خلال البحث عن اسواق تصديرية جديدة  وتسهيل انسياب المنتوجات الزراعية إلى الاسواق الرئيسة، مشيرا ان حركة التصدير خلال الاعوام الماضية لم تتراجع مطلقا، الا ان ما حدث من خسائر كان ناتجا عن زيادة الانتاج بشكل مطرد الامر الذي تسبب بانخفاض الاسعار دون المأمول.
ويبقى الحل الانجع هو التنوع في الانتاج من خلال التنوع في زراعة المحاصيل، وفق الشهاب، لافتا إلى ان هذا التنوع هو السبيل الوحيد للتغلب على مشكلة الاختناقات التسويقية في ذروة الموسم ما سيشكل حصانة للمزارع من الخسائر التي  يتعرض لها كل موسم، مضيفا ان الوزارة ومن خلال مديرياتها تقوم بتقديم النصح والإرشاد عن طريق الندوات والمحاضرات والمرشدين الزراعيين لاتباع النمط الزراعي والتوسع في تنويع المحاصيل الزراعية التي تزرع في الوحدة الزراعية الواحدة.
واستبعد الشهاب أن يحدث أي تراجع لمساحات الاراضي المزروعة في الوادي لأن المزارع الذي لا يستطيع زراعة ارضه نتيجة قلة الامكانات سيجد من يستأجرها ويزرعها، متوقعا ان يكون الموسم الجديد افضل من الموسم الماضي، لأن العديد من المزارعين بدأو فعليا بتغيير قناعاتهم حول الزراعة التقليدية بالاعتماد على زراعة صنف واحد، والتوجه إلى زراعة عدة اصناف حسب رغبات الاسواق المحلية.
يذكر أن مساحة الأراضي الزراعية التي يتم زراعتها سنويا في وادي الاردن تصل إلى 285 ألف دونم من أصل 350 ألف دونم قابلة للزراعة منها 110 آلاف دونم في الشونة الجنوبية لا يزرع منها غير 83 ألفا، وفي ديرعلا 85 ألف دونم قابلة للزراعة يستغل منها 83 ألف دونم في الشونة الشمالية نحو 135 ألف دونم، يستغل منها 100 ألف، في حين يتجاوز عدد البيوت البلاستيكية التي تزرع سنويا في الوادي 70 ألف بيت.

التعليق