د.أحمد جميل عزم

أكبر ثلاث حركات في العصر العربي الحديث

تم نشره في الخميس 17 أيلول / سبتمبر 2015. 12:04 صباحاً

هناك ثلاث حركات في العصر العربي الحديث، أو بالأحرى في الأعوام الخمسة الأخيرة، تعكس حالة انهيار، ومخاض، وجهاد إنساني مختلط بتخبط وانحرافات هائلة، وضيق لا سابق له. هذه الحركات هي: ثورات الشباب والشعوب المسماة مجازاً "الربيع العربي"؛ ثم حركة السلفية الجهادية، "داعش والنصرة" وما شابههما من أسماء؛ وبعدها حركة الهجرة إلى الغرب عبر القوارب والسفن والقطارات والسير على الأقدام.
إذا كانت هذه هي حراكات القرن الواحد والعشرين، أو حراكات سنواته الأولى، فإنّه يجدر مقارنتها بحراكات القرن العشرين، التي كانت أيضاً ثلاثة حراكات رئيسة. الأول، حراك التحرر من الاستعمار والثورات ضده. والثاني، حركة إقامة الدولة-الأمة (Nation-State). والثالث، أحزاب الأيديولوجيا العربية، من إسلاميين (وخصوصاً الإخوان المسلمين)، والقومية العربية (القوميون العرب والبعث والناصرية)، والماركسية (الشيوعيون).
إذا استثنينا مرحلة الاستعمار والنضال ضده، فإنّ الحراكين الآخرين (الدولة والأحزاب الأممية الإسلامية والعربية واليسارية)، لم يستطيعا يوماً حشد حراك شعبي بقدر ما حشد "الربيع العربي"، و"داعش"، والهجرة إلى الغرب. بمعنى أنّه رغم نجاح الدول في أن تتحول إلى واقع يؤمن مواطنوها بها، ويعتمدون عليها في حياتهم اليومية ومأكلهم ومشربهم وعملهم، ورغم أنّ الحركات المؤدلجة السياسية اجتذبت أعداداً هائلة من المؤيدين في مراحل مختلفة، إلا أنّهما لم تستطيعا أن تحدثا هذا الحراك البشري الهائل، وتقبلتهما الشعوب تدريجياً واندمجت فيهما وأصبحت جزءا منهما، لكن مع بعض الممانعة لفكرة التجزئة والقُطرية.
لقد كان "الربيع العربي" حراكا في إطار الدولة-الأمة، أو ما يسميه البعض الدولة الحديثة التي تأسست بعد صعود وخروج الاستعمار، وترسخت، وما يسمى أيضاً بالمصطلحات القومية العربية "الدولة القُطرية". كان النزول للشارع غير مسبوق؛ غير مسبوق بحجمه وطوعيته وعدم وجود تنظيم حقيقي يحرك الجماهير.
سيكون واجباً علينا أن ندرس لماذا وكيف أُجهضت هذه الثورات التي كانت تريد أن تحافظ على إنجازات القرن العشرين وتصلح ما أفسدته مجموعات فاسدة، تغلغلت في الحكم وأوجدت أجهزة أمن ومؤسسات فيها فاسدون صغار يطمحون للفساد الأكبر. ومن الفرضيات أنّ السبب هو تدخل الغرب، ولكن أيضا تدخل العرب، لتمكين الثورات المضادة، من قبل حراكَين من حراكات القرن العشرين؛ هما أنظمة الحكم البائدة-المتجددة، والأحزاب القديمة التي لحقت بأذيال الثورة. فالغرب بحث عن "مرافقة الديمقراطية" الناشئة برأيه، بعد أن فشل في نشرها، على مدى سنوات. والعرب المحافظون بحثوا عن حلفاء محليين في الدول الثائرة حتى يضمنوا أن النخب المقبلة لا تنشر لهم عدوى الثورة، وانقسموا بين دعم الأنظمة القديمة ودعم الإخوان المسلمين.
ثم جاء تنظيم "داعش"، امتداداً لتنظيمات "القاعدة"، وأيضاً صنع شيئاً لم نفهمه حتى الآن؛ كيف استطاع نقل آلاف أو عشرات آلاف الشبان من عرب وعجم، للقتال في سورية. فالنظام المجرم في سورية ليس الوحيد من نوعه، وليس الشر الوحيد، ومن يذهب هناك للقتال لم يكن تغيير نظام عائلة الأسد همّه أو أولويته يوماً، بل ذهب هناك لأسباب مختلطة، بين الشعور بعجز عن فهم حالة استعصاء الإصلاح والحل عربياً، وأزمات نفسية وعائلية شخصية، ومكاسب مادية وجنسية متخيلة، ووعود "الآخرة". كما يمكن رؤية جزء من حراك "داعش" باعتباره تجسيدا للسلفية الجهادية، بأنها انتفاض من قبل قوة هددتها "الثورات العربية" المدنية.
بعد هذا، وبعد هزيمة "شباب الثورات"، بما في ذلك هزيمة هؤلاء الشباب لأنفسهم بأخطائهم، جاءت موجات المهاجرين عبر البحار للغرب، بحثا عن الأمان، بعيدا عن عنف الأنظمة القمعية، والجماعات التكفيرية، والحرب بينهما، كما يبحثون عن حياة أفضل، هذا رغم منظومة فكرية لا أعتقد أنّ المهاجرين بريئون منها، فجزء كبير من هؤلاء تأثروا بثقافة ودعايات تقوم على تكفير الغرب حيناً، وعلى تأكيد التمايز الثقافي عنه حيناً آخر.
كل حركة من هذه الحركات تحتاج لبحث منفصل. ولكن مبدئياً، يجب النظر إليها على أنّها من أهم معالم المرحلة، وأن عدم إدراك كيفية التعامل مع الأنظمة القمعية، وظاهرة "داعش"، والهجرة، يعني أولا أنّها ستدمر الدولة الأمة، وثانيا تقضي على فرص الإصلاح والثورة المدنية.

التعليق