رنا الصبّاغ

تونس تسير إلى الأمام.. وسط حقول ألغام!

تم نشره في الأربعاء 23 أيلول / سبتمبر 2015. 12:01 صباحاً

تونس- رغم التحديات الأمنية والاقتصادية الضاغطة، وتصاعد غبار معركة إقرار مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية الذي أشعل سجالا على خلفية مخاوف مشروعة من طي صفحة الفساد السابق من دون عقاب، يتباهى التونسيون أمام ضيوفهم بأن بلادهم نجت بأقل الأضرار مقارنة مع سائر الدول العربية التي تزعزعها انقلابات دموية وانتفاضات شعبية منذ مطلع 2011.
فمآلات "ثورة الياسمين" جاءت مغايرة، رغم تشابه الظروف التي قدحت شرارة التغيير في المنطقة: تفشي الفساد والاستبداد، وسد الطريق أمام مشاركة الشعوب في الحكم. أضف إلى ذلك انتهاك الحقوق المدنية والسياسية، واستيراد نسخة مشوهة من الرأسمالية عمّقت الفجوة بين الفقراء والأغنياء، مع هدر الكرامة وتغييب دولة القانون والمواطنة، وإسقاط التدين على الحياة العامة.
برأيهم، دفعت تونس الحد الأدنى من ضريبة التغيير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وحافظت على الحد الأعلى من المكتسبات؛ على رأسها حرية المرأة وحضورها في المشهد العام، واستمرار تونس أنموذجا عربيا نادرا لدولة مدنية دينها الرسمي الإسلام، بمجتمع يعكس الاعتدال والتسامح والانفتاح.
بذور قيم الحداثة والليبرالية التي غرست في حقبة الرئيس الحبيب بورقيبة -رغم استبداده ودكتاتوريته التي أفرزت لاحقا نظام زين العابدين بن علي- إلى جانب تحييد المؤسسة العسكرية، أنقذت الجمهورية التونسية في غمرة المخاض السياسي والانقسام المجتمعي الذي عاشته البلاد.
لذلك، بات المشهد التونسي اليوم استثنائيا، وتحديدا بعد الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة، حين قبلت الأحزاب كافة نتائج الصندوق، وأقرّت بأن الإقصاء السياسي بات من ممارسات الماضي، وأن التوافق الوطني هو أساس المستقبل.
حزب "نداء تونس" حصد غالبية مقاعد البرلمان، مدعوما بقواعده المناهضة لحزب "النهضة" الإسلامي الذي يمتلك الآن ثاني أكبر عدد من المقاعد بعد أن كان الحزب الحاكم منذ 2011. ويتحالف الحزبان اليوم ضمن ائتلاف حكومي مع "آفاق تونس" و"الوطني الحر".
في الأثناء، ما تزال مصر مضطربة في مواجهة الإرهاب، وسط مجتمع منقسم، وحريات سياسية وإعلامية متهاوية. فيما سورية تطحنها حرب أهلية أزهقت أرواح ربع مليون مواطن وهجّرت ملايين آخرين. وفي ليبيا، ينزلق المجتمع صوب حرب أهلية شاملة هجّرت أكثر من مليون ليبي إلى تونس وحدها. كما تتعمق في اليمن الانقسامات القبلية، وسط دعوات انفصالية، في ظل فشل الدولة وتدخلات أطراف دولية وإقليمية تخوض حربا مفتوحة على الاحتمالات كافة.
أما في تونس، فيجري العمل على مأسسة حكم تعددي عماده نظام رئاسي برلماني، يفترض أن يعطي نفوذا واسعا للسلطة التنفيذية على حساب نفوذ الرئيس المنتخب باجي قائد السبسي، القادم من رئاسة "نداء تونس".
على الأرض، حافظت المؤسسة العسكرية على الحياد، مع توسع مناخ حرية الرأي والتعبير، مدعومة بدستور حداثي متقدم عن الواقع العربي، وتراجع التدخل الرسمي في الإعلام العام والخاص، في ظل ديناميكية المجتمع المدني وقطاع المرأة والنقابات المؤثرة.
لكن ذلك لا يعني أن غالبية مكونات المجتمع لا تعي حجم التحديات الجاثمة على صدر تونس؛ تهديد الإرهاب، وثنائية الفقر والبطالة، وهشاشة الائتلاف الحاكم القائم على تحالف التناقضات بين أعداء الأمس بجذوره العقائدية المتنوعة، بل والمتباينة لأعضائه المؤسسين -مزيج من النقابيين اليساريين والأوليغاركيين المحافظين وأتباع حزب ابن علي الحاكم سابقا. يقابل ذلك، معارضة منقسمة، زادت من سلطة الرئيس الذي يمسك اليوم بخيوط القرار السياسي.
هذا المشهد خلّف حالا من الإحباط بين من كان يعتقد أن بإمكان السياسة تغيير قواعد اللعبة.
كما تستمر موجة الغلاء الطاحن وتراجع نسب النمو إلى 0.05 % من 6 % أواخر حقبة بن علي. فتونس خسرت مليون سائح هذا العام بعد الهجومين الانتحاريين على متحف باردو وفندق سوسة. وهناك تحدي إصلاح وزارة الداخلية والمنظومة القضائية والشرطية، ووضع استراتيجية فاعله طويلة الأمد لمحاربة الإرهاب العابر للحدود. وكذلك لجم ثقافة التشدد والانغلاق في بلد صدّر أكبر عدد من المقاتلين الأجانب إلى سورية والعراق. وهناك تحدي مهننة الإعلام بعد دخول ساسة ورجال أعمال على ملكية الصحف ومحطات التلفزة، ووقف تهميش الشباب وتنمية المناطق الداخلية، ووقف التعذيب في السجون. كما يعكف التونسيون على إقرار مشروع قانون المصالحة المالية والاقتصادية، الذي يشكّل تهديدا حقيقيا لمسار العدالة الانتقالية، بعيدا عن جوهر رسالة الثورة: عدالة، وحرية، وكرامة.
نفسيا، التونسيون "متشائلون" حيال الوضع في البلاد. تتصدر المؤسسة العسكرية هرم المؤسسات لناحية كسب ثقة التونسيين، بحسب مؤشر شهري لقياس الرأي العام ينفّذ منذ كانون الثاني (يناير) بإشراف "سيغما كونسيي". في المقابل، يتراجع تقييم التونسي للوضع العام أمنيا ومعيشيا واقتصاديا وتعليميا منذ آذار (مارس). وتزداد نسبة من يعتقدون أن البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ، رغم شعبية الرئيس وعديد وزراء.
سياسيا، تحجب التحديات الأمنية والاقتصادية الضاغطة النقاش الدائر حول التحالف الرباعي، وكذا الخلافات داخل حزب "نداء تونس" قبيل الانتخابات الداخلية التي ستجرى أواخر 2015، ما قد يقوض قدرة الحكومة على معالجة هذه التحديات المقلقة ويعرقل التحول الديمقراطي.
من يحكم تونس اليوم؟
في الحكومة خليط غير متجانس من الإسلاميين واليساريين والليبراليين والدستوريين والمحافظين، لكل منهم حساباته ورهاناته. والسلطة الحقيقية عادت بيد القصر الرئاسي في قرطاج، بعكس تصورات الدستور الجديد، والوضع القائم زمن الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي.
الانطباع السائد اليوم هو أن فترة شهر العسل انتهت، وأن كل حزب بصدد تقييم خسائر وأرباح تجربة الحكم المشترك، وبعدها إظهار لونه الحقيقي. وتستمر لعبة التوازنات.
"نداء تونس" كان يود مشاركة الحكم مع شبيه له. لكن إكراهات السياسة فرضت عليه التحالف مع عدوه اللدود: "النهضة". لذلك، هو يحكم اليوم بالاسم فقط، فالمقود الفعلي ليس بيده. وبذلك، سيتحمل أعباء فشل السياسات الحكومية من دون أن يستفيد من أي نجاحات. وبالتأكيد، سيعاقب الناخبون حزب "نداء تونس" في الانتخابات البلدية العام المقبل، إذا تواصل الانكماش الاقتصادي ولم يتراجع خطر الإرهاب. وما يساعده حتى الآن، عدم وجود حزب قوي ينافسه على قاعدته الانتخابية. لكن الصراعات الداخلية المستمرة حول قيادة "الندائيين" قد تهدد مستقبله مع توجهات لتأسيس "النداء الجديد"، عبر حركة تصحيحية على خلفية شعور البعض بطعنة في الظهر وانتهازية سياسية بسبب التشارك في الحكم مع "النهضة".
الحزب الثاني؛ "النهضة"، المدعوم من ربع التونسيين، دخل التحالف لكي يحمي ظهره وطنيا وإقليميا ودوليا، بعد أفول نجم "الإخوان المسلمين" في المنطقة. وهو يحضّر للانتخابات البلدية، وسط شدّ داخلي مع قواعده المتشددة التي كانت ضد فكرة المشاركة الرمزية في الحكم. وثمه قلق في أوساط بعضهم، لأن المشاركة في الحكم كانت مشروطة بعدم الإضرار بالمصالح الاستراتيجية للحركة، وقد طفت أخيرا مظاهر توتر. فقرار وزير الشؤون الدينية عثمان بطيخ بعزل أئمة مساجد محسوبين على "النهضة"، ترك مرارة في حلق النهضويين، كمؤشر على عودة التصفيات الأيديولوجية، ما دفع رئيس الحكومة إلى تأجيل تنفيذ قرار العزل.
"الوطني الحر" يعجز حتى الآن عن التأثير في قرارات التحالف. "آفاق تونس" (ليبرالي براغماتي) لا ينتمي للعائلات الفكرية الرئيسة في تونس، ويرى نفسه ندا لـ"نداء تونس"، ويسعى لمحاربة الفساد. رئيسه ياسين إبراهيم، المسؤول عن ملف التنمية الاقتصادية، قد يدفع ثمن الاخفاق في حال لم يقلع الاقتصاد العام المقبل. والعكس صحيح.
ثمة شعور اليوم بأن التغيير في المشهد السياسي مسّ الشكل دون المضمون. إذ إن غالبية الأحزاب الحاكمة، باستثناء "آفاق تونس"، تعود لما قبل الثورة، وهي إرث من صراعات الماضي وآلامه. الباجي قائد السبسي (88 عاما) الذي خدم مع بورقيبة، كان جزءا من منظومة تتغاضى عن التعذيب. لكنه يتمتع الآن بشعبية لدهائه السياسي، وشخصيته الكاريزمية، ودوره في المرحلة الانتقالية. وثمّة حنين خافت لحقبة بن علي، خصوصا لدى طبقة الفقراء، الذين يستذكرون وضعا اقتصاديا مقبولا في ظروف أمنية مستقرة، حيث لا مشكلة لأحد آنذاك إلا للحزبيين وأنصار حرية التعبير. يقول مواطن تونسي: "كنا قادرين على العيش مع أخطاء ابن علي. أما اليوم، فإن عيوب الائتلاف تقتلنا، والكل يعمل لمصلحته وليس لمصلحة البلاد. حرية التعبير التي كسبناها تسمح لنا بانتقاد الجميع بمن فيهم الرئيس، لكن ذلك لا يملأ بطوننا الجائعة، فماذا كسبنا؟!".
الصورة واضحة: "حزب التجمع الدستوري الديمقراطي" المنحل، الذي كان الحزب الحاكم أيام بن علي، استبدل بـ"الترويكا" بين 2012 و2014، واليوم بـ"الحكومة الرباعية". وهناك تحالف قوي بين القوى المحافظة في "نداء تونس" و"النهضة"، ما يحمل خطر التراجع عن مكتسبات الحريات العامة عبر قانون مكافحة الإرهاب الأخير، وبعد فرض حالة الطوارئ عقب التفجيرات الانتحارية. يفاقم ذلك غياب الجدية في محاكمة أقطاب الفساد سابقا، وأيضا انتهاكات حقوق الإنسان التي وصم بها نظام بن علي البوليسي.
مستقبل "نداء تونس" سيظهر بعد جولة الانتخابات الداخلية الأولى. وكذلك قدرته على تعزيز الديمقراطية المؤسساتية في مواجهة حسابات سياسية ضيقة للعصبيات الفئوية، والتي قد تضعف الثقة في التزام تونس بالمعايير الديمقراطية وقدرة الحكومة على التعاطي مع الملفات الأمنية والاقتصادية المتداخلة.
قد يشهد المستقبل القريب تصدّعات في الائتلاف الحاكم في ملفات شائكة، كمشروع قانون المصالحة الذي طرحه الباجي قائد السبسي لطي صفحة الماضي وتوفير مناخ ملائم للاستثمار، مع استعادة أموال 120 من رجال أعمال فاسدين بهدف توظيفها في خدمة التنمية المحلية. وهناك ضرورة لاستكمال الهيئات الدستورية وبخاصة المحكمة الدستورية، ومواجهة ثقافة التكفير المتنامية، وإقرار قوانين محفزة للاستثمار.
فلو تمكن التحالف الرباعي من إنعاش الاقتصاد ومواجهة خطر الإرهاب بتناغم مؤسساتي، مع تعزيز عمل هيئة الحقيقة والكرامة، ستتراجع التشققات القائمة بين أطراف التحالف. بعكس ذلك، يظل التحالف القائم في مهب الريح، وقد يتعرقل التحول الديمقراطي المنشود لمصلحة القوى الرافضة للعدالة الانتقالية. وسيغدو التوافق المعلن أداة لتصفية الحسابات السياسية على حساب بناء دولة المستقبل.
لكن من قال إن التغيير يأتي من دون تضحيات؟!

التعليق