مروان المعشر

نغير لنحيا أو نستكين لنذوي

تم نشره في الأربعاء 7 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 12:07 صباحاً

هناك ظاهرة مقلقة نشهدها في مجالات مختلفة، تتمثل في الانحدار التدريجي للخدمات العامة في مرافق عدة. فمن منا لا يشكو من أزمة السير الخانقة في أوقات النهار والليل كافة؟ وهي أزمة لم تعد حجة وجود المغتربين في الصيف كافية لتفسيرها، لأن الصيف انقضى والأزمة مستمرة. من منا لا يشكو من انحدار مستوى التعليم عبر العقود الماضية، انحداراً أدى إلى خلق جيل إقصائي في تفكيره وممارساته؟ ومن منا لا يشكو من سياسة اقتصادية لم تنجح حتى اليوم في تخفيض البطالة نقطة مئوية واحدة، رغم عقود من "الإصلاح الاقتصادي"؟ من منا لا يسمع يومياً عن حوادث إطلاق نار، ولأتفه الأسباب، لأن البعض يعتقد أنه أكبر من القانون، وأن هيبة الدولة لا تعني له شيئاً، لأن القانون لا يطبق على الجميع سواسية؟
ما هو القاسم المشترك الذي يمكن أن يفسر كل هذه الظواهر، في تلك المجالات وغيرها؟ ليس بالتأكيد ارتفاع عدد السكان، أو غياب الموارد المالية؛ وهي تحديات تواجه الدول كافة ولا ينفرد بها الأردن. السبب الرئيس يكمن في غياب التخطيط بعيد المدى، ومن ثم إرادة التنفيذ، حتى أصبحت ثقافة تسويف المشاكل تشكل الإطار العريض الذي يحكم عمل معظم أجهزة الدولة.
وترهل الأجهزة والعقول لا يأتي من فراغ، بل له أسباب واضحة. ففي غياب نظام حقيقي من المراقبة والمحاسبة، يمكن للحكومة (أي حكومة) ممارسة سياسة التسويف أو المعالجة الآنية للأمور، فقط لأنها تعرف أنها لم تأت من قواعد شعبية قادرة على محاسبتها، ولم تأت أيضاً وفق برنامج واضح ومعلن، وفريق متجانس لتطبيق هذا البرنامج. في ظل ذلك، تصبح جهود الحكومة -أي حكومة- فردية وقصيرة المدى في معظم الأحيان (كيف لا، ومعدل عمر الحكومة في الأردن أقل من سنة)، وغير متناسقة أو غير خاضعة لإطار عريض يحدد الوجهة التي نريد الوصول إليها؛ من تحسين مستوى معيشة الناس ضمن نظام من الفصل والتوازن، يضمن السيادة المتساوية للقانون على الجميع.
للأسف، أصبح الرد التقليدي على مثل هذه التساؤلات دفاعياً إلى حد كبير. وهناك نزعة لتحميل المسؤولية لأسباب عدة، ليس من بينها الاعتراف بغياب التخطيط طويل المدى لمعالجة هذه الأزمات، ووجود الإرادة السياسية الجادة لتنفيذ هذه الخطط.
صحيح أن الخيارات اليوم صعبة لتصويب الوضع. لكننا عملياً أمام خيارين فقط: صعوبة التصويب، أو استحالة استمرار الوضع الحالي. أما الخيار الثالث، وهو الاعتماد على معجزة لحل الوضع، فليس موجوداً. ولا أقول هذا بتهكم، بل لأن الدولة تتصرف في بعض الأحيان وكأن هذا الخيار ببالها. حان الوقت لمواجهة تحدياتنا بالتخطيط والعلم والإرادة السياسية، وليس بالخطابات والمواقف الدفاعية. إن لم نفعل ذلك، فالعواقب ستكون وخيمة.
تستطيع الحكومة أن تنفذ سياسة جادة لتطوير وسائل النقل العام مثلاً، أو سنواجه وقتاً نضطر فيه لاستخدام نظام أرقام السيارات الزوجية والفردية، لأن البلد لا يتسع لهذا العدد المتزايد من المركبات. كما تستطيع الحكومة البدء بسياسة جادة لتطوير نظام تربوي يعلم النشء أسس المواطنة المتساوية الحاضنة للتنوع، أو سيأتي يوم، وربما قد أتى فعلاً، نرى فيه كيف يعامل المواطن أخاه المواطن بعدائية فاضحة، بسبب غياب فلسفة تعليمية حداثية تحترم التنوع، وبسبب مناهج تفوح منها رائحة الإقصائية، ضمنا أو صراحة. وتستطيع الحكومة تنفيذ خطة اقتصادية تبتعد عن النظام الريعي تدريجياً، وتخلق المناخ المناسب للقطاع الخاص، وخاصة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، لخلق فرص عمل حقيقية، أو سنجد أنفسنا غير قادرين على مواجهة البطالة من خلال عمالة مقنعة داخل أجهزة الدولة التي لا يمكنها تحمل المزيد، مع كل ما تعنيه هذه البطالة من ضائقة اقتصادية وشعور بالحرمان ونزعة نحو التطرف. كما نستطيع تطبيق سيادة القانون على الجميع من دون محاباة، أو نتعود أن يأخذ الكل القانون بيده.
هذه خياراتنا؛ صداع التغيير أو سرطان التسويف. فدعونا لا نموت ببطء لأننا لا نملك شجاعة التغيير.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تستطيع ولكن (مفلح)

    الأربعاء 7 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    تستطيع الحكومة أن تفعل ما اقترحت في المقاله ولكن لا يوجد إرادة أو رغبة حقيقية في اقتراح الحلول فما الذي يمنع الحكومة من تطبيق القانون على الجميع وتوفير فرص متساوية للجميع. يوجد تحالف شديد بين الحكومة وأصحاب المصلحة باستمرار الوضع إلى ما هو عليه بل إن المنتفعين من الوضع القائم يدافعون بأيديهم وارجلهم لإبقاء الوضع كما هو لأن ذلك يخدم مصلحتهم .شكرا لك على هذه المقاله المتنورة. حبذا لو كل النخبة يفكرون بنفس طريقتك
  • »تحليل سليم ومنظقي (يحيى محمد)

    الأربعاء 7 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    تحليل سليم ومنظقي من شخصية كبيرة ومعروفة بمواقفها وكفائتها ووطنيتها.
    شكرا دكتور المعشر وأتمنى ان نجد أذنا صاغية من الحكومة
  • »التربيه والتربيه يتبعها التعليم (محمد عوض طعامنه)

    الأربعاء 7 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    التربية والتربيه والتعليم يتبعها .. تعليق محمد عوض طعامنه على مقالة الدكتور مروان المعشر بعنوان (نغير لنحيا أو نستكين لنذوي ) المنشورة في جريدة الغد صباح اليوم .
    التعليق : حينما ارتأت الدولة أن تغير اسم وزارة المعارف الى مسمى آخر هو وزارة التربية والتعليم وتعمدت تقديم التربية قبل التعليم ، كانت تقصد وتريد من كل من يرغب في التعلم أن يتفهم أن التعليم والتربية صنوان متحدان لا يفترقان ، لأن تلقي العلم سلوك قويم لا يتمتع به إلا من اعطاه الله سلوك تربوي سليم آخر.
    وعليه تضمنت المناهج المدرسية الى جانب الدروس الأدبية والعلمية مناهج في التربية الرياضية والثقافة العامه والمشاركات الجماعية مثل الكشافة والرحلات المدرسية . ولكن هذه النشاطات على تواضعها لم تؤتي اوكلها ، ولم تحقق الغاية النبيلة السامية التي وضعت من اجلها ، ونحن نشهد في السنوات السابقة ذلك الإنفلات (والتشليط) عند الطلبة تمثل في الإعتداء على معلميهم الأبرار وعلى ابنية ومعدات المدارس والتسرب من اوقات الدراسة وعدم احترام الهيئات التدريسية وارتكاب الكثير من السلوكيات الشيطانية التي لا تُحصى .
    في ظل هذا بدأ وهج مفهوم التربية المقترن بالتعليم في مدارسنا يبهت قليلاً قليلاً حتى يكاد ان يزول .
    ولهذا يتطلب الوضع التركيز المتواصل على تربية هذا النشأ منذ مراحل الحضانه ،وذلك بوضع مناهج اخرى تحض على السلوك القويم بالتعاون مع الأسر واصحاب الإختصاص في علم السلوك ، وتعزيز مفهوم اجلال المعلم ودور التعليم بكل الوسائل المتاحة وذلك بوضع قوانين رادعة اخرى تصون هذه الصروح العلمية الكبيرة في هذا الوطن الذي بناها هذا الشعب من عرقه وجهده لتكون بيوت علم وأدب ، لا ملاذات لبعض من الشباب يفتقر كثيراً الى التربية المنزلية . وعدم القناعة اصلاً بالعملية التربوية .
  • »فوق القانون (huda)

    الأربعاء 7 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    للاسف الشديد يا دكتور هناك شريحة من المواطنيين ما زالت حتى يومنا هذا تعتقد انها فوق القانون وان القانون وضع لغيرها وانه لا يعنيها وان الدولة من خلال عدم انفاذها القانون على الجميع ساهمت في تنمية هذا الاعتقاد لدى هذه الفئة اي انها اي الدولة تريد تقسيم المجتمع الى فئتين او شريحتين شريحة تدفع الضرائب المباشرة وغير المباشرة بكل مسمياتها وشريحة اخرى هي فوق القانون وهو امر لا يمكن الاستمرار به في القرن الحادي والعشرين تحت اي مسمى كان واجزم ان من اعتدى على العامل المصري الغلبان لمن يكن ليفعلوا فعلتهم لولا اعتقادهم الجازم بامكانية افلاتهم من العقاب كما كان يحدث سابقا كونهم يعتقدون انفسهم فوق القانون لذلك فنحن دافعي الضرائب لن نرضى بعد اليوم ابدا وتحت اي مبرر كان ان يتم انفاذ القانون بطريقة انتقائية كما كان الحال في السابق
  • »نعم صدقت (ختام الحلو)

    الأربعاء 7 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    بالفعل كلام يتضمن اسمى العلامات لحياه يستحقها كل شعب.. وبالاخص الشعب الاردني لما يحمل من عقول يافعه وناضحة وقادرة لتحمل المسؤوليه ان سنحت لها الفرصه.. ولكن اين هي الفرصه في خضم المسميات المتصدرة باعالي العناوين وهي ذاتها من تتكلم ولاتفعل للاسف .. فهي صاحبة الفرص ولها الحق والاولويه بكذا فرصه لانراها الا سراباً يتعطش لها من يحمل الفكر السوىّ.. دون ان تصاحبهم شبه فرصه.. صدقت معاليك وكل الاحترام لشخصك الكريم
  • »لااحد ضد التغيير ل الأفضل(التطوير) (يوسف صافي)

    الأربعاء 7 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    المشكلة تكمن في تعدد المدارس ومنظريها وللأسف الشديد من تخفى متسترا ولوجا لهدف مصلحي امّا مقلدا لتماهي المقلّد مع مصالحه واوتابعا لتنفيذ اجندة الغير جاهلا واومأجورا ناهيك عن من اعجبه الحال ولوجا لمصالحه؟؟ حتى بدى لاصحاب الدعوة للإصلاح اومن يقف ضده (سياسة راس روس) انه سيفقد الريشة التي تشير له بصوابية رايه ؟؟ التغيير المدروس للأفضل وقبل الحكم عليه سلبا ام ايجابا لابد من مؤامته على ما نحن عليه من ثقافة وقيم وعقيدة (المكون الذاتي) اولا حتى نمهد القاعدة لتقبل الجديد والقدرة على تشخيصه ؟؟ ودون ذلك صراع المعايير واُثارها السلبية التي تفتت المجتمعات وتضعها على قاعدة رملية سائبة لا تدري كيف تستقر والى اي اتجاه تسير(الحداثة اوالحضارة دون موائمتها مع المكون المجتمعي ومكنوناته = الإنحطاط) وهذا ما اجمع عليه كافة علماء الإجتماع والنفس؟؟ وشتان مابين داعي التغيير للتغيير ومابين الداعي للتغيير ولوجا لمصالحه؟؟" ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم"