رنا الصبّاغ

تدويل مهنة المتاعب!

تم نشره في الثلاثاء 20 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 11:00 مـساءً

ليلهامر/ النرويج – تعمقت قناعة أكثر من 900 مشارك في المؤتمر السنوي لشبكة الصحافة الاستقصائية العالمية، بأن مخاطر هذا الضرب النادر من الإعلام؛ القائم على نبش قضايا تهم الرأي العام، بهدف تفعيل ثنائية المراقبة والمحاسبة، تتزايد يوماً بعد يوم، بخاصة في دول ترزح تحت أنظمة دكتاتورية أو حروب أهلية أو مليشيات ومافيات.
ورغم ضخامة هذا الحشد من الصحفيين من 121 دولة، قرروا الانخراط في الاستقصاء الذي يتطلب صبرا ونقرا في الصخر، إلا أنهم يشكلون أقلية بين نظرائهم. لذلك، تبقى هذه الأقلية معرضة أكثر من غيرها لخطر القتل والخطف والسجن، والتعنيف اللفظي والجسدي، والتشريد. 
هؤلاء القادمون إلى هذه القرية النرويجية الوادعة؛ ليلهامر، بألوانهم ولغاتهم من دول ربما لم يسمع بعضنا باسمها، تكلموا لغة واحدة، وشد بعضهم أزر بعض، دعما لتقصي الحقائق، في خدمة مصالح مجتمعاتهم، بصرف النظر عن الظروف المهنية. فهؤلاء جنود مجهولون، يُقلقون راحة مرتكبي الفساد والجريمة المنظمة العابرة للقارات. هم الرقيب وموثق الحقائق المرتبطة بقضايا معيشية وخدمات الصحة والتعليم، وقضايا بيئية وانتهاكات حقوق الإنسان.
هؤلاء الرواد -منهم 24 صحفيا استقصائيا عربيا يمثلون المئات في منطقتنا- باتوا جزءاً من هذه الحركة الدولية الآخذة في التوسع؛ يتحركون عن قناعة ذاتية وخيار شخصي. يريدون أن يكونوا جزءاً فاعلاً من السلطة الرابعة المستقلة، ولن يرفعوا راية الاستسلام مهما غلا الثمن، لكن بطريقة مدروسة، تأخذ بالحسبان كلف المخاطرة، وتعزيز الحماية الشخصية وأمن المعلومات التي بحوزتهم.
برأيهم، باتت الحقيقة -في زمن ثورة تكنولوجيا المعلومات- ضرورة من ضرورات الحياة كالأوكسجين. وهي أولى ضحايا سياسات الأنظمة القمعية والحروب وتهديدات العصابات المنظمة. ولا بد من مواصلة تطوير مهاراتهم في جمع المعلومات، وتطويع التكنولوجيا، وتحصين هواتفهم الذكية وكمبيوتراتهم ضد مخاطر الاختراق والتعقب. كذلك تحتاج هذه القوة الضاربة من الصحفيين العرب إلى استمرار التشبيك مع زملاء داخل أوطانهم وخارجها، امتدادا لهذا المؤتمر الذي اختتم قبل أيام.
منذ مطلع العام 2015، قتل 44 صحفيا حول العالم، أثناء متابعة إحدى أنبل المهن، بمعدل صحفي واحد أسبوعياً. فقط 14 % من دول العالم تضمن منظومة إعلام حر، بحيث تنتقل المعلومات من دون أن تمر عبر مقص الرقيب الخارجي أو الداخلي، أو تتعرض للتشويه والتزوير والتضليل. وبحسب مؤشر منظمة "فريدم هاوس" للعام 2014، فإن مستوى حرية الإعلام تراجع إلى أدنى مستوى له في عشر سنوات، وتحديداً في العالم العربي ويورو-آسيا.
مفتتح المؤتمر الدولي -الذي يعقد مرة كل عامين- سلط الضوء على الهجوم المنظم الذي تتعرض له صحافة الاستقصاء. وأظهر أيضا نماذج لحالات تعرض فيها صحفيون استقصائيون لاستهداف مباشر وغير مباشر، وكان مصدر قوتهم الرئيسة عضويتهم في هذه الشبكة الدولية، أو تكاتف زملائهم معهم.
أكبر مثال على ذلك، ردة فعل هذه الشبكة الدولية التي تضم أكثر من 114 منظمة غير ربحية تدعم صحافة الاستقصاء في خمس قارات، على سجن زميلتهم الأذربيجانية خديجة اسماعيلوفا سبع سنوات ونصف السنة، بعد أن استثمرت سلطات بلادها قضية حقوقية عمالية للثأر منها على كشفها ممارسات فساد العائلة الأولى، بينما الغالبية تراقب بصمت وخوف. تحركت غالبية الشبكات الصحفية تضامناً. حثوا حكوماتهم والبرلمانيين على إدانة أذربيجان. اعتصموا أمام سفارات هذه الجمهورية في بلادهم مطالبين بالإفراج عنها، وأثاروا قضيتها في الإعلام. على خطى خديجة، قرر زملاؤها في مشروع عابر للقارات هدفه تتبع مسار الجريمة المنظمة والفساد، استكمال معركتها عبر نشر تحقيقات تكشف فساد الرجل الأول وعائلته. خديجة غابت شخصياً عن هذا المؤتمر للمرة الأولى منذ سنوات، لكن صورتها كانت على غلاف برنامج المؤتمر، واسمها على لسان كل مشارك، وكانت قضيتها مثالا لشجاعة فرد قرر أن لا يستسلم أو يسكت عن خيار شخصي مهما غلا الثمن.
في إحدى الجلسات، تحدث أربعة زملاء وزميلات عن تجاربهم مع القمع والتهديد الجسدي واللفظي، وقدموا نصائح لزملاء يعملون في ظروف مشابهة.
الأميركي درو سوليفان -مؤسس مشروع تتبع المال والفساد في سراييفو- تحدث عن "مشروع خديجة" الذي أطلقه المركز بعد سجنها، وعن صعوبات العمل في منطقة يورو-آسيا، التي تشهد أكبر تراجع في الحريات الإعلامية، وصولا إلى خطر الموت. "خديجة صحفية محترفة، ذنبها الوحيد أنها قررت رغم نصائح زملائها أن تكشف فساد الرئيس وأسرته التي تسيطر على قطاع البنوك والمقاولات والتعدين، بينما يلتزم الإعلام هناك الصمت والتستر"، يقول سوليفان مستحضرا تفاصيل حملة تشهير شنّتها أذرع السلطة على خديجة قبل سجنها للمس بشرفها وسمعتها عبر محطات تخضع لسلطتها، في بلد محافظ قد يعرض من يرتبط بعلاقة خارج إطار الزوجية إلى خطر الرجم بالحجارة. رفضت خديجة مغادرة وطنها عندما لاحت بوادر سجنها، معتبرة أن انسحابها قد يعرض زملاءها لمخاطر مماثلة. قالت لنا "أكملوا ما بدأت". وها هو المركز اليوم ينشر تحقيقات عن أعمال واستثمارات الرئيس. وظّفت الحكومة الأذربيجانية -بحسب سوليفان- شركة علاقات عامة في أميركا، لحث ممولي هذا المشروع على وقف الدعم المالي عنهم. وأكد أن الصحفيين وحدهم من يوفر الحماية والدعم للآخرين.
تجربة أخرى عاينها المشاركون من الصحفية البريطانية كلير روكاسل براون، التي ولدت وترعرعت في ماليزيا. فتحدثت عن العيش في شقتها بلندن تحت حراسة خاصة، لأنها مهددة بخطر الانتقام من الحكومة الماليزية، بعد أن أسست موقعا إلكترونيا خاض غمار كشف الفساد الكامن وراء تدمير إحدى كبريات الغابات في ماليزيا، حيث يخضع الإعلام لسطوة السلطة. أحد مصادر هذه الصحفية في ماليزيا وجد مقتولا داخل برميل إسمنت، بينما تطارد الحكومة كل صحفي أو سياسي أو ناشط يزود براون بالمعلومات التي ساعدتها على كشف قصص لم تكن معلومة. اليوم هي تواجه خطر التسليم إلى ماليزيا من خلال "الإنتربول"، تحت سيف قانون محاربة الإرهاب، بعد أن منعت من زيارة البلاد منذ العام 2008. كان ذلك ثمن إيمانها بقضية فساد سياسي تهم الرأي العام في بلد أحبته. وموقعها الإلكتروني قفز إلى الأكثر قراءة وتأثيراً في ماليزيا. واليوم، تحاول الحكومة هناك سن تعليمات جديدة لتقييد الإنترنت بعد أن سيطرت على غالبية وسائل الإعلام التقليدية.
من أنغولا استمعنا إلى تجربة رفائيل دي موراس الذي اعتقل ومنع من السفر مرات عديدة، وما يزال يحاول كشف فساد تسع جنرالات يستغلون مناصبهم وعلاقاتهم بشركات غربية، للاستثمار بقطاع النفط وغيره من الموارد في ثاني أكبر مصدر للنفط في أفريقيا؛ "علينا كشف المشاكل، من خلال عرضها ومحاولة حلها". الشيء الوحيد الذي يغذّي اندفاعه وحماسه، هو تعاطف زملائه حول العالم "لوقف هؤلاء الفاسدين"، ذلك أن خياره الشخصي "هو وقف الفساد، لأن ثمن استمرار ذلك على المجتمع أكبر بكثير من محاولة وقفه".
الشهادة الأخيرة جاءت من الاستقصائية المكسيكية مارسيلا توراتي التي أسست شبكة مستقلة للصحفيين الاستقصائيين في بلد يعد واحداً من أخطر دول العالم بالنسبة للصحفيين، بسبب غلو مسؤولين يدعمون تجار مخدرات. هناك، تضطر توراتي وزملاؤها لبث تحقيقات تحت أسماء مستعارة، وأحيانا تأخير نشر التحقيقات أو العمل عليها ضمن مجموعة للتشارك في تحمل المسؤولية، بحيث يصبح من الصعب مطاردة جميع الصحفيين. ومن بين نصائحها للصحفيين الاستثمار في تنمية مهاراتهم، واستغلال فرص التدريب الدولية، وتشفير بياناتهم، وتقدير المخاطر، والتشبيك مع الزملاء حول العالم.
دروس وعبر مهمة للجميع في كل من هذه الشهادات الأربع، وعشرات أخرى استمع إليها المشاركون على مدى أربعة أيام. استقصائيون عرب متميزون أدلوا بدلوهم هناك، وشرحوا بإسهاب الضغوط السياسية والقانونية والنفسية والمجتمعية والمهنية التي يتعرضون لها، في سبيل كشف الحقيقة وخدمة مصالح دافعي الضرائب.
هذا قدر كل من اختار العمل في إحدى أهم وأقدس المهن في العالم: الصحافة الاستقصائية الغائبة حتى الآن عن غالبية غرف تحرير وسائل الإعلام في العالم العربي. لكننا لسنا وحيدين. فكل صحفي استقصائي يواجه مخاطر مختلفةً. وقوتنا في اتحادنا وفي التشبيك مع زملاء حول العالم، والاستثمار في تطوير المهنية. وكذا في قنص فرص هذه الحركة العالمية التي تتجذر يوما بعد يوم لخدمة الشعب، وبناء مداميك الديمقراطية ودولة المواطنة والقانون والمؤسسات.

التعليق