قصة هروب من الموصل الخاضعة لحكم "داعش"

تم نشره في الثلاثاء 27 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 12:00 صباحاً
  • لقطة من فيلم دعائي يعرض عنصراً من داعش يوزع القرطاسية على تلميذات في الموصل - (أرشيفية)

لفلي موريس - (واشنطن بوست) 17/10/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

بغداد- بالنسبة للمدنيين الذين يغادرون مدينة الموصل الخاضعة لحكم (داعش) من الممكن أن تكون النهاية مميتة.
ويقول سكان مقيمون إن المدينة العراقية الشمالية أصبحت سجناً منذ أن سيطر المتشددون عليها في حزيران (يونيو) 2014، وفرضوا عليها قبضة وحشية. وقد أصبحت العاصمة العراقية، بغداد، التي كانت في السابق على بعد 6 ساعات بالسيارة أسفل الطريق السريع، بمثابة بلد أجنبي.
تسلط قصة هروب رجل من الموصل الضوء على مدى صعوبة الخروج من المدينة. وفي النهاية عول الرجل -سائق تاكسي سابق في أواخر العشرينات من العمر- على المهربين للعبور به عبر سورية إلى تركيا، ومن ثم الطيران إلى بغداد: رحلة طولها 1500 ميل للوصول الى مكان يبعد 250 ميلاً وحسب.
أصبحت طرق التهريب هي الطريقة الوحيدة بالنسبة لهؤلاء العالقين في الموصل، عاصمة أراضي "الدولة الإسلامية في العراق".
وفيما يهرب عدد متنام من العراقيين ومئات الآلاف من السوريين إلى أوروبا، تحاول مجموعة الدولة الإسلامية (داعش) منع الهجرة من أراضيها من خلال تشديد السيطرة ونشر أشرطة فيديو تعنف أولئك الذين يغادرون.
وأفضت الأزمة الاقتصادية في مدنها، بعد أن قطعت الحكومة المركزية في بغداد الرواتب، إلى دفع المدنيين اليائسين إلى محاولة الخروج من المدينة. ويعد أمر الحفاظ على المدنيين في أراضيها بالرغم من ذلك أمراً حتمياً بالنسبة للمجموعة التي تكسب عائداً كبيراً من فرض الضرائب عليهم.
وبالإضافة إلى توليد الدخل، من الممكن استخدام المدنيين كدروع بشرية في حال وقوع هجوم على المدينة، بينما تدمر مغادرتهم رواية المجموعة عن أن خلافتها المعينة ذاتياً هي ملاذ لمسلمي العالم.
وكان السكان يمنحون تصريحاً بالمغادرة لأسباب طبية أو تجارية، لكن ذلك بات الآن أمراً نادراً، كما تقول التقارير. وثمة البعض، غالباً من كبار السن، الذين سمح لهم بالمغادرة لأداء فريضة الحج في العربية السعودية في شهر أيلول (سبتمبر) الماضي شريطة ترك وثائق ملكياتهم كضمان، لكن محاولة المغادرة من دون الحصول على إذن يمكن أن تفضي الى الإعدام، كما يقول السكان.
لكن العديد من الناس يخوضون هذه المجازفة على كل حال. فقد أصبحت الحياة في الموصل لا تحتمل، كما قال سائق التاكسي السابق. فهناك، يتم تنفيذ العقوبات العلنية بشكل منتظم. ويجري الإلقاء بالأشخاص الذين يشك بأنهم مثليون من أسطح المباني. وتقطع أيدي المتهمين بالسرقة، ويجلد المدخنون.
وقال السائق: "لقد مللت"، وكان يتحدث شريطة عدم استخدام اسمه لأن أقاربه ما يزالون في الموصل، وهو يخشى من أن يعاقبوا إذا علمت "داعش" بأنه غادر. وأضاف: "إنك تشعر بالتوتر طوال الوقت. هناك الكثير من القوانين".
منذ أن أوقفت الحكومة المركزية دفع رواتب موظفي الدولة في الموصل هذا العام، جف أحد المصادر القليلة للدخل بالنسبة للمدنيين. وفي الأثناء، يُجبر المعلمون والأطباء الذين ظلوا في المدينة على الاستمرار في العمل من دون دفع رواتب لهم.
ومن الصعب الحصول على وظائف في الوقت الذي حلقت فيه أسعار السلع الأساسية عالياً. وفي حين يصبح حكم "داعش" أكثر قمعية باطراد.
من جهتها، تقول سهى أودا، الناشطة الاجتماعية التي كانت تعيش في الموصل وترصد الوضع هناك: "إنها سجن كبير الآن". ووصفت قطع الرواتب عن المدنيين الذين ظلوا في المدينة والذين فقدوا الأمل منذ أمد طويل باحتمال شن هجوم مضاد في المستقبل القريب لتحرير الموصل، بأنه "ضربة مميتة". وأضافت: "إنهم يشعرون وكأن الحكومة (في بغداد) قد تخلت عنهم".
وقالت إنهم تم إلقاء القبض على صديقة لها وزوجها وطفلهما بينما كانوا يحاولون المغادرة "وباعهم السائق الذي كانوا قد دفعوا له نقوداً لإخراجهم". وهم الآن محتجزون في بيتهم في الموصل، لكنهم يعيشون تحت طائلة الخوف من المزيد من العقاب. وكان زوجان حاولا المغادرة قبل شهر قد أعدما، كما قالت أودا.
وقال سائق التاكسي السابق إنه أراد أن يغادر الموصل في وقت سابق، لكنه مكث هناك للاعتناء بصحة قريب مريض. ثم سمع أن صديق صديقاً له كان له قريب في "داعش"، والذي يتلقى أموالاً مقابل إخراج الناس. فدفع له نحو 1000 دولار، واضعاً نفسه تحت رحمة سلسلة من المهربين، حيث لم تكن لديه إلا فكرة بسيطة عن المكان الذي سوف يأخذونه إليه.
وقال: "لم يكن الأمر سهلاً، لأنهم لو عرفوا أنني كنت أخطط للمغادرة لكنت قد قتلت". وأضاف: "لو أنني سعيت إلى الرجل الخطأ، أو لو أبلغ أحد ما عني، لكنت قد أخذت في الحال لتنفيذ حكم الإعدام بي. من الممنوع مغادرة أراضي الدولة الإسلامية للذهاب لأراضي الكفار".
كعضو في جهاز "الدولة الإسلامية"، يستطيع مهربه شق طريقه بسهولة عبر نقاط التفتيش. وكان هناك مبدئياً ثلاثة أشخاص يحاولون المغادرة في المجموعة. لكنهم عندما وصلوا الى بيت آمن خارج الموصل، انضمت إليهم عائلتان، ما جعل المجموع 11 شخصاً.
وبعد خمس ليال قضوها هناك، تم تهريبهم إلى تركيا عبر الرقة، معقل الدولة الإسلامية في سورية. وقال السائق: "لم نعرف أين نحن. كانت المرة الأولى التي أخرج فيها من العراق".
لكن الخروج إلى سورية المجاورة من الطرق القليلة التي تفضي إلى خارج المدينة العراقية. وفي وقت سابق في الصيف، غادر أحد أقارب الرجل عن طريق البر الى بغداد عبر محافظة الأنبار الغربية في العراق. لكن تلك الطريق تتضمن تجاوز جبهة نشطة، بينما يقول سكان الموصل، وهم من الناحية الفعلية مسلمون سنة، إنهم يخافون أيضاً من الوقوع في أيدي الميليشيات الشيعية على الطريق.
وقال سائق الأجرة السابق: "إنها رحلة خطرة، فأنت تكون في أرض مفتوحة، وهناك قصف والعديد من الناس يموتون في ذلك الطريق". وبعد مغادرة الرقة، تم تسليمه إلى طاقم جديد من المهربين ليأخذوه إلى الحدود، ومنها إلى تركيا. ومع حلول ذلك الوقت، انتفخ عدد أفراد المجموعة التي يتم تهريبها إلى 50 -معظمهم من السوريين اليائسين لمغادرة البلد. وكانت تلك هي المرة الأولى التي يحاولون فيها الدخول الى تركيا، لكن السلطات على الحدود أعادتهم.
وفي المرة الثانية، وبالسير في الطرق التي يسلكها المهربون عبر حقل الألغام، استطاعوا الوصول إلى تركيا. وقال الرجل العراقي إن الوصول إلى تركيا من الموصل استغرق 8 أيام. ثم سافر الى أنقرة، العاصمة التركية، لتسليم نفسه للقنصلية العراقية. وانتظر لأكثر من شهر لتلقي وثيقة سفر حتى يتمكن من العودة بالطائرة إلى العراق. وقال إنه واجه "وقتاً عصيباً جداً".
يشتكي العراقيون السنة من تمييز واسع النطاق من جانب أغلب مسؤولي الدولة العراقيين الشيعة، الذين ينظرون إليهم بشك. وعندما وصل الرجل من الموصل إلى بغداد في نهاية المطاف في أواخر أيلول (سبتمبر)، تم اعتقاله في الحال، قبل أن يتم تكفيله تم احتجازه لثمانية أيام، وتوجيه تهمة له بمغادرة البلد بشكل غير قانوني.
وقال: "لقد عدت إلى الوطن بعد كل هذا ليتم اعتقالي. إن ذلك يبدو وكأنهم لا ينظرون إلينا كعراقيين".

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:One man's escape from the Islamic State-ruled city of Mosul

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

@abdrahamanalhuseini

التعليق