لعبة روسيا الأوروبية في سورية

تم نشره في الخميس 29 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 11:00 مـساءً

برنارد هنري ليفي*

باريس- من الواضح أنه لا يوجد حل في سورية. ولم يكن هناك حل جيد منذ الأربعاء الأسود في آب (أغسطس) 2013، عندما استخدمت آلة الحرب التابعة للرئيس السوري بشار الأسد الأسلحة الكيماوية، بحيث تجاوزت "الخط الاحمر" الذي حذر الرئيس الأميركي أن عبوره سيؤدي إلى رد عسكري أميركي. وكانت المعارضة المعتدلة قائمة، ولم يكن تنظيم "الدولة الاسلامية" قد ظهر بعد. لكن أوباما غير توجهاته في آخر لحظة غير ورفض التدخل.
هذه الهفوة لا يمكن تصحيحها. ولكن، عندما يتعلق الأمر بنار الحلول السيئة الخاصة بسورية، فإن بعض الحلول أسوأ من البعض الآخر. وربما يكون الحل الذي صاغه الرئيس الروسي فلادمير بوتين هو أكثرها سوءا.
لقد تركزت الضربات الجوية الروسية على أهداف حول مدن إدلب وحمص وحماة. وهي مناطق لا يوجد فيها تنظيم الدولة الإسلامية، طبقاً لمراقبين مستقلين ومتابعين للحركات الجهادية، بالإضافة إلى المجموعات الأخرى، والتي تتحقق من أشرطة الفيديو، والتي يتم تحميلها على الإنترنت من قبل السلطات الروسية نفسها. وهذا يعني أن الهدف الرئيسي للهجمات الروسية هو إضعاف المعارضة بأكملها، بما في ذلك المعارضة الديمقراطية التي تحارب نظام الأسد.
ولذلك، فإن هدف التدخل الروسي ليس المساهمة في "الصراع ضد الإرهاب" كما تدعي الآلة الإعلامية للكرملين، وإنما استعادة السيطرة السياسية بأي ثمن لنظام هو الذي قام بتفريخ الإرهاب في المقام الأول. إن هدف روسيا على وجه التحديد هو إنقاذ (بعد فترة طويلة من الدعم عن بعد) لدكتاتورية وصفتها السلطات الأميركية والفرنسية بأنها مسؤولة عن التسبب بمصرع أكثر من 250 ألف شخص منذ العام 2011. ومما لا شك فيه أن تصرفات النظام قد أشعلت هذا الصعود المخيف لتنظيم الدولة الاسلامية أيضاً، مما أعطى الأسد ورقة رابحة في سعيه للحصول على دعم دولي، وأعطى روسيا ورقة التوت.
قد يجادل البعض بأن الماضي يبقى ماضياً، وأنه نظراً للكارثة العامة في سورية، فإن التدخل الروسي سيفيد على أقل تقدير، فيوقف انهيار البلاد. لكن أول نتائج هجوم بوتين -والذي يستخدم فيه أساليب تم اختبارها في حربي الشيشان، مع تجاهل للاحتياطات التي تطبقها القوات المسلحة الغربية- هو زيادة وليس تخفيض عدد الضحايا من المدنيين.
لقد شعر العالم بالصدمة بسبب الخطأ الفادح الذي ارتكبته أميركا بقصف مستشفى تابع لمنظمة أطباء بلا حدود في قندوز في أفغانستان. ولكن، كم من الضحايا من السوريين على شاكلة نظرائهم من قندوز سيسقطون نتيجة للضربات الجوية الروسية إذا استمر الكرملين في تفضيل القنابل غير الموجهة على الصواريخ الموجهة؟ (هذا مثال واحد فقط على التكتيكات الروسية، ولكنه يكشف الكثير عن كيف ينوي بوتين أن يمضي قدماً في مغامرته الأجنبية الأخيرة).
هل يستطيع أحد تصديق أن التدخل الروسي سوف يخفف من أزمة المهاجرين السوريين بدلاً من أن يفاقمها؟ إن أساليب بوتين تجبر عشرات الآلاف من المدنيين على الهرب من الضربات الجوية العشوائية، مما يفسح الطريق لفرق الموت التابعة للنظام، والتي أظهرت في الأشهر الأخيرة علامات الإرهاق، ويحطم ما تبقى من أمل لإنشاء مناطق آمنة فعالة في شمال الأردن وجنوب تركيا.
الآن، سوف يشرع حتى آخر الصامدين بين معارضي النظام في الظهور شوارع أوروبا. وبالطبع لن يظهروا في شوارع روسيا، نظراً لأن بوتين، بخلاف ألمانيا وفرنسا، لن يتردد وهو يرهب لاجئي الغد في إغلاق الباب في وجوههم.
كما أن بوتين لا يشعر بالخجل من نواياه في سورية. فقد نشر خبر في وسائل الإعلام الروسية -ولكن الغرب لم ينتبه إليه، فيما يدعو إلى الاستغراب- والذي يتعلق بنشر حاملة الصواريخ موسكفا، والتي تحتوي على عشرات القطع العسكرية المضادة للطائرات في اللاذقية.
لكن تنظيم الدولة الاسلامية، كما يعرف الجميع باستثناء بوتين، لم يحصل على سلاح جوي يستوجب تدميره. لكن من الواضح أن الكرملين سوف ينظر إلى أي طائرة قد تحلق فوق منطقة يعتبرها تحت نفوذه كهدف شرعي. ونظراً لأن مثل هذه الطائرات ستكون تابعة بالضرورة للولايات المتحدة الأميركية أو بريطانيا أو فرنسا أو تركيا أو أي عضو آخر من الائتلاف الذي يقاتل تنظيم الدولة الاسلامية، فليس من الصعب تصور كيف أن المشاركة الروسية قد تؤدي إلى تصعيد دولي للحرب الأهلية في سورية.
لحسن الحظ، لم نصل إلى هذه المرحلة بعد. ولكن دعونا لا نتظاهر بأن العمليات العسكرية الروسية التي تستهدف حتى الآن وبشكل حصري تأكيد السيطرة الروسية فوق المجال الجوي السوري وحماية مصالحها على الأرض، سوف تعزز الجهود الرامية إلى هزيمة تنظيم الدولة الاسلامية.
إن بوتين ليس مجرد إطفائي يشعل الحرائق، وإنما هو كذلك إمبريالي من المدرسة القديمة. والعملية التي يقوم بها في سورية مصممة جزئياً لصرف الانتباء عن تفكيك أوكرانيا. وتهديدات بوتين المبطنة ضد دول البلطيق وبولندا وفنلندا، والآن تركيا -والتي تم اختبار مجالها الجوي وعلاقاتها مع الناتو من قبل الطائرات الروسية- تكشف عن استراتيجية عدائية هدفها الرئيسي هو إضعاف أوروبا.
يجب أن يستفيق الأوروبيون وينتبهوا لمخططات بوتين قبل فوات الأوان. ففي فرنسا أصبحت صفارات إنذار سياسة التهدئة والاسترضاء دعوة وطنية للتوحد خلف تلك السياسة، وذلك من عناصر تنتمي إلى أقصى اليمين إلى تلك التي تنتمي إلى أقصى اليسار، وبين أعداد متزايدة من السياسيين العاديين من جميع الأطياف. وقد عمل الكرملين بكل جد واجتهاد على إقامة علاقات جيدة مع الأمانات العامة للأحزاب في طول أوروبا وعرضها. وأوجدت شبكة عنكبوتية من الروابط الخفية ما يمكن أن يطلق عليه اسم "حزب بوتين" في أوروبا.
لو كان حزب بوتين فقط يغري الديماغوجيين الشعبويين، من نايجل فاراج في المملكة المتحدة الى فيكتور أوربان في هنغاريا، فإن هذا سيئ في حد ذاته. ولكن، عندما يبدأ قادة ينظر إليهم في العادة كرجال دولة مسؤولين، مثل رئيس الوزراء الإيطالي ماتو رينزي، بتبرير أفعال بوتين، فإن أوروبا تخاطر بتبديد الأمن الذي يعتمد رخاؤها وازدهارها عليه.

*أحد مؤسسي حركة "الفلاسفة الجدد". من كتبه: "اليسار في الأوقات المظلمة: وقفة ضد البربرية".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2015.

التعليق