"ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة"

تم نشره في الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 12:00 صباحاً

د. محمد خازر المجالي

هو خطاب للمنافقين من هذه الأمة، في سورة فضحت حقائق نواياهم وحججهم السمجة في التهرب من المواجهة والتضحية، لأن الإيمان لم يخالط قلوبهم. هي سورة التوبة، وهي في الوقت نفسه سورة براءة، حيث التصنيف العام للناس في كيفية التعامل معهم؛ المؤمن والمعاهد والحربي والمنافق، ولكل أحكامه، والمنهج الصحيح في التعامل معه. وكل ذلك زاد فكري يبعث على الطمأنينة، فما شرعه الله وبيّنه هو الأفضل قطعا، وهذا ما يبعث على الطمأنينة بأنه شرع الله لا شرع غيره، فهو الأعلم والأدرى بما ينفع الناس. وهذا فيصل مهم بين المؤمن الواثق بدينه المطمئن لأحكامه، وبين المترددين، وربما المنكرين لصلاحية هذا الدين، حين يلتفون على التشريع الإسلامي بحجة القِدم وعدم مواكبة الحاضر، وهنا يخلطون الأوراق باسم العلمانية والحداثة. وينسى هؤلاء أن في ديننا ثوابت ومتغيرات، وفي ديننا من المرونة ما فيه ليتلاءم مع كل جديد، فهو الدين الذي أكمله ربنا وأتم به النعمة ورضيه لنا.
وعودة إلى هذا الجزء من آية تتحدث عن المنافقين؛ كيف تعذروا بالأعذار القبيحة ليهربوا من مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، حيث بعد المسافة والحر الشديد ونضج الثمار، فتلونت حججهم وأعذارهم، فكان الرد بأنهم لا يريدون الخروج أصلا، فلو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، ولبدا هذا على حالهم، قياما واستعدادا وحركة، ولكن لا شيء من هذا البتة، اللهم إلا بألسنتهم التي تعودت النقد والنميمة والتجريح، ولهذا قال الله تعالى: "وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ" (التوبة، الآيتان 46 و47).
لقد كره الله خروجهم وهو أعلم بحقيقة نفوسهم وإيمانهم، ومن هنا جاء النص ليبين حكما لا نعلمها بطبيعتنا البشرية، ولكن الله يعلمها. فأطلعنا سبحانه على بعضها كما في النص؛ فهم بحالهم وثقافتهم مادة للتثبيط والإرجاف، فلو خرجوا لأرهقوا المؤمنين، ولأطلقوا العبارات التي من شأنها أن تثير البغضاء والفتنة والنميمة. والمصيبة أن من المسلمين من هم سمّاعون لهؤلاء، يرضون بحالهم وينصتون إليهم، أو أن المقصود وجود من يتجسس لهم وينقل الأخبار لهم، وكلا الأمرين خطير لا ينبغي أن يكون، فالله عليم بالظالمين. وذكر الظلم هنا لأنه وضعٌ للشيء في غير مكانه، فالعلاقة مع هؤلاء ينبغي أن تكون كما يشرع الله تعالى.
إنها العلاقة الدائمة بين الإيمان والكفر حيث المدافعة. ولا بد للمؤمنين أن يكونوا واضحين في علاقتهم مع دينهم، نصرة ودعوة وحماية، فهو الدين الذي ختم الله به الأديان بخاتم الكتب وخاتم المرسلين، وهذا تشريف لهذه الأمة التي ميزها الله بالخيرية والشهادة على الأمم، وهذه مسؤولية وتكليف قبل أن تكون تشريفا، وينبغي على أبناء الأمة أن يكونوا على مستوى المسؤولية شعورا وسلوكا.
لعل أمتنا الآن في وضع تنادي فيه أبناءها وبناتها للوعي أولا، والحركة ثانيا. الوعي المبني على الإيمان الحق بالله تعالى، وما أخبرنا به من ضرورة عبادته وحده، وحسن التصور للحياة والمآل. فلم يخلقنا سبحانه عبثا، بل هناك خلافة وأمانة وعبادة، وكلها وردت في آيات صريحة في كتاب الله تعالى، فلخلقنا غايات أرادها الله تعالى، ولأجلها أرسل الرسل وأنزل الكتب كي لا تبقى لنا حجة: "رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا" (النساء، الآية 165). وهذا التصوّر يشمل المسائل الإيمانية الباعثة على الطمأنينة، ويشمل الزاد الفكري في معرفة سنن الله تعالى في خلقه، والتصوّرات المرادفة لهذه السنن من ضرورة الأخذ بالأسباب وحسن التوكل على الله تعالى، وحتمية انتصار هذا الدين ولو بعد حين.
أما الحركة، فهي مبنية على هذا الوعي. إذ حين يفهم الإنسان دوره ويعرف ما يترتب على ذلك ثوابا وعقابا، فلا بد له -إن كان من المؤمنين العاقلين- أن يتحرك ويتفاعل مع إيمانه. وقدوتنا في ذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، بل المؤمنون عبر التاريخ الذين قص الله علينا قصصهم في ثلث القرآن. حركة واثقة بتأييد الله حين تكون خالصة له وفق منهجه، حين تخلص النفوس من حظوظها وهواها، فهي متجردة من أي شيء إلا نصرة منهج الله تعالى.
إن مثل هذه المفاهيم القرآنية لا يفهما من يعيش في دائرة المصالح الخاصة والأفق المحدود، ومنهم هؤلاء المنافقون الذين لا نعلمهم على الحقيقة، ولكن تصرفاتهم واضحة. فقد قص الله علينا صفاتهم، وبين رسولنا صلى الله عليه وسلم علاماتهم، والواحد منهم له أكثر من وجه. وقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم ذا الوجهين، يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، تماما مثل نافقاء اليربوع (الحيوان الأرضي ذو الجحرين الذي سمي النفاق بناء عليه). وصدق الله العظيم: "وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ" (البقرة، الآية 14).
ونحن اليوم أمام تحد حقيقي في مواجهة أعداء الله في "الأقصى"، وفي كل البلاد الإسلامية، حين يرمون الإسلام بالإرهاب والتخلف والرجعية. وقد يتباكى هؤلاء على الإسلام مكرا وخداعا؛ يريدون إسلاما وفق هواهم ومقاييسهم. وهناك زمرة يصفون أنفسهم بالتنويريين لا يخجلون من المناداة بتنحية الدين عن الحياة، بحجة ما نراه من واقع بئيس للمسلمين، وأن السبب في ذلك هو الإسلام!
نريد وعيا وحركة، وفي الوقت نفسه نفوسا كبيرة يغلفها مبدأ الرحمة على هؤلاء جميعا. وإذا تزين هذا بالحكمة، حيث الانطلاق الواثق بالمنهج، حينها نعذر أنفسنا أمام الله تعالى. وهذه الأيام دول، ونسأل الله الفرج، ولسنا أكثر غيرة منه على الدين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

التعليق