هكذا سرق اليهود حائط البراق من المسجد الأقصى

تم نشره في الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 12:00 صباحاً

أسامة شحادة

ما يجري اليوم في القدس من محاولة اليهود الاستيلاء على بعض ساحات المسجد الأقصى، وفرض التقسيم الزماني والمكاني، ليس تصرفاً فردياً ولا حدثا عابرا، بل هو سياسة رسمية تتبناها دولة يهود بشكل مقصود وممنهج وعبر خطوات متدرجة منذ عدة سنوات.
وهذه السياسة تأسست عليها أحلامهم ودولتهم وصرح بها زعاماتهم من عقود طويلة، فهذا ثيودور هيرتزل أبو المشروع الصهيوني، يعلن نيته هدم "الأقصى" بقوله: "إذا حصلنا على القدس وكنت ما أزال حياً وقادراً على القيام بأي شيء، فسوف أزيل كل شيء ليس مقدساً لدى اليهود فيها". أما ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء لدولة الاحتلال فيقول: "لا معنى لإسرائيل من دون القدس، ولا معنى للقدس من دون الهيكل". ويقول مناحيم بيغن: "لقد ذهبتُ إلى لبنان -يقصد غزو لبنان- من أجل إحضار خشب الأرز لبناء الهيكل". ويقول اسحق رابين: "لقد كنت أحلم دوماً أن أكون شريكاً في العودة إلى القدس وإعادة حائط المبكى للسيطرة اليهودية". أما نتنياهو فقد أهدى رئيس الكنسية اليونانية مجسما للقدس من الفضة أزيل فيه المسجد الأقصى، ووضع بدلاً منه الهيكل المزعوم!
حائط البراق أو الحائط الغربي، هو جزء من السور الغربي للمسجد الأقصى، يقع بين باب المغاربة والمدرسة التكنزية. طوله 47 مترا وارتفاعه 18 مترا. وسمي بحائط البراق لأنه يعتقد أنه مكان الحلقة التي ربط فيها النبي صلى الله عليه وسلم دابة البراق التي ركبها ليلة أسري به "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ..." (الإسراء، الآية 1). وبذلك تكون قدسية هذا الجدار مضاعفة؛ لكونه جزءا من المسجد الأقصى المبارك في كل الديانات، ولأنه مكان له تعلق بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
ومنذ فتح بيت المقدس على يد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه العام 15هـ وحتى القرن العاشر الهجري، لم يكن لليهود علاقة أو اهتمام بحائط البراق، بل كان بعض اليهود يتجمعون (حتى العام 1519م) قريباً من السور الشرقي للمسجد الأقصى، قرب بوابة الرحمة، ولم يكن حائط البراق يشكل لهم شيئا.
في ذلك الزمن، كان حائط البراق مجاورا تماماً لحارة المغاربة، لا يفصله عنها إلا ممر/ زقاق ضيق وغير نافذ. وحارة المغاربة وبوابة المغاربة سميتا بهذا لأن سكانها كانوا من أهل المغرب الذين شاركوا صلاح الدين الأيوبي فتح بيت المقدس. فقد طلب صلاح الدين من سلطان المغرب يعقوب المنصور المشاركة في قتال الصليبيين، فزوده بأسطول كبير. ففلسطين مسؤولية إسلامية منذ اللحظة الأولى، إذ جيوش الصحابة حاربت من أجلها، والفاروق جاء من المدينة المنورة ماشياً وراكباً لاستلام مفاتيحها، وصلاح الدين الكردي عاش من أجل تحريرها، وشعوب الإسلام شاركت في إنقاذها، واليوم كل المسلمين يفدونها بأرواحهم وينصرونها بدمائهم.
وبعد فتح بيت المقدس، أسكن صلاح الدين المغاربة بجوار حائط المبكى. ومن ثم قام ولد صلاح الدين علي الملك الأفضل وأوقف على المغاربة أوقافا كثيرة لترسيخ بقائهم في القدس، و`من تلك الأوقاف زقاق حائط البراق. وكانت مساحة أوقافهم 45 ألف متر مربع، وكانت تضم 4 جوامع والمدرسة الأفضلية وعددا من الزوايا والتكايا بخلاف الدور والمنازل.
لكن بعد قيام محاكم الكنيسة في الأندلس، والتي عرفت باسم "محاكم التفتيش"، ضد المسلمين واليهود، هرب كثير من اليهود من تلك المجازر. ولما عرف عن العثمانيين بالتسامح والقبول بالآخر، فقد سمحوا لليهود الأندلسيين بالهجرة للدولة العثمانية، ولكن منعوهم من السكن في فلسطين وخاصة القدس. وصدر فرمان (قانون) من الدولة العثمانية العام 924هـ بمنع اليهود حتى من السكن في سيناء لأنها بوابة دخول لفلسطين.
في البداية، طلب هؤلاء اليهود السماح لهم بزيارة بيت المقدس، وقامت طائفة المارانو اليهودية الأندلسية بتحويل مكان زيارة اليهود للحائط الغربي وخاصة عند حائط البراق، وذلك في العام 1520م. ثم في خطوة لاحقة، طلبوا أن يسمح لهم بالتجمع عند حائط البراق. وفعلاً سمح السلطان سليم لهم بذلك في العام 1566م. وبعد 60 سنة تقريباً، أشارت بعض الكتابات لوجود صلوات يهودية هناك! فهكذا هم اليهود يبدأون بطلبات صغيرة قد يبدو لا قيمة لها، لكن سرعان ما تصبح قضية كبيرة، وسرعان ما يتجاوزون الحدود والاتفاقات!
أحست الدولة العثمانية مع دخولها في مرحلة الضعف بتجاوزات اليهود ومحاولتهم السكن في القدس وفلسطين، فأصدرت عدة فرمانات بمنع اليهود من السكن في القدس وفلسطين. لكن اليهود كانوا لا يكفون عن مخالفة التعليمات. وبدأ عددهم يتزايد حتى بلغ 2000 يهودي في العام 1800م. وتساهل معهم مسلمو القدس وسمحوا لهم بالمرور والوقوف عند زقاق حائط البراق. 
وفي مرحلة حكم محمد علي باشا للقدس (1831-1840م)، قاموا بطلب التوسع في القيام بعباداتهم المزعومة والسماح لهم برفع الصوت، وهي عبادات لم تذكر في كتبهم قبل العام 1520م (ولذلك يعارض بعض الجماعات اليهودية مثل "ناطوري كارتا" هذه الصلوات عند حائط البراق وتقاطعها)، وطلبوا أيضاً شراء الأراضي والعقارات القريبة من الحائط وتبليط الحائط! لكن الطلب رفض.
وأيضاً استطاع اليهود التفاهم مع ولده إبراهيم باشا على دفع مبلغ 300 جنيه إنجليزي لناظر وقف المغاربة أبو مدين، مقابل السماح لهم بالاقتراب من الحائط والبكاء عنده! وهكذا هم اليهود يطبقون سياسة الخطوة خطوة!
وبعد عودة حكم العثمانيين للقدس، حاولوا منع بقاء اليهود فيها، لكن كانت الدولة قد بلغت حدا كبيرا من الضعف، وكان محمد علي قد رسخ وجود القناصل الأوروبيين في القدس، والذين أصبحوا يتلاعبون بقضية اليهود لمصالحهم الذاتية، فأصدرت الدولة فرمانا بالسماح لليهود بزيارة القدس لمدة ثلاثة أشهر فقط، مع تسليم جوازهم اليهودي الأحمر حتى تضبط زياراتهم. ولما تلاعب اليهود ببيان يهوديتهم، اشترطت الدولة العثمانية تحديد دين صاحب الجواز فيه حتى تمنع تسلل اليهود للقدس، ومن هنا تأتي خطورة المطالبات بشطب الديانة من الوثائق الرسمية لما تسببه من تسلل خطير للأعداء والمخالفين وتسهل مخالفة كثير من القوانين والأحكام الشرعية. 
ولم ييأس اليهود من محاولة سرقة حائط البراق. ففي العام 1850م، حاول أحد الحاخامات شراء حائط البراق نفسه! كما حاول البارون روتشيلد شراء حي المغاربة العام 1887م، مما يكشف عن طبيعتهم المادية وعدم تقديرهم لمقدسات الآخرين!
وفي زمن الاحتلال البريطاني، حاولوا رشوة الحاج أمين الحسيني مفتي القدس بنصف مليون جنيه إسترليني، لكنه رفض وقام بإصلاح الجدار وترميمه. وكرروا الرشوة على الشيخ سعيد العلمي بمليون جنيه، إلا أنه رفض أيضاً. ولكنهم من خلال التفاهم السابق مع إبراهيم باشا وتواطؤ الاحتلال البريطاني، أصبحوا يتمادون في تصرفاتهم، فأصبحوا يحضرون كراسي للجلوس وينصبون ستائر ومظلات لهم، فاشتكى عليهم ناظر الوقف عند البريطانيين العام 1911م، والذين أمروا بمنع اليهود من فعل ذلك، لكنهم بقوا يخرقون ذلك كل مدة.
ومع صدور وعد بلفور، تمادى اليهود في تجاوزاتهم، حتى جاء العام 1928م، حين حاولوا أن يضعوا في ذلك الزقاق الضيق مصابيح وخزانة وحصرا وستائر، في مقدمة للاستيلاء على المكان، ومن ثم التوسع كما هي سياستهم لليوم في احتلال منازل المقدسيين في البلدة القديمة بالسرقة والغدر والخيانة. فتداعى الفلسطينيون والعالم الإسلامي لعقد المؤتمر الإسلامي الأول في القدس العام 1928م، لمناقشة الوضع المتردي في فلسطين. لكن الضعف كان أقوى من الفعل!
في العام 1929م، أصدرت بريطانيا الكتاب الأبيض الذي نصّ على ملكية المسلمين لحائط البراق من قديم ويبقى القديم على قدمه، لكنه أعطى اليهود حق المرور للحائط في كل وقت، والقيام بعباداتهم المخترعة، وحدد ما يحق لليهود جلبه من أدوات. ورفض اليهود في المؤتمر الصهيوني السادس عشر ذلك وأعلنوا عن نيتهم إعادة بناء الهيكل! وفعلاً قام اليهود بمظاهرات عنيفة وهم يحملون العلم اليهودي الذي وضعوه على حائط البراق وهم يهتفون "الحائط حائطنا".
بعد سلسلة اعتداءات يهودية ومظاهرات عدوانية على المسلمين و"الأقصى"، تفجرت ثورة البراق في 16 /8 /1929م، والتي استمرت أسبوعين كاملين وعمّت أرجاء فلسطين، واستشهد فيها 116 من المسلمين وقتل من اليهود 132. وكعادة الغرب الغازي والمحتل، قامت القوات البريطانية بحماية اليهود ومهاجمة المسلمين، وأصدرت مئات أحكام الإعدام بحقهم، بينما لم يصدر حكم الإعدام إلا على يهودي واحد قتل إمام مسجد وعائلته، ثم صدر عليه حكم مخفف بالسجن عدة سنوات، فيما نفذ حكم الإعدام بعدد من الأبطال من تلاميذ الشيخ المجاهد عزالدين القسام، وهم: فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير، والذين خلدت ذكرهم القصيدة الشهيرة التي مطلعها: مِن سجن عكا وطلعت جنازة.
عقب هذه الثورة، قامت حكومة بريطانيا بإرسال لجنة تحقيق، عقدت 23 جلسة استماع، عرض فيها المسلمون 26 وثيقة. وخلصت اللجنة إلى أن حائط البراق والرصيف والزقاق من حق المسلمين. ورفعت توصية اللجنة إلى عصبة الأمم التي قامت في العام 1930م بالاعتراف أن حائط البراق رصيف تعود ملكيته للمسلمين فقط. لكن اليهود لا يقيمون لهذه القرارات الدولية اعتبارا، لأنهم يعتبرون أنفسهم فوق القوانين. وهذا ديدنهم مع العديد من القرارات الدولية.
وحين سقطت القدس بيد اليهود في العام 1967م، قام بعض الضباط المظليين اليهود باقتحام حائط البراق مع حاخام ورفعوا العلم اليهودي عليه ونفخوا في بوقهم لأول مرة!
بعد أربعة أيام من احتلال القدس، جاءت جرافات اليهود وهدمت حارة المغاربة بالكامل وسوّتها بالأرض، وأزالت ما فيها من منشآت تاريخية تعود لزمن صلاح الدين الأيوبي، تتكون من 34 منزلا و4 مساجد ومدرسة وكثيرا من الأوقاف، وشردت أهل الحي وهم 135 أسرة. فهذه الساحة أمام حائط البراق التي نشاهدها اليوم هي في الحقيقة ساحة مسروقة من حارة المغاربة التي دمرها اليهود. ولذلك يجب أن يعلم العالم كله أن سياسات اليهود هي التي علمت تنظيم "داعش" هدم الآثار وتشريد السكان وعدم احترام الآخرين والقرارات الدولية.
ولم تتوقف سرقة حائط البراق عند هذا الحد. ففي العام 1984م، قامت لجنة القانون والقضاء في الكنيست بسلب سلطة حائط البراق من دائرة الأوقاف الإسلامية. وفي العام 2006، افتتح اليهود على يسار حائط البراق مباشرة كنيسا يهوديا داخل المسجد الأقصى، يقع تحت المدرسة التنكزية التي استولوا عليها العام 1969م، مما يكشف أن أطماع اليهود في المسجد الأقصى لا حد لها، وأنهم على استعداد لمواصلة السعي إلى هذه الغاية عقودا طويلة باستخدام سياسة الخطوة خطوة؛ بالخداع والرشوة، والبطش والقوة.

التعليق