افتراءات نتنياهو الدموية ضد الفلسطينيين

تم نشره في الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 11:00 مـساءً
  • رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو - (أرشيفية)

خوان كول — (تروث ديغ) 23/10/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

بينما كان يتحدث أمام المؤتمر الصهيوني العالمي مؤخراً، حمّل رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مفتي القدس الأسبق الحاج أمين الحسيني، المسؤولية عن دفع الزعيم النازي أدولف هتلر إلى ارتكاب الهولوكوست (المحرقة) ضد يهود أوروبا. وبالطبع، فإن نتنياهو مخطئ من الناحية التاريخية. لكن النية الحقيقية من وراء تأكيده الجريء تكمن في خلق افتراءات دموية، والتي تحمل كل الفلسطينيين المسؤولية عن قتل 6 ملايين من اليهود على يد الدولة الاشتراكية القومية الألمانية. وشدد نتنياهو على أن عداوة الحسيني كانت متجذرة ببساطة في كراهية غير معقولة لليهود، وهو ما زعم بأنه حال الجماهير الفلسطينية آنذاك وفي الوقت الراهن، من دون أي اعتبار لقضايا التطهير العرقي اليهودي ضد الفلسطينيين أو الاحتلال المفروض عليهم.
بكلمات أخرى، فإن الفلسطينيين، وفق وجهة نظره، ينطوون جينياً على رغبة قتل اليهود بغض النظر عن السياق. ويعكس هذا التأصيل للفلسطينيين كممارسين للقتل الجماعي، تلك الأسطورة الزائفة التي سادت في العصور الوسطى وفي أوائل المسيحية الأوروبية الحديثة، والتي تقول إن اليهود سرقوا الأطفال المسيحيين واستخدموا دماءهم في طقوسهم –هي خرافة تصب في جزء منها في أسباب الهولوكوست.
قال نتنياهو: "لقد تم التحريض على هذا الهجوم وغيره على الجالية اليهودية في الأعوام 1920 و1921 و1929 بدعوة وجهها مفتي القدس الحاج أمين الحسيني، الذي أصبح مطلوباً لاحقاً للمثول أمام محاكم نورمبيرغ المختصة بجرائم الحرب، لأنه كان له دور مركزي في تكريس "الحل النهائي". وقد طار إلى برلين. ولم يكن هتلر يريد القضاء على اليهود في ذلك الوقت، وانما أراد طردهم فحسب. فذهب الحاج أمين الحسيني إلى هتلر وقال له: "إذا طردتهم فإنهم سيأتون كلهم إلى هنا". فتساءل هتلر... "وإذن، ماذا أفعل فيهم؟" فقال الحاج الحسيني: "أحرقهم". ولذلك طلب للمثول أمام محاكم نورمبيرغ لمحاكمته. لكنه أفلت من المثول أمام المحاكم ومات لاحقاً في القاهرة بعد الحرب بسبب مرض السرطان (الحاج أمين الحسيني توفي في منزله في المنصورية، إحدى ضواحي بيروت، في العام 1974). لكن هذا ما قاله الحاج أمين الحسيني. قال: "إن اليهود يسعون إلى تدمير جبل الهيكل". جدي في العشرينيات يسعى إلى تدمير....؟ آسف، المسجد الأقصى.
كان أمين الحسيني رجلا حاداً ومتعاوناً مع النازيين، ويصعب تبرير أعماله تلك. لكنه كان له سياق تاريخي فعلياً. ففي العام 1017، تعهد المستعمرون البريطانيون في وعد بلفور سيئ الصيت بمنح فلسطين الجغرافية، سوية مع مواطنيها الأصليين البالغ عددهم مليون نسمة تقريباً للمستوطنين اليهود، من أجل إقامة "وطن قومي" لهم فيها. وقد احتل البريطانيون فلسطين، وبموجب بنود مؤتمر فرساي للسلام، جعلوا منها "انتداباً من الدرجة الأولى". وعلى عكس حالات الانتداب الأخرى مثل العراق البريطاني وسورية الفرنسية، لم تركز وثيقة انتداب فلسطين على مسؤولية بريطانية عن تشكيل حكومة فلسطينية تسلم لها الأراضي في نهاية المطاف، وإنما تركز كل الأمر على تسهيل المشروع الاستعماري الاستيطاني اليهودي.
مع حلول العام 1930، استقر نحو 200.000 يهودي في فلسطين بمباركة ومساعدة بريطانية. واشترى الصندوق القومي اليهودي في نهاية المطاف حوالي 6 في المائة من الأرض الفلسطينية، ووضع شرطاً بأن لا تباع الأرض للفلسطينيين ثانية أبداً بمجرد أن يشتريها اليهود. وطابقت هذه السياسة "المواثيق" التي كان الأميركيون البيض يضعونها في عقود ملكياتهم التي تحظر إعادة البيع للأفارقة الأميركيين أو اليابانيين الأميركيين.
كانت فلسطين، مثل الكثير من أجزاء الشرق الأوسط، في وسط حالة تفجر سكاني. ولأن الشريعة الإسلامية نصت على أن يرث كل الأبناء الممتلكات، أصبحت المزارع الفلسطينية أصغر وأصغر مع كل جيل. وكانت فلسطين مجتمعاً زراعياً لديه النزر اليسير من الصناعة والقليل من القدرة على استيعاب القادمين الجدد. وكان من شأن تغريب نسبة أكبر من أراضي هذه المزارع أن يخلق توترات، وهو ما حدث بالفعل. وغالباً ما انتفض المواطنون الخاضعون للانتداب ضد مستعمريهم كما حدث في العراق في العام 1920 وفي سورية في أواخر الثلاثينيات. لكن الانتفاضة في فلسطين تعقدت بسبب ظرف الكولونيالية المزدوجة -الكولونيالية الإدارية لبريطانيا التي حيدت الفلسطينيين، وكولونيالية استيطان اليهود الصهاينة التي استهدفت الاستيلاء على مواردهم. وفي السنوات 1936-1939، أطلق الفلسطينيون وقد ملّوا من الأوضاع انتفاضة كبيرة ضد البريطانيين والتي استهدف البعض يهوداً فيها أيضاً، لكنها سحقت بالقوة من جانب الجيش الاستعماري البريطاني.
كان الحاج أمين الحسيني الذي عينه البريطانيون مفتياً للقدس قد  دعم الانتفاضة، لكنه هزم وترتب عليه أن يهرب. ولجأ إلى ألمانيا النازية وساعد في تنظيم وحدة من البوسنيين المسلمين الذين كانوا في حينه مستهدفين من جانب فرق الإعدام الصربية، من أجل القتال في الجانب الألماني. كما أنه ضغط من أجل عدم السماح لليهود الأوروبيين بالهجرة إلى فلسطين خشية اجتياحهم لوطنه. وفي سنوات الثلاثينيات، استطاع نحو 200.000 يهودي آخر الهروب بنجاح من موجة تصاعد الكراهية الفاشية ضد اليهود في أوروبا، والتوجه إلى فلسطين، ما جعلهم يشكلون ثلث السكان. وقد اعتبرت محاولة الحسيني منع المزيد من اليهود من التوجه إلى فلسطين شراً كبيراً في الظروف التي كانت سائدة.
لكن الحسيني لم يلهم هتلر بالهولوكوست. وفي مقال صحفي مكتوب بعناية، وضح عالم جامعة شيكاغو، مايكل سيلز، القصة المأخوذة من الأرشيفات لكيفية بدء هذه الخرافة الحضرية. وليس ثمة دليل تاريخي على أن الحسيني قام بجولات في معسكرات الاعتقال، أو أنه كان معلماً لأدولف هتلر (الذي كان له رأي ازدرائي تجاه العرب، وكان من الصعب أن يتقبل رأياً من أحد) في قتل اليهود. صحيح أن الحسيني اجتمع مع هتلر لكن لقاءهما لم يكن بتلك الأهمية وكانت حملة قتل اليهود قد بدأت أصلاً حينها.
كان تعاون الحسيني مع النازيين، فوق ذلك، غير نمطي بالنسبة للعرب والفلسطينيين في تلك الحقبة. وبّين إسرائيل غيرشوني وجيمس جانكوفسكي أن النخبة السياسية المصرية مالت نحو الليبرالية، ودانت هتلر وأفكاره. وفي كتابي "انخراط العالم العربي" أظهرت أنه حتى مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، حسن البنا، دان بشدة هتلر والنازية بسبب عنصريتهما، على الرغم من كراهيته للصهيونية. كما أنني فندت الزعم القائل بوجود تعاطف عراقي واسع النطاق مع المحور في الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات من القرن الماضي، وهو زعم يأتي في جزء منه من الدعاية البريطانية في زمن الحرب. وكان السفير البريطاني في بغداد قد كتب للندن في العام 1939 بأن العراقيين كانوا مرتعبين من الغزو الألماني لبولندا ومن ألمانيا الجديدة كمستعمر جديد.
وبالمثل، خيب تحالف هتلر مع موسوليني آمال معظم العرب في ضوء كراهيتهم للمستعمرين الإيطاليين، وخطط موسوليني المعروفة لتوسيع الإمبراطورية الإيطالية على حساب العرب. ومن الواضح أن بعض العرب انجذبوا نحو ألمانيا هتلر لموازاة القوة البريطانية، لكنه نادراً ما كان لديهم أي فكرة حقيقية عن الأيديولوجية النازية أو عن خطط للقضاء على اليهود. وكان هؤلاء أقلية صغيرة، وليس هناك دليل على الإطلاق على وجود شعبية تمتع بها النازيون بين الجماهيرالعربية. كانت الجماهير المصرية تعيش في حالة رعب من الهجوم الألماني والإيطالي المشترك على بلدهم انطلاقاً من ليبيا، والذي أوقف في العلمين. وشارك بعض الطيارين المصريين وقوات البحرية المصرية بفعالية ونشاط في جهد الحرب ضد الألمان.
الآن، يحاول نتنياهو تصوير الفلسطينيين على أنهم كارهون لليهود بالفطرة، وهو موقف يعيده إلى "إسلام العصور الوسطى"، وهو يعيد رسم الهولوكوست على أنه جريمة فلسطينية يدعمها كل الفلسطينيين. وهذا افتراء دموي وحشي. وهو يلحق جرحاً بليغاً بالتاريخ. لكن ضرره الأكبر سيكون في المستقبل، نظراً لأن نتنياهو يقصد بوضوح استخدام هذه الفرية لتجريد الفلسطينيين من أرواحهم، وسبل معيشتهم، وما تبقى من أرضهم.
abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Netanyahu’s Blood Libel Against Palestinians

التعليق