هل كان من الأفضل حقاً أن يذهب صدام؟

تم نشره في الثلاثاء 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 01:00 صباحاً
  • صورة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين على غلاف صحيفة - (أرشيفية)

كاثي غيلسينان - (الأتلانتيك) 26/10/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

قدم توني بلير اعتذاراً رسمياً عن حرب العراق، لكنه وجد أن من الأصعب عليه الاعتذار عن إسقاط دكتاتور.
قال توني بلير رئيس الوزراء السابق في المملكة المتحدة، وثاني زعيمين، مع الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، اللذين شنا الحملة للإطاحة بصدام حسين في العراق: "إنك لا تستطيع، بالطبع، أن تقول إن أولئك منا الذين أزاحوا صدام في العام 2003 لا يتحملون أي مسؤولية عن الوضع في العام 2015" وصعود مجموعة "داعش". وأضاف: "لكن من المهم أيضاً إدراك، أولاً، أن الربيع العربي الذي بدأ في العام 2011 كان سيحدِث تأثيراً أيضاً على عراق اليوم؛ وثانياً، أن داعش جاء إلى الهيمنة فعلياً من قاعدة في سورية وليس في العراق".
كان بلير يتحدث إلى فريد زكريا من تلفزيون "سي. أن. أن." في مقابلة بثت مؤخراً. وبينما اعتذر بلير عن حقيقة أن "المعلومات الاستخبارية التي تلقيناها كانت خاطئة" فيما يتعلق بحيازة صدام لأسلحة دمار شامل، فإنه اعتقد، كما هو حال صناع القرار في تلك الحقبة (والمقربين منهم) أن إزاحة صدام كانت شيئا جيداً. وقال: "إنني أجد أن من الصعب تقديم اعتذار عن إزاحة صدام. وأعتقد، حتى من منظور اليوم في العام 2015، أن عدم وجوده هناك أفضل من وجوده".
كان صدام مستبداً وعدوانياً. ولكن، هل أصبح العراق والمنطقة حقاً في وضع أفضل من دونه؟ فلنتأمل فقط بعض تداعيات الحرب التي أطاحت به.
لقد تم تأسيس الصلة بين بين حرب العراق وبين صعود الدولة الإسلامية في العراق والشام بشكل جيد، ولو أن من المهم سماع مثل هذا الإقرار من واحد من مهندسي الحرب. في كتابه " لأعلام السوداء: صعود الدولة الإسلامية في العراق والشام"، يعيد مراسل صحيفة "الواشنطن بوست"، جوبي واريك، كيف سافر أبو مصعب الزرقاوي، مؤسس تنظيم القاعدة في العراق، وهي المجموعة التي أصبحت "الدولة الإسلامية في العراق" ثم "الدولة الإسلامية في العراق وسورية"، إلى العراق من قاعدة في أفغانستان، ثم بنى شبكة إرهابية بسبب فراغ السلطة الذي خلفه سقوط صدام والحملة التي قادتها الولايات المتحدة لتطهير الحكومة العراقية الجديدة من حزب البعث. (تجدر الإشارة إلى أنه، في تضاد مع ادعاءات بلير، فإن أصول الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" كانت في العراق في الحقيقة، على الرغم من أن الفوضى العارمة التي خلقتها الحرب الأهلية السورية ساعدت في تأسيس قاعدة للحركة في ذلك البلد أيضاً)، ويكتب واريك:
"لقد كان في هذا العراق معاد التنظيم حيث وجد الزرقاوي كلاً من الحرية للمناورة والحلفاء الأقوياء الراغبين والقادرين على دعم قضيته. وقد التحق ضباط وجنود كانوا قد خدموا مع صدام حسين بجيش جيش الزرقاوي، حيث ارتقى بعضهم إلى مناصب قيادية. وقدم آخرون منازل آمنة ومعلومات استخبارية وسيولة نقدية وأسلحة -بما في ذلك، كما استنتج المحققون لاحقاً، الذخائر الجوية وقذائف المدفعية التي وفرت القوة التفجيرية لأكبر تفجيرات السيارات التي نفذها الزرقاوي".
ثمة العديد من التداعيات الأخرى لإزاحة صدام، المباشرة وغير المباشرة، والتي يصعب تعقبها. لكن إعادة ترتيب العراق أسهمت في إعادة ترتيب المنطقة ككل –خاصة فيما يتعلق بأثرها على الحرب الأهلية السورية، ونفوذ إيران، وصعود القومية الكردية، والسياسة الطائفية في الشرق الأوسط.
على سبيل المثال، كان نوري المالكي، أول زعيم لعراق ما بعد صدام (تولى رئاسة الوزراء قبله إبراهيم الجعفري)، هو الذي ساعد في تأجيج نار الحرب الأهلية السورية عبر تقديم المساعدة للرئيس السوري بشار الأسد في الأيام الأولى من قمع الحكومة للاحتجاجات هناك. وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" قد أبرزت هذا التطور في العام 2011، فكتبت:
"لقد أبرز دعم السيد المالكي للسيد الأسد حجم تحول موقف العراق في الشرق الأوسط نحو المحور الذي تقوده إيران. كما أنه فاقم أيضاً خط الصدع بين الأغلبية الشيعية في العراق، التي قبل زعماؤها قول السيد الأسد بأن تنظيم القاعدة يقف خلف الانتفاضة، وبين الأقلية السنية التي دان زعماؤها القمع السوري...".
"من المعروف أن العراق وسورية لم تكونا تتمتعان بعلاقات وطيدة للعديد من السنوات قبل طويل وقت من الغزو الأميركي. وخلال العنف الطائفي هنا، والذي تفجر بعد الغزو، وجه الزعماء العراقيون اللوم لسورية وحملوها مسؤولية السماح للمفجرين الانتحاريين وغيرهم من المتشددين بالعبور للعراق".
"لكن سورية وإيران ظلتا تتمتعان بروابط وثيقة، وهو ما يشكل عاملاً في إعادة تعديل ميزان العلاقات بين سورية والعراق. وفي العام الماضي، ضغطت إيران على السيد الأسد من أجل دعم السيد المالكي في ترشحه لرئاسة الحكومة العراقية، ما ساعده في نهاية المطاف على تولي منصب رئيس الوزراء لفترة ثانية. ومنذئذٍ، قويت العلاقات بين السيد المالكي والسيد الأسد، ووقعا على اتفاقيات تجارية، وزاد حجم الاستثمارات السورية في العراق".
كانت هذه الدينامية مجرد مثال واحد على نمو النفوذ الإيراني في أعقاب إزاحة صدام حسين، المنافس الإقليمي الرئيسي الذي خاض حرباً لمدة ثمانية أعوام ضد إيران في الثمانينيات. وفي ملاحظات للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي في العام 2007، وصف محلل وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه) السابق بول بيلار تأثير حرب العراق على موقف إيران في الشرق الأوسط، فقال:
"من بين جيران (العراق)، كانت إيران هي الكاسب الأكبر. لم تقم الحرب فقط بإسقاط الدكتاتور الذي كان قد بادر إلى حرب سابقة قتلت مئات الآلاف من الإيرانيين وحسب، بل إنها شلت أيضاَ ما كانت أضخم قوة إقليمية تشكل موازناً للنفوذ الإيراني.... وتبدو طهران مصممة على ممارسة ما تستطيع من النفوذ في داخل العراق، وفق ما تتكشف عنه أي عملية إعادة إعمار سياسية. إنها ما تزال تصل إلى، وتقدم المساعدة لطائفة واسعة من المجموعات العراقية، وليس فقط لحلفائها التقليديين مثل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق. وعلى الرغم من أن بعض هذه المساعدات قد تساعد في صنع مشاكل للقوات الأميركية، فإنها يمكن أن تُفهم أفضل ما يكون على أنها جهد تبذله طهران لإلقاء أكبر قد ممكن من خيوط النفوذ. وعندما يستقر الوضع ويهدأ الغبار في العراق في نهاية المطاف، سوف تتوفر لها فرصة جيدة لأن تحظى بصداقة الطرف الذي يستحوذ على السلطة، أو على الأقل -امتلاك وصول إلى أي طرف يكون في السلطة".
يبدو النفوذ الإيراني جلياً في العراق اليوم، مع أن الشكل الذي يأخذه ذلك النفوذ -قيام الجنرالات الإيرانيين علناً بإدارة القتال ضد "الدولة الإسلامية"- ربما ليس هو ما كان يدور في خلد القادة الإيرانيين عندما أدلى بيلار بشهادته المذكورة أعلاه.
كما فتحت حرب العراق فصلاً جديداً أيضاً في سعي الأكراد نيل الحكم الذاتي، كما شرح فريدريك فيهري والمؤلفون المشاركون معه لمؤسسة رند في العام 2010:
"الجيشان الكردي المتزايد في سورية وتركيا وإيران هو الأثر الأكثر وضوحاً وتجسداً للحرب. لقد عمل غزو العام 2003 والاندفاعة اللاحقة من جانب الأكراد العراقيين نحو مزيد من الفدرالية، على تحريك النشاط الكردي في الدول المجاورة، وقدما كلاً من الإلهام والدعم الأكثر مادية، مثل وجود ملاذ فسيولوجي آمن. وقد أفضت تطورات، مثل انتخاب زعيم الاتحاد الوطني لكردستان جلال الطالباني كرئيس للعراق، والتوقيع على القانون الإداري الانتقالي، إلى التسبب باحتفالات واضطرابات بين الأكراد الإيرانيين، وإلى انتفاضة خطيرة في سورية تركت 40 قتيلاً. وقد نعمت مجموعات كردية عنيفة/ مثل حزب العمال الكردستاني في تركيا وحزب الحياة الجديدة، بملاذ متزايد في شمالي عراق بعد الغزو، وهو ما شكل تهديدات جديدة للاستقرار المحلي في تركيا وإيران".
يشكل الأكراد راهناً بعضاً من أكثر حلفاء أميركا نفوذاً في القتال ضد "داعش". وقد استطاعوا نحت المزيد من الأراضي لهم في كل من سورية والعراق. وفي الأثناء، تذكي الدفعة الكردية من أجل الحكم الذاتي نار العنف المتجدد في تركيا، حيث خاضت الحكومة حرباً طالت لعقود ضد حزب العمال الكردستاني، والتي تركت عشرات الآلاف من القتلى.
وثمة أيضاً إرث حرب العراق من العنف السمي بين المسلمين السنة والشيعة، والذي يلخصه مجلس العلاقات الخارجية على النحو التالي:
"كان العنف المجتمعي بين الطوائف المسلمة نادراً تاريخياً، حيث كانت معظم الهجمات الطائفية المميتة توجه من جانب رجال دين أو قادة سياسيين. أما اليوم، فإن المجموعات المتطرفة التي تقوم تقوم الدول بتعزيز العديد منها، هي التي تشكل اللاعبين الرئيسيين في عمليات القتل الطائفي...".
"لقد لعب النزاع والفوضى العارمة دوراً في استعادة الهوية الطائفية الأساسية. ففي العراق على سبيل المثال، وظفت فلول النظام البعثي الخطاب السني لشن مقاومة ضد صعود السلطة الشيعية في أعقاب خلع صدام. وهب المتشددون السنة الذين استلهم الكثيرون منهم الدعوة التي وجهها تنظيم القاعدة لقتال أميركا، وتدفقوا إلى العراق من بلدان إسلامية مختلفة، وهاجموا قوات الائتلاف والعديد من المدنيين الشيعة. وقد استحضر أبو مصعب الزرقاوي، الذي أسس تنظيم القاعدة في العراق، فتاوى معادية للشيعة أو أحكاماً دينية لإشعال نار حرب أهلية، على أمل أن تخضع الأغلبية الشيعية في نهاية المطاف أمام العنف السني المتطرف. وقد استوعبت الطائفة الشيعية آلاف القتلى قبل أن ترد بالقتال بواسطة ميليشياتها الطائفية الخاصة".
"لقد عملت الحرب الأهلية السورية، التي تجاوزت إجمالي خسائر العراق على مدار عقد بأكمله من النزاع في سنواتها الثلاث الأولى فقط، على تضخيم تلك التوترات الطائفية والتحليق بها إلى مستويات غير مسبوقة".
بعبارات إنسانية، تبقى الحسابات صادمة. فقد سقط مئات الآلاف من العراقيين، كما يقدر، قتلى بسبب العنف الذي انطلق من عقاله في العام 2003، على الرغم من أن الرقم الصحيح للقتلى ما يزال مجهولاً. وساهم سفك الدماء المستمر في العراق في خلق أكبر أزمة لاجئين منذ الحرب العالمية الثانية. كما أن صعود "داعش" فاقم من تدفق اللاجئين من سورية أيضاً. وتقول لجنة الإنقاذ الدولية: "إنهم الخسائر المنسية لحرب العراق. وبالتمام والكمال، هرب واحد من أصل كل ستة عراقيين (4.7 مليون شخص) أو شرد من منزله في أعقاب الغزو بقيادة الولايات المتحدة في العام 2003، ومعظمهم لم يعد". وتضيف اللجنة: "يعيش ما يقرب من النصف في بلدان مجاورة مثل الأردن وسورية، بينما اجتث الآخرون من جذورهم وهم موجودون في داخل حدود العراق". فكيف يستطيعون الإجابة عن السؤال عما إذا كانت الأوضاع هي الآن أفضل بعد ذهاب صدام؟

*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Is It Really Better That Saddam’s Gone?

 abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق