لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (آيباك) في انحدار

تم نشره في الأربعاء 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 12:00 صباحاً

شلومو بن عامي*

مدريد- لا أحد يستطيع أن ينكر قوة الضغط التي تتمتع بها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (آيباك) في الولايات المتحدة. ولكن القدرة المفترضة لهذه اللجنة على السيطرة على القرارات السياسية في الولايات المتحدة ليست أكثر من وهم زائف، والذي تعهده بالرعاية والتشجيع الأصدقاء والخصوم على حد سواء. والواقع أن نفوذ لجنة الشؤون العامة الأميركية (أيباك) أصبح مهدداً بفضل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو -وإن كان نتنياهو ذاته لم يمسه أذى.
عملت المزاعم حول نفوذ (آيباك) لفترة طويلة على صياغة تحليل السياسة الخارجية الأميركية. وعلى سبيل المثال، أكَّد ستيف والت وجون ميرشايمر في مقالهما الشهير "اللوبي الإسرائيلي" أن آيباك صنعت حرب العراق. ولكن الحقيقة أقل من ذلك شراً إلى حد كبير: ففي حالة العراق، امتطت آيباك الموجة المؤيدة للغزو والتي أطلق لها العنان الرئيس جورج دبليو بوش في إطار نزواته اليسوعية، ونائب الرئيس ديك تشيني الذي كان بمثابة جماعة ضغط تتألف من رجل واحد للتحريض على شن تلك الحرب.
مؤخراً، تم الكشف عن حقيقة أيباك -كونها مؤثرة ولكنها ليست حصينة- سواء أمام جماهير الناس أو الجماعة ذاتها. فبعد أن قام نتنياهو بدفع اللجنة دفعاً إلى معركة خاسرة ضد إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما حول الاتفاق النووي مع إيران، بدأت تترنح الآن تحت وطأة غطرستها.
الواقع أن آيباك لم تتغلب قط على المعارضة الحازمة لأي رئيس أميركي، وخاصة في مسألة تمس الأمن القومي الأميركي. فقد فشلت في منع جيمي كارتر من بيع الطائرات المقاتلة F-15 Eagle للمملكة العربية السعودية في العام 1978، أو منع رونالد ريغان من إمداد السعوديين بطائرات الاستطلاع أواكس بعد ذلك بثلاث سنوات. وانتهت معركتها في العام 1991 مع الرئيس جورج بوش الأب حول ربط ضمانات القروض الأميركية لإسرائيل بدعم رئيس الوزراء إسحق شامير في مؤتمر السلام في مدريد -أحد موروثات بوش الأب الرئيسية- إلى هزيمتها.
على هذه الخلفية، كان ينبغي للجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية أن تدرك أن المحاولات التي تبذلها، بالتعاون الوثيق مع خصوم أوباما الجمهوريين، لمنع الاتفاق النووي مع إيران (أحد أهم إنجازات أوباما) سوف تفشل لا محالة. وقد استخدم أوباما تكتيكاً مماثلاً لذلك الذي استخدمه جورج بوش الأب لفرض إرادته. فكما ندد بوش علناً "بألف من جماعات الضغط" يجوبون أروقة الكونغرس الأميركي لتأليبه على مصلحة وطنية بالغة الأهمية، قال أوباما في حديث عام إن منتقديه "سوف يعارضون أي اتفاق مع إيران"، واستشهد بحملة آيباك الدعائية ضد الاتفاق، والتي تكلفت عشرين مليون دولار أميركي. كما وضع أوباما آيباك في نفس خانة الجمهوريين الذين "كانوا مسؤولين" عن الزج بالولايات المتحدة في حرب العراق.
في نظر آيباك -التي اعتمدت تقليداً على تحالف واسع من القوى الاجتماعية والسياسية في الولايات المتحدة والتي تنظر إلى أمن إسرائيل باعتباره قضية أخلاقية ومصلحة وطنية حيوية- فإن هذه ليست مثل أي هزيمة سابقة. ذلك أن الحملة التي يدعمها الجمهوريون ضد اتفاق رئيسي تم التوصل إليه بالتفاوض بواسطة رئيس ديمقراطي، بتأييد ساحق من حزبه، كانت بمثابة تهديد للأسس الثنائية الحزبية التي ترتكز إليها قضية إسرائيل في أميركا.
بطبيعة الحال، لم يقتصر الاتفاق النووي على الولايات المتحدة وإيران فحسب. إذ كانت آيباك تعارض اتفاقاً دولياً وقعت عليه بالفعل ست قوى عالمية كبرى -الصين، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة- ووافقت عليه الأمم المتحدة. حتى أن بعض أكثر مؤيدي إسرائيل حماساً في الكونغرس الأميركي كان من المستبعد أن يوجهوا ضربة مدمرة محتملة لمصداقية أميركا على الساحة الدولية، وكان تصور أن الدول المتفاوضة قد توافق جميعها على إعادة فتح المحادثات لإنتاج "اتفاق أفضل" محض خيال. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا هو الهدف الذي حدده نتنياهو لآيباك.
من المحتم أن الشجار حول اتفاق إيران سيمثل لحظة فاصلة بالنسبة لليهود الأميركيين، الذين نشأت بينهم انقسامات حادة. ويشير الاستطلاع الذي أجرته اللجنة اليهودية الأميركية في العام 2015 لآراء اليهود الأميركيين إلى نشوء "مجتمعين يهوديين فرعيين متباينين"، مع عدد متنام من اليهود الذين يشعرون بالعزلة عن المنظمات التي تدعي أنها تمثلهم.
تمثل آيباك ضرباً مذهلاً من الشذوذ في حياة اليهود الأميركيين. فهي تتقارب على نحو متزايد مع أجندة الحزب الجمهوري وأنصار إسرائيل من المسيحيين الإنجيليين، حتى مع أن استطلاعات الرأي أظهرت مراراً وتكراراً أن اليهود يمثلون المجموعة العِرقية الأكثر ليبرالية في أميركا.
والحقيقة هي أن اليهود الأميركيين عارضوا إلى حد كبير حرب العراق. وقد صوتوا بأغلبية ساحقة لصالح الحزب الديمقراطي. وهم يعتبرون ديانتهم وسطية وليبرالية؛ حيث يدعم كثيرون منهم حقوق المثليين وحق الإجهاض، وكل من الأمرين يعتبره المسيحيون الإنجيليون لعنة. حتى أن غالبية اليهود الأميركيين يدعمون إقامة دولة فلسطينية. وعلى الرغم من أنهم ليسوا متحدين بشأن الاتفاق مع إيران، فإن مؤيدي الاتفاق يفوقون معارضيه عدداً.
في حقيقة الأمر، يقع قدر كبير من المسؤولية عن الأضرار التي لحقت بآيباك، والجاليات اليهودية الأميركية، بل وحتى العملية السياسية في الولايات المتحدة -على عاتق نتنياهو. ولكنه من غير المرجح أن يواجه العقاب عن أي من تلك الأضرار. بل على العكس من ذلك، بدأت إدارة أوباما بالفعل المناقشات التي وعدت بإدارتها بشأن رفع مستوى القدرات الاستراتيجية لإسرائيل. ومع انهيار الدول العربية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط -وما يصاحب ذلك من تأثيرات جانبية مهمة في الغرب- تظل إسرائيل تمثل شريكاً إقليمياً مستقراً للولايات المتحدة.
لكن الأمر الأشد خطورة هو أن نتنياهو قادر على تحقيق هدفه الآتي: منع أي انفراج استراتيجي بين الولايات المتحدة وإيران، والذي من شأنه أن يمكن البلدين من التعاون في حل النزاعات الإقليمية الكبرى، من اليمن إلى سورية. وربما كان انتصار أوباما في ما يتصل بالاتفاق النووي حتمياً، ولكنه لم يكن سهلاً على الإطلاق. فقد كان التحالف الغريب بين متطرفين إيرانيين، وآيباك، والتحالف السُنّي بقيادة المملكة العربية السعودية، والحكومة الإسرائيلية، وساسة أميركيين من كلا الحزبين، سبباً في إرغام أوباما على الوعد بفرض عقوبات إضافية على إيران لرعايتها للإرهاب. ونتيجة لذلك، فإن من المرجح أن تستمر حرب أميركا الباردة مع إيران.

*وزير خارجية إسرائيلي سابق. نائب رئيس مركز توليدو الدولي للسلام. مؤلف كتاب: "ندوب الحرب، جراح السلام: المأساة الإسرائيلية-العربية".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق