العلاقات الهندية الإسرائيلية.. رسائل مختلطة

تم نشره في الأربعاء 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 01:00 صباحاً
  • الرئيس الهندي براناب موخرجي خلال زيارته لإسرائيل الشهر الماضي - (أرشيفية)

كانشي غوبتا - (فورين بوليسي) 26/10/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
زيارة الرئيس الهندي براناب مخرجي التاريخية لإسرائيل في تشرين الأول (أكتوبر) أعدت المشهد لانخراط أعلى مستوى بين البلدين. لكن ملاحظاته لزعيم المعارضة الإسرائيلي أعادت السياسة الخارجية الهندية وراء إلى العام 1974.
أعدت الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الهندي براناب مخرجي إلى إسرائيل في شهر تشرين الأول (أكتوبر) الزخم لانخراط رفيع المستوى بين البلدين، بما في ذلك زيارة محتملة يقوم بها رئيس الوزراء الهندي مودي إلى إسرائيل في وقت لاحق. ومع ذلك، فإن رسائله المختلطة خلال جولته التي استغرقت ستة أيام في المنطقة، والتي شملت الأردن والسلطة الوطنية الفلسطينية، تحقن درجة من عدم اليقين في مسار علاقات إدارة مودي مع إسرائيل.
منذ مجيء ناريندرا مودي إلى سدة السلطة في الهند، أصبحت إسرائيل تحتل بؤرة التركيز في انخراط حكومته في المنطقة. وفي ظل قيادته، لم تقم نيودلهي بتوسيع نطاق الشراكة الاستراتيجية الهندية-الإسرائيلية وحسب، وإنما تحركت أيضاً في اتجاه التخلي عن "موقف التوازن" التقليدي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وفي الأثناء، لم تكن تصريحات الرئيس مخرجي تعكس، لا البعد الجديد في سياسة الهند تجاه إسرائيل، ولا تطور الوقائع الجيوسياسية في المنطقة.
في حين كانت تصريحات الرئيس الهندي في إسرائيل منسجمة مع سياسات مودي، فإنها حملت في طياتها تلميحاً إلى التزامات الهند الإيديولوجية التي وجهت تقليدياً طبيعة علاقاتها مع إسرائيل. وبتركيزه بشكل منفرد على رفع سوية الروابط مع إسرائيل، نأى الرئيس الهندي بنفسه مبتعداً عن أي ذكر للموضوع الفلسطيني. وفي إقرار عالي المستوى وغير مسبوق، أعرب أيضاً عن امتنان بلده لإسرائيل على تقديمها "معدات دفاعية حساسة" للهند خلال حرب كارغيل في العام 1999، والتي شكلت نقطة انعطاف في التعاون الدفاعي بين البلدين.
مع أن الرئيس بدا وأنه ضرب على كل نغمة صحيحة في الدعوة إلى إقامة علاقات أقوى مع إسرائيل، فإن ملاحظاته لزعيم المعارضة الإسرائيلية بأن الدين لا يمكن أن يكون أساساً لدولة، قد أعادت السياسة الخارجية الهندية وراء إلى العام 1947. وعلى مر السنوات، كان تقسيم شبه القارة عائقاً حساساً وقف أمام نهج الهند تجاه علاقاتها مع إسرائيل. وعلى سبيل التوضح، ضرب الرئيس الهندي مثالاً بحالة بنغلاديش، ولاحظ أنه "تم خلق باكستان... على أساس الدين... و(لكن) شطراً كبيراً جداً من باكستان انفصل وأصبح دولة مستقلة ذات سيادة في غضون 25 عاماً".
في الأردن وفلسطين، كرس الرئيس طاقات كبيرة لإعادة تأكيد دعم الهند "غير المتواني" للقضية الفلسطينية، والتزامها بـ"العمل مع كل الدول ذات التفكير المشابه من أجل التوصل إلى الحل المنشود لهذا الصراع الذي طال أمده".
وبينما كان يتحدث في جامعة القدس، أوضح الرئيس الهندي كيف أن نيودلهي كانت وما تزال "في المقدمة" بين المدافعين عن القضية الفلسطينية، عبر معارضة خطة تقسيم فلسطين في العام 1947، وبكونها أول دولة غير عربية تعترف بدولة فلسطين في العام 1988، وفي ممارستها الضغط والمشاركة في الحملات من أجل تحصيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية من الأمم المتحدة في العام 2012.
في ضوء أن مودي كان بارزاً كثيراً من حيث الأولوية للعلاقات مع إسرائيل، فإن تركيز الرئيس على الموضوع الفلسطيني لم يلق الترحيب من جانب الإعلام الإسرائيلي. فقد لاحظت الصحف الإسرائيلية البارزة أنه عندما أورد الرئيس تفاصيل المواقف الهندية المؤيدة للفلسطينيين، فإنه فشل في التطرق إلى ذكر "الإرهاب الفلسطيني المستعر الآن في الشوارع". وذهبت صحيفة "ذا تايمز أوف إسرائيل" أبعد، لتشير إلى توقعات القدس من نيودلهي، من خلال ربط موقف الهند من القضية الفلسطينية بالروابط الهندية-الإسرائيلية. وقالت الصحيفة إنه حتى على الرغم من أن "رئيس الوزراء مودي جعل من تطوير التعاون الهندي مع إسرائيل نقطة تركيز"، فإن الرئيس مخرجي ألمح إلى أن الهند لا تخطط للتخلي عن دعمها التقليدي للدولة الفلسطينية".
يربط التزام الهند الأخلاقي بالموضوع الفلسطيني بحساسيات مجتمع الأقلية، حتى مع أن نيودلهي لم تفعل تقليدياً أكثر من مجرد تقديم الخدمة الكلامية في دعم حل للنزاع. ولذلك، نجد أن الدوائر الانتخابية السياسية المحلية نظرت بانتقاد إلى تحول حكومة مودي في اتجاه سياسة غير ملتبسة في التأييد لإسرائيل.
شكلت ملاحظات مخرجي لزعيم المعارضة الإسرائيلية، إسحق هيرتسوغ، تذكيراً بالمصائد الإيديولوجية للسياسة الهندية في غرب آسيا. وفي وقت شهد صعود الشراكة الاستراتيجية بين الهند وإسرائيل إلى ما فوق العلاقات الدفاعية والتجارية التقليدية، تلمح تعليقات الرئيس إلى أن السياسات المحلية والموانع الإيديولوجية ما تزال تتحكم في سياسة بلاده الإسرائيلية.
يضيف استمرار الهند في النظر إلى العلاقات العربية-الإسرائيلية من خلال العدسة الفلسطينية بعداً آخر لسياسات نيودلهي الإقليمية غير الواضحة. وعلى العكس من تصريحات الرئيس الهندي في فلسطين، لا يتطلب المناخ الجيوسياسي لمنطقة غرب آسيا وضع الموضوع الفلسطيني على قمة النزاع العربي-الإسرائيلي. فقد خضعت العلاقات العربية-الإسرائيلية لتحولات كبيرة. وبالنسبة للهند، فإن حتمية "موازنة" سياستها الخاصة بغرب آسيا لا تحتاج لأن تصاغ في قالب تقليدي.
لم تكن تصريحات الرئيس تعكس بشكل حقيقي لسياسة إسرائيل الهندية النشطة المتطلعة إلى الأمام، والتي تسعى حكومة مودي إلى انتهاجها. ومع ذلك، تستطيع جولة الرئيس هذه أن تستأصل الضغط من أجندة مودي الإسرائيلية. ولقد أعطى غياب الهند الأخير عن المشاركة في مشروع قرار للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ضد إسرائيل والإعلان عن زيارة مودي الانطباع بأن الهند تولي الكثير من الاهتمام لروابطها مع إسرائيل. وتحرر زيارة الرئيس مودي من السعي إلى انخراط نشط مع إسرائيل من دون أي التزام محلي بالسير على حبل مشدود.
ومع ذلك، من الممكن اختبار قدرة الهند على فصل الموضوع الفلسطيني عن العلاقات الهندية الفلسطينية في المستقبل. وبينما تتردى الحالة الأمنية في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، وحيث تواجه إسرائيل قدراً أكبر من الضغوط الدولية، فإنه قد لا يمر وقت طويل قبل مشاهدة تل أبيب وهي تلتفت إلى نيودلهي للحصول على الدعم الدبلوماسي. وقد ذُكر أن امتناع الهند عن التصويت على مشروع قرار لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، تم في الحقيقة تلبية لطلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي. ولذلك، قد تضطر الهند إلى اتخاذ موقف أكثر وضوحاً من النزاع، وهو الأمر الذي ظلت تتجنبه حتى الآن.

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:India and Israel: Conflicted Friends Look to the Future

التعليق