إبراهيم غرايبة

في العلمانية والديمقراطية بمناسبة الانتخابات التركية

تم نشره في الخميس 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 01:06 صباحاً

تحولت الانتخابات التركية إلى جدل أردني وعربي، ولا بأس في ذلك. ولكنه جدل كشف عن أخطاء في تعريف المفاهيم والأفكار، ثم تُبنى على هذا الخطأ في الفهم أحكام ومواقف تكون بالتأكيد بعيدة عن جوهر الفكرة الأساسية والجدل حولها.
ما يجري في تركيا هو جدل سياسي في ظل "العلمانية". فجميع الأحزاب السياسية التركية، بما فيها حزب العدالة والتنمية، هي أحزاب علمانية، والـ"عدالتيون" يمكن وصفهم بعلمانيين متدينين، يشبههم في أوروبا الحزب الديمقراطي المسيحي، وهو اليوم الحزب الحاكم في ألمانيا.
العلمانية، أو "العالَمانية"، مصطلح جميل وذكي وقديم، مستمد من "العالم"؛ النظر إلى العالم وفهمه بما هو كذلك عالم مشهود، وبأدواتنا التي نملكها في النظر والتفكير. وهذا المنهج ليس مقابلا للدين أو ندّا له ولا بديلا عنه، وإن كان لا يقوم على فكرة حق نزل من السماء لفهم العالم وإدراكه. ويقترب منه في التراث المسيحي مصطلح الناسوت، وفي التراث الإسلامي عالم الشهادة.
فالناسوت أو عالم الشهادة، نفهمه بأدواتنا التي نملكها، وما يصاحبها ويعتريها بالضرورة من ذكاء وخبرة وتجارب وأهواء، وسموّ ومصالح وخطأ وصواب.. ما يجعلها دائما ليست يقينية وعرضة للمراجعة والتصحيح، ويجعلها أيضا نسبية؛ بمعنى أنها أفضل ما توصلنا إليه في هذه اللحظة، أو بالنسبة لما نعرفه ونشاهده. وبذلك، فإن العلمانية ليست في حال جدل أو اختلاف او اتفاق مع الدين. يمكن أن يكون المتدين علمانيا، ويمكن أن يكون لدينا علمانية مسيحية أو علمانية إسلامية أو علمانية يهودية أو علمانية هندوسية...
وحتى بالنسبة لأولئك الذين يعتقدون أن ثمة حقا نزل من السماء لتنظيم الحياة والعالم المشهود، فإنه وعلى نحو عملي تطبيقي، لا يمكن فهم وتطبيق هذا الحق إلا بمؤسسات وأفهام بشرية، وهذا يحوله حتما وبالضرورة إلى منتج بشري، ما يجعل فهم الدين وتطبيقه مسألة بشرية، عرضة للاختلاف والتعدد. بل إن فرص التعدد والاختلاف في فهم الدين وتطبيقه تساوي عدد المؤمنين، ولا مخرج من هذا الخلاف سوى الاحتكام الى الانتخاب والاقتراع، أو السلطة الغالبة، ما يجعل بالضرورة نتيجة هذا التصويت قرارا أو فهما بشريا لتطبيق الدين لا نملك دليلا على صحته أو صوابه سوى قرار صندوق الانتخاب أو السلطة الغالبة. وهذا يقودنا إلى علمانية دينية؛ بمعنى فهم الدين وتطبيقه اعتمادا على أدوات ومناهج نسبية وغير يقينية.
العلمانية في المجال السياسي التطبيقي، تعني حياد الدولة تجاه الدين. وهذا لا يعني عداء للدين، ولا بالضرورة عدم تدين. وكل الدول التي لديها وزارة للأوقاف و/ أو تعلم الدين في مناهجها ومدارسها الرسمية و/ أو لديها دائرة رسمية للإفتاء، وسلطة دينية للقضاء.. هي دول ليست علمانية. وبذلك، فإن جميع الدول العربية ليست علمانية؛ على العكس، هي دول دينية وتبالغ في دورها الديني.
والعلمانية لا تعني بالضرورة الديمقراطية. ولكن، لا ديمقراطية بلا علمانية. إذ يمكن أن تكون هناك علمانية بلا ديمقراطية، ولكن الديمقراطية بالضرورة لا تتحقق الا بالعلمانية. والأخيرة لا تعني بالضرورة التقدم أو الفشل، فيمكن أن تكون الدولة علمانية وفاشلة ومتخلفة في الوقت نفسه، كما أن الديمقراطية لا تعني بالضرورة التقدم أو الفشل، فقد تتقدم الدولة وتزدهر في ظل نظام سياسي استبدادي.
لكن، وفي غالب الأحوال، فإن العلمانية والديمقراطية تمثلان ملاذا للمجتمعات والأطراف المختلفة لبناء عقد اجتماعي يؤسس لعلاقات صحيحة بين الدولة والمجتمع، واختيار القيادات السياسية والاجتماعية على أسس عادلة، تنشئ غالبا العدل والازدهار والتقدم.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الديمقراطية الوان وأشكال (يوسف صافي)

    الخميس 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
    طالما اخترت الإنتخابات فيعني ديمقراطية سياسة اختيار الحاكم؟؟ولو عدنا للحكم الإسلامي لوجدنا "الولاية تعطى ولا تؤخذ" وكذلك معنى الديمقراطية السياسية" حكم الشعب للشعب" والإسلوبان متناغمان ولوجا للهدف وليس كما اسلفت فقط مع العلمانية دون غيرها؟؟ لاوبل وضعت حكما من خلال تناقضات في الشيئ نفسه وهذا ما يعرف حكم اضطرادايا لهوى مصلحي رغائبي وليس وفق قواعد التشريع؟؟ الإ اذا هناك جديدا للديمقراطية ..