من عدوان اليهود محاولة منع الاعتكاف في المسجد الأقصى

تم نشره في الجمعة 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 01:00 صباحاً

أسامة شحادة

عدوان اليهود واحتلالهم للمسجد الأقصى وفلسطين عموماً، لن يتوقفا إلا عند وصولهم لغايتهم النهائية، وهي السيطرة على كل فلسطين والخلاص من أهلها من الفلسطينيين؛ إما بالقتل أو الطرد والتهجير.
وفي طريقهم لتحقيق تلك الغاية الخبيثة -خيب الله مسعاهم وأبطل مكرهم- يقومون بأنواع كثيرة جداً من العدوان، مما يساعد في تحقيق تلك الغاية العدوانية. ومن أنواع العدوان هذه، السيطرة على المسجد الأقصى. وهم يحاولون في البداية أن يكون لهم موضع قدم في المسجد، ثم يوسعون عدوانهم وسيطرتهم عليه.
ومن أجل وضع قدم لهم في "الأقصى"، تأتي محاولة فرض زيارة اليهود للمسجد، بدعوى أن الدخول إلى ساحاته سياحة وزيارة ونزهة، وأنها تقع في الساحات المجاورة للمسجد! وقد نبهنا من قبل على التحريف اليهودي الخطير لمفهوم المسجد الأقصى الذي يروجه اليهود؛ فهم يحاولون قصر المسجد على المسجد القبلي وقبة الصخرة فقط، بينما "الأقصى" هو كل السور وما في داخل السور من المسجد القبلي وقبة الصخرة والساحات المرصوفة والترابية والمصاطب والأشجار وكل الأبنية والمرافق، فكل هذا هو المسجد الأقصى الذي تبلغ مساحته 144 دونما.  
ثم تطورت محاولاتهم العدوانية إلى محاولة فرض إقامة صلوات يهودية في ساحات "الأقصى". وهذا اعتداء صارخ على حقوق المسلمين. فكل العقلاء يتفقون على أن أماكن العبادات الخاصة بكل دين لا يجوز أن يفرض على أصحابها إقامة طقوس لدين آخر، فضلاً عن الاستيلاء عليها من غير أصحابها وأهلها.
وقد اعترض المسلمون، ودافع الفلسطينيون عن مسجدهم ومقدساتهم بكل الوسائل والأساليب، والتي كان منها عبادة الاعتكاف والرباط في المسجد الأقصى حتى لا يُترك فارغاً في الليل أو في النهار، بما يسهّل لليهود التسلل إليه وإلى ساحاته وإقامة طقوسهم بحجة أنهم يفعلون ذلك في الوقت الذي لا يتواجد فيه المسلمون وبذلك "لا نزعجهم"! ولو نجح اليهود في وضع موضع قدم لهم فيه، فسيصبح "مسمار جحا" الذي بواسطته يستولون على الكثير الكثير من مساحة المسجد الأقصى.
اليهود، ومنذ عدة سنوات، يخططون للقيام بالسماح للمستوطنين المتدينين بدخول ساحات المسجد الأقصى تحت حماية جيش الاحتلال، في محاولة لتثبيت التقسيم الزماني والمكاني في "الأقصى" بين المسلمين واليهود. ولكن فاجأهم المسلمون بالاعتكاف والرباط في المسجد؛ في مصلياته ومصاطبه وساحاته، مما أحبط الكثير من مخططاتهم وأجّلها. ولكن الخبث اليهودي لم يستسلم، فلجأ إلى محاولة إقرار قوانين تمنع الاعتكاف في المسجد الأقصى، وجعلوا ذلك تحت شعارات مخادعة كعادتهم، فتقدمت مجموعة من حزب الليكود بطلب منع "المبيت" في المسجد الأقصى!
وقبل مناقشة فحوى الطلب ومخالفته للشريعة الإسلامية، يجب أن نتساءل: بأي حق يتدخل اليهود في شؤون المسجد الأقصى ومن يبقى ومن يخرج؟ ما علاقتهم بمساجدنا وعباداتنا؟ وهل يقبل أن يتدخل المسلمون أو المسيحيون في شؤون كنس اليهود الداخلية؟
ولاحظوا المكر والخداع والخبث بمنع إقامة الشعائر التعبدية للمسلمين باسم "منع المبيت"، مع السماح لليهود بإقامة عبادتهم وصلواتهم في مسجد المسلمين باسم الزيارة والسياحة!
لم ينجح اليهود للآن في منع الاعتكاف والرباط في المسجد الأقصى، لكنهم ماضون في هذا. وقد قام اليهود باقتحام المسجد وإخراج المعتكفين فيه بالقوة، في عدوان على مقدسات المسلمين، وانتهاك لسيادة الأردن على "الأقصى"، وانتهاك لحقوق حرية المسلمين في ممارسة شعائرهم الدينية في مساجدهم ومقدساتهم.
الاعتكاف هو أحد العبادات الإسلامية. وقد عرّفه الفقهاء بأنه الإقامة في المسجد بنية التقرب إلى الله عز وجل ليلاً أو نهاراً. وذكر الله عز وجل عبادة الاعتكاف في القرآن الكريم في عدد من الآيات، منها قوله تعالى: "... وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ..." (البقرة، الآية 187). وأفضل الاعتكاف ما كان في المساجد الثلاثة؛ المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة" (رواه الطحاوي وصححه الألباني).
وبهذا يتبين لنا أن الاعتكاف في المسجد الأقصى له فضل خاص وميزة كبرى من دون أي سبب، فكيف إذا كان مع عبادة الاعتكاف عبادة صوم، أو عبادة التعلم والتفكر من خلال مصاطب العلم التي أحييت من قريب في جنبات المسجد الأقصى، أو عبادة دفاع وحماية لجناب المسجد من عدوان اليهود وشرهم، إذا اقتحم اليهود -جيشاً ومستوطنين- المسجد الأقصى، هبوا لحمايته والدفاع عنه، وهذه بذاتها عبادة عظيمة شريفة جليلة "ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ..." (الحج، الآية 30)؛ فعندها يتعاظم الفضل والبركة والأجر، بإذن الله الكريم الوهاب.
وقد حدث في العام 2014 أن منع اعتكاف ورباط المسلمين في "الأقصى" اقتحام اليهود المستوطنين للمسجد تحت حماية جيش الاحتلال، إذ كانوا ينوون فتح أربع بوابات للمسجد أمام اليهود ليدخلوه بمئات وربما آلاف المستوطنين، لتثبيت ذلك كأمر واقع، لكن الله عز وجل أكرم وأصطفى ثلة من الرجال والنساء والشباب والشابات والأطفال أيضاً كانوا معتكفين مرابطين، فأكرم الله سبحانه هؤلاء بشرف حماية مسجده المبارك.  
والاعتكاف في المسجد الأقصى أمر معروف مشهور منذ مطلع الإسلام. ولقد سجل لنا العديد من العلماء والرحالة أخبار الاعتكاف في "الأقصى" عبر الزمن في كتبهم ومشاهداتهم، وجمع طرف واسع من تلك الأخبار والرحلات د. كامل العسلي في كتابه القيم "بيت المقدس في كتب الرحالة".
من هنا، فإن محاولة منع المسلمين من القيام بعباداتهم بالاعتكاف في المسجد الأقصى هو عدوان صارخ لا مبرر له بأي شكل من الأشكال، إلا نية اليهود الخبيثة الاستيلاء على المسجد، والاعتكاف فيه يعطل عليهم مخططاتهم العدوانية.

التعليق