أسعار النفط بين الصعود والهبوط: هل يعيد التاريخ نفسه؟

تم نشره في الأربعاء 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 12:00 صباحاً
  • أسعار النفط بين الصعود والهبوط: هل يعيد التاريخ نفسه -(أرشيفية)

لهب عطا عبد الوهاب*

حافظت أسعار النفط على معدلاتها المتدنية دون حاجز الخمسين دولارًا للبرميل؛ للأسبوع الخامس على التوالي؛ نظرًا لاستمرار العوامل الضاغطة على الأسعار ومنها تراجع النمو الاقتصادي العالمي وهو المحرك الرئيسي للطلب لا سيما التراجع الذي شهدته مؤخرًا الصين ثاني أكبر مستهلك للطاقة في العالم.
يأتي ذلك في ظل تخمة الإمدادات؛ فهناك فائض في المعروض يصل إلى مليوني برميل يوميًا نظراً للزيادة غير المسبوقة في الإنتاج الأميركي خلال السنوات الخمس الماضية بفعل ما أصبح يعرف في أدبيات الطاقة بثورة الوقود الصخري، إذ عملت التقانة المتطورة هناك "التكسير الهيدروليكي" وتكنولوجيا الحفر الأفقي ثلاثي الأبعاد؛ على تحرير النفط (والغاز) المضغوط بين المسامات الصخرية أو ما يعرف بالنفط المحكم (tight oil).
بيد أن هناك مؤشرات تنبئ بأن انخفاض الأسعار جعل من إنتاج النفط الصخري غير مجدٍ اقتصاديًا، رغم تكيف الشركات النفطية مع الواقع الجديد، إذ تشير آخر الإحصاءات عن عدد منصات الحفر العاملة Oil Rigs، تراجعها إلى 771 حفارة مطلع تشرين الثاني(نوفمبر) الحالي بانخفاض قدره 1154 حفارة عن الشهر المقابل من عام 2014، وهو دليل دامغ على أن سياسة أوبك الإنتاجية أخذت تؤتي أُكُلها.
وهناك عوامل جيوسياسية ضاغطة؛ منها عودة إيران الوشيكة إلى السوق النفطية في ظل التفاهمات مع القوى الغربية (مجموعة 5+1) حول ملفها النووي المثير للجدل، وهو ما يعني ضخ إمدادات إضافية إلى سوق تعاني فائضاً في المعروض، وإن كان هناك من يرى؛  على سبيل المثال التقرير الأخير الصادر عن الشركة العربية للاستثمارات البترولية "أبيكورب"؛ أن إيران تحتاج لسنوات لاستعادة قدرتها النفطية التي تعاني من التقادم وتهالك مكامنها النفطية جراء سنوات طويلة من العقوبات الاقتصادية، إذ هي بحاجة لاستثمارات تقدر بـ100 مليار دولار، إذا ما أريد وصول الإنتاج إلى سابق عهده قبل فرض العقوبات عام 2011 - 2012، والبالغ 3.5 مليون برميل يوميًا.
 ومن بين العوامل الضاغطة الأخرى، قيام الدول النفطية داخل أوبك والدول النفطية خارجها بالإنتاج بأقصى طاقاتها، فالسعودية على سبيل المثال رفعت إنتاجها هذا العام إلى 10.3 مليون برميل يوميًا، مقارنة بإنتاج يقل عن 9.8 مليون برميل عام 2014، كما أن هناك زيادة في إنتاج النفط العراقي (4.1 مليون برميل يوميًا)، والإماراتي (3.4 مليون برميل يوميًا)، والكويتي (2.7 مليون برميل يوميًا)، والليبي (450 ألف برميل يوميًا).
في المقابل؛ تجاوز إنتاج روسيا 10.7 مليون برميل يوميًا، ما يذكر بإنتاجها أيام الحقبة السوفيتية في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي.
إن هذه المعطيات تحتم التنسيق بين الدول الأعضاء في أوبك والدول المنتجة خارجها للاتفاق على سقف إنتاجي يعيد التوازن بين العرض والطلب.
بيد أن إلقاء اللوم على أوبك لعدم التحرك حتى تاريخه لتخفيض سقف إنتاجها البالغ 30 مليون برميل يوميًا يجافي الحقيقة، إذ أن إنتاج أوبك، اليوم، لا يمثل سوى ثلث الإنتاج العالمي، كما أن تخفيض الإنتاج دون التنسيق مع الدول النفطية الأخرى سيعني خسارة حصتها السوقية لدول نفطية ذات تكلفة إنتاج مرتفعة.
إن قرب عودة الأسعار إلى معدلاتها التي سادت صيف عام 2014– أكثر من 100 دولار للبرميل– لا تبدو ممكنة حاليًا، وهو ما ذهب إليه وزير الطاقة البحريني "إن انخفاض الأسعار الحالية سيستمر لفترة أطول عن فترة الأزمة الاقتصادية السابقة التي جاءت نتيجة لانخفاض الطلب بشكل مؤقت وإن انخفاض أسعار النفط هي قضية عالمية ولا يقتصر تأثيرها على المنطقة فحسب".
وهذه التصريحات تأتي بالرغم من أن هناك إجماعاً بين المراقبين على أن الأسعار وصلت إلى القاع، ومن الممكن أن تسترد شيئًا من عافيتها عند نطاق سعري يتراوح بين 60 و65 دولارًا للبرميل خلال الربع الأول من عام 2016، مع وجود بوادر انتعاش في الاقتصاد العالمي لا سيما الاقتصادات الناشئة في آسيا ومنطقة اليورو والاقتصاد الأميركي.
إن ما تشهده أسواق النفط العالمية اليوم يمكن مقاربتها بما حدث في شهر  أيلول(سبتمبر) 2008 بعد إفلاس بنك "ليمان براذرز" الذي أطلق الشرارة للأزمة المالية العالمية التي عصفت بالاقتصادات الصناعية، وانخفض على أثرها سعر البرميل إلى أقل من 40 دولارًا، إلا أن الانخفاض المذكور لم يدم طويلاً، إذ قررت أوبك في حينها- في قرار تاريخي شجاع- (اجتماع وهران في الجزائر) خفض إنتاجها بشكل ملموس (4.2 مليون برميل يوميًا) كان له أبلغ الأثر في انتشال الأسعار لتحلق خلال أشهر عند الـ 100 دولار للبرميل.
وتأمل السوق النفطية أن يسفر الاجتماع القادم لمنظمة أوبك في مقرها بالعاصمة النمساوية فيينا عن قرار تاريخي، بالتنسيق مع دول نفطية أخرى خارج أوبك بما يعيد التوازن بين العرض والطلب، إيذانًا بانطلاق الأسعار إلى مستوياتها التي سادت قبل أن تهوي في حزيران (يونيو) 2014.
إن التذبذبات الحادة في الأسعار لا تعد "سمة" غير مألوفة في السوق النفطية، إذ تعزز المشاهدات التاريخية عبر العقود الأربعة الماضية من الرأي القائل بأن ديدن الأسعار هو "التأرجح" هبوطًا وصعودًا، إذ ارتفعت الأسعار إلى أكثر من 34 دولارًا للبرميل عام 1979-1980 من معدل دولارين للبرميل عام 1971، واستمر هذا التذبذب صعودًا ونزولاً خلال حقبتي الثمانينيات "الركود التضخمي"، والتسعينيات "الأزمة الآسيوية"، لتشهد بداية الألفية الثالثة استقرار الأسعار عند مدى يتراوح بين 70 و75 دولارًا، وليصل أعلاه في آب(أغسطس) عام 2008 عند 147 دولارًا للبرميل ليهبط إلى ما دون الأربعين دولارًا مع مطلع عام 2009، قبل أن تعاود الأسعار الارتفاع لتصل إلى 115 دولارًا للبرميل في حزيران (يونيو) 2014، ليبدأ منذ ذلك التاريخ رحلة الهبوط، وهي رحلة وفقاً للمعطيات القائمة محفوفة بالمخاطر، وسيطول انتظارها.

*اقتصادي عراقي متخصص في شؤون الطاقة

التعليق