معاذ بني عامر

عن السبات الحضاري والانتحار الوجودي

تم نشره في الجمعة 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 01:00 صباحاً

معاذ بني عامر

(1)
عندما ترتهن أسئلة العقل الجمعي الجديدة حول الله والإنسان والعالَم، إلى إجابات العقل الجمعي القديمة، تدخل الأمة في سبات حضاري عميق. فهي ترهن شرط وجودها إلى شرط الزمن الماضي لا إلى الشرط الحاضر، ولا يعود ثمة معنى لفعلها وتفاعلها مع السياق الحضاري إلا بالاتبّاع لذاك الشرط القديم نظراً لقداسته وطُهريته، أمام دناسة الحاضر وإثمه الأكيد.
وعندما ترتهن أسئلة العقل الفردي حول الله والإنسان والعالم إلى إجابات الغير، تدخل الذات في انتحار وجودي كبير. فهي ترهن شرط وجودها لشرطٍ غيري لا لشرط ذاتي، مما يسلبها قيمتها الوجودية، فلا يعود لها من دور إلا الاتبّاع لا الإبداع.
(2)
في حالة السبات الحضاري، تدخل الأمة في حُلمين صغيرين على المستوى الداخلي، وكابوس كبير على المستوى الخارجي: 1- حُلم في المنام يستحضر جماليات الزمن القديم، ويستعظم القدرة الهائلة التي أوتيت للسلف الصالح لصياغة سياقهم الحضاري وإبداعهم له بما آل إلى مثال يحتذى من البشرية جمعاء. و2- حلم في اليقظة يلعن الخَلَف الذين أضاعوا وصايا السلف الصالح والعالم الجميل الذي بنوه؛ فالارتكاسة الحضارية الآنية هي نِتاج طبيعي لخيانة تلك الوصايا من قبل الأجيال الحاضرة، وعدم تمثّلها وامتثالها لمقاربات تلك العصور المُباركة لله والإنسان والعالم. وفي 3- الكابوس الواقعي الكبير، يتعرّى العقل الجمعي؛ إذ تسقط عنه ورقة التوت الأخيرة. فهو خارج جنّة عدن المزعومة في حلمي اليقظة والمنام، لأن الطوبى الداخلية التي يعيشها عيشة المطمئن تجاه أحلامه الماضوية ويركن إليها ركوناً لذيذاً على المستوى السيكولوجي، والواقع الذي يعيشه عيشة المهزوم حضارياً ويرفضه بصفته مُخالفاً لنواميسه القُدسية، جعلته خاضعاً لمنظومة عُصابية شرخت شرطه الوجودي وجعلته مُستلباً، وموضعته في تهويمات نفسية، لا علاقة لها بشرطه الآني وإمكاناته الإبداعية. وإذا كان ثمة تعاظم بالنسبة للعقل الجمعي في حالته السيكولوجية الناتجة عن تعظيم لإجابات الأسلاف ومنحها حضوراً قُدسياً، فثمة تصاغر أنطولوجي لهذا العقل في حالته الراهنة، ناتج عن شعوره المحطّم بذاته وعدم قدرته على إبداع إجابات جديدة عن أسئلة تقلقه هو لا تقلق الأموات.
(3)
وفي حالة الانتحار الوجودي، تتصاغر الذات الفردية وتتلاشى وتنعدم فاعليتها الوجودية؛ فهي منفعلة بالوجود ليس إلا، ولا معنى لها في هذا العالم إلا بالمعية، عبر الآخرين، اتبّاعاً، فهي مسلوبة الإرادة وغير قادرة على الفعل الوجودي، لأن أي رفع للرأس عبر تداعيات العقل واجتراحاته الذاتية لأسئلة شائكة ومحيّرة حول الله والعالم والإنسان، وتقديم إجابات عليها قدر الإمكان، تستلزم ثمناً باهظاً ستقرّر بموجبه القيمة الفردانية للذات الإنسانية في هذا الوجود، لذا تبقى الرأس منخفضة ومسحوقة أمام إجابات الآخرين والتسليم بها تسليماً سلبياً يسلب الذات الفردية أبسط حقوها. وعليه، تتحوّل الذات الفردية ساعة تُخضع أسئلتها إلى إجابات الغير، من ذات فاعلة بالوجود إلى ذات منفعلة بحادثات الوجود، ويصبح سؤال (الله/ العالم/ الإنسان) الذاتي، سؤالا برسم إجابات الغير الجاهزة والناجزة، لا برسم البحث الذاتي الذي سيولّد لا محالة قيمة الفرد على المستوى الوجودي ويمنحه صفةً تمايزية عن الذوات الأخرى مهما كثرت أو تعدّدت، فهو يُبدع علاقته بالله والعالم والإنسان، بناء على تجربة ذاتية يخوضها من لحظة ميلاده المعنوي -منقطعاً بذلك عن يقينيات السياقات الجمعية التي ينتمي إليها- ولا تنتهي مع لحظة موته المادي، فهي باقية بصفتها تجربة إبداعية خاصة، لا بصفتها تجربة اتبّاعية وما على الآخرين إلا الاقتداء بها اقتداء أعمى.
(4)
إسلامياً، ثمة سبات حضاري عميق على المستوى الجمعي، على اعتبار ارتهان أسئلة هذا العقل حول الله والإنسان والعالم، لإجابات قديمة ما تزال تضغط ضغطاً كبيراً على سياقات الزمن الإسلامي الآني؛ فهو زمن موضوع في تابوت الإجابات القديمة، والخروج منه ذهابٌ إلى المقبرة مباشرة! فالعقل الإسلامي الجمعي عاجز تمام العجز -إلا في بعض الحالات الفردية، والمُحارَبة أصلاً- عن إبداع شرطه المعرفي فيما يتعلق بثلاثية الله والإنسان والعالم، ومنحها مفاهيمية جديدة خارج الإجابات التي قدمها العقل الإسلامي في زمن ماضوي قديم، لذا هو ثابت على المستويين الديني والدنيوي، وعاطل عن إنتاج رؤى إبداعية جديدة، بما يمنح وجوده قيمة حضارية من شأنها نقل البشرية من حالة إلى حالة، والتأشير بقوة على مكامن الإبداع العقلي وقدرته على عمارة الكون وبناء العالم. فالعقل الإسلامي الجمعي خاضع، بطريقة أو بأخرى، لإرهاصات النِتاج المعرفي القديم، وما تزال القضايا المعاصرة بحاجةٍ -في ارتكاسة معرفية كبيرة وإهانة لإمكانات للعقل البشري- إلى تطمينات من الإجابات القديمة، لكي يطمئن هذا العقل على المستويين الدنيوي والأخروي، فهو مُستلب للماضي وعاجز حاضراً وقد يموت مستقبلاً، إذا لم يُسارع إلى اجتراح إجابات جديدة عن أسئلة هذا العقل عن الله والإنسان والعالم.
وإسلامياً -مرة أخرى- ثمة انتحار وجودي على المستوى الفردي، على اعتبار ارتهان أسئلة الذات الفردية لإجابات الذوات الأخرى، بما عطَّل القيمة الوجودية لهذه الذات ومنحها صفةَ التابع لا صفة الأُس الفاعل، الذي يمكن للسياق الإنساني أن يتخلخل من دونه. فالمسلم على المستوى الفردي ما يزال يُتبع أسئلته حول الله والإنسان والعالم إلى إجابات الغير، مُعطلا بذلك محركات البحث عن الحقيقة داخل عقله، فهو يُريد أن يفهم أي إشكال يواجهه عبر الآخرين واتبّاع هداهم، لا عبر بحثه الذاتي والاستنارة بنور معارفه.
(5)
ما بين السبات الحضاري على المستوى الجمعي والانتحار الوجودي على المستوى الفردي، يقف المسلم اليوم على 1- شفا حفرة من التفسّخ والاندثار إذا ما أبقى على وثوقيات إجاباته حول الله والإنسان والعالم، ومنحها طابعاً قدسياً غير قابل لأي إزاحات معرفية؛ أو قد يقف على 2- شفا أمل جديد يمنحه حضوراً حضاريا قوياً، لاسيما إذا ما فعّل أسئلته حول الله والإنسان والعالم، ومنحها طابعاً توالدياً في الزمن والمكان.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مذهل (هشام النعواشي)

    الجمعة 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
    راااائع جداً. الخروج من تابوت التبعية هو الذي سيخرج هذه الأمة من ظلمة التوجس ومن عدم القدرة على التماهي مع ثالوث الحياة؛ الله الانسان العالم.