هكذا يتواصل تهويد القدس للسيطرة على "الأقصى"

تم نشره في الجمعة 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 12:00 صباحاً

أسامة شحادة

"لا معنى لـ"إسرائيل" من دون القدس، ولا معنى للقدس من دون الهيكل"؛ هذا ما قاله ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء للكيان الصهيوني. بل يجب أن ننتبه أيضاً إلى أن اسم الصهيونية مشتق من اسم أحد جبال القدس، لنعرف عمق البعد الديني في الصراع مع اليهود في فلسطين.
ومن أجل هذا الهدف، لم تتوقف الجهود الإسرائيلية والصهيونية للسيطرة على القدس بالكامل منذ هزيمة العام 1948، واحتلال القدس الغربية. وقبل ذلك، في أيام الانتداب البريطاني، كانت هناك جهود ضخمة للتوطن في القدس. ومن أهم المحطات في تهويد المدينة:
أيام الانتداب البريطاني
عقب احتلال الجنرال اللنبي القدس العام 1917، باشر بوضع مخطط للمدينة وتعليمات البناء فيها. وقسم القدس إلى أربعة أقسام: البلدة القديمة وأسوارها؛ والمناطق المحيطة بالبلدة القديمة؛ والقدس الشرقية؛ والقدس الغربية. فمنع البناء في المناطق المحيطة بالبلدة القديمة، وقيد البناء في "القدس الشرقية" ببعض القيود والتعليمات، أما "القدس الغربية" فجعل لها خطة للتطوير!
ثم جاء بعده المندوب السامي الأول، وهو يهودي صهيوني يدعى هربرت صموئيل، حكم بين العامين 1920-1925. وقد أمر ببناء مستعمرات على الهضاب المحيطة بالمسجد الأقصى والقدس، تحولت إلى مستوطنات. واستمر في هذه السياسة حتى بلغت 11 مستعمرة/ ضاحية/ مستوطنة، تواصلت بعده حتى وصلت 16 مستعمرة وضاحيةً العام 1948.
وخلال مرحلة الانتداب، تدفقت هجرة يهودية ضخمة لفلسطين، صاحبها تدفق للأموال اليهودية. إذ يقدر عدد المهاجرين في فترة الانتداب بأكثر من 480 ألف يهودي، بحيث ارتفعت نسبة اليهود في فلسطين من 8 %، أو 55 ألف يهودي بحسب أول تقدير سكاني جرى في فلسطين العام 1914 أيام الحكم العثماني، إلى 31.5 % أو 650000 يهودي مع نهاية مرحلة الانتداب.أما الأموال اليهودية التي ضخت في فلسطين في تلك المرحلة لتثبيت هجرة اليهود، فتقدر بـ50 مليون جنيه فلسطيني بين العامين 1921-1935، فيما كانت موازنة حكومة فلسطين مليوني جنيه فلسطيني. وفي زمن الانتداب أيضا، أقيمت الجامعة العبرية في القدس. وقد وضع حجر الأساس لها حاييم وايزمان بحضور اللنبي العام 1918، وافتتحها بلفور العام 1925.وهذه السياسات الخبيثة ولدت نتائج على الواقع زادت من نسبة اليهود في القدس من حيث السكان ومن حيث المساحة، وأصبحوا هم الأكثرية!
مرحلة احتلال القدس الغربية العام 1948
قام اليهود بالانتهاكات والاعتداءات كافة التي يمكن تخيلها لتفريغ القدس من أهلها. ومن بعض جرائمهم بحق المقدسيين:
- قام اليهود فور احتلالهم للقدس الغربية بتهجير 60 ألف مقدسي من بعض أحياء المدينة، مثل حي البقعا الفوقا والتحتا، وحي مأمن الله، والقطمون والطالبية وغيرها، وسلمت منازلهم للمهاجرين اليهود الجدد، وتم تغيير أسماء هذه الأحياء لأسماء يهودية.
- تمت مصادرة أراض كثيرة بآلاف الدونمات من القرى المجاورة للقدس، وأنشت عليها مؤسسات يهودية، مثل قرية لفتا التي أقيم الكنيست على أرضها المصادرة. وأقيم على هذه الأراضي المنهوبة والمسروقة 50 مستوطنة يهودية حول القدس.
مرحلة احتلال القدس الشرقية العام 1967
في هذه المرحلة، تمت لليهود السيطرة على كامل القدس وفلسطين، وواصلوا سياساتهم الإجرامية بحق الشعب الفلسطيني وأهل القدس على وجه التحديد، من أجل تفريغ فلسطين والقدس من أهلها من العرب المسلمين والمسيحيين. ولليوم، تتزايد هذه الجرائم التي لا يكفى مقال لحصرها. مباشرة، عقب النكسة، وحدت إسرائيل شطري القدس تحت سيطرتها، وألحقت القدس الشرقية بمؤسساتها الرسمية وفكفكت المؤسسات الفلسطينية هناك لتهويدها. وفي العام 1980، أعلنت عاصمة موحدة أبدية لإسرائيل. أيضاً، قام اليهود بالاستيلاء على حائط البراق من المسجد الأقصى، واحتلوا حارة المغاربة وأزالوها من الوجود وحولوها لساحة أمام حائط البراق. وما تزال الاعتداءات على "الأقصى" مستمرة بسرقة بعض أجزاء منه بجوار حائط البراق، أو بالحفريات تحته، أو باقتحام المستوطنين والجيش للساحات والمسجد القبلي. وأكبر جريمة كانت إحراق المسجد القبلي العام 1969. وقام اليهود بتوسيع مساحة القدس من 30 كيلومترا مربعا إلى 104 كيلومترات مربعة، عبر مصادرة أراضي 28 قرية فلسطينية حول القدس من أراضي الضفة الغربية. ثم زادت سرقة الأراضي الفلسطينية، فصارت مساحة القدس 126 كيلومترا مربعا، أقيم عليها المزيد من المستوطنات والمؤسسات اليهودية. أما بشأن الفلسطينيين في القدس، فقد عمد اليهود إلى تهجيرهم وطردهم، واتخذوا قرارا بأن لا تزيد نسبة العرب في المدينة عن
 22 %، وعمدوا لفرض ذلك عبر سياسات اقتصادية ومعيشية خانقة وطاردة، منها:
- فرض ضرائب باهظة على المتاجر والمصانع العربية، وتعقيد إجراءات أخذ رخص تجارية، وعدم توفير مناطق جديدة للأسواق والحرف، مع تقديم التسهيلات كافة لهم في مناطق خارج القدس! ومنذ العام 1999 فقط، أغلق في القدس أكثر من 5000 منشأة عربية.
- أيضا كان هناك تعمد لعدم تقديم خدمات بلدية للأحياء الفلسطينية في القدس. ولذلك، فإن البنية التحتية للبلدة القديمة وأحياء العرب متهالكة اليوم، مما يصعب ظروف العيش الصعبة أصلا! مع إلزام المقدسيين بدفع الضرائب المرتفعة، ومن يرفض تسحب هويته المقدسية ويطرد منها! وكذلك الزامهم بمظلة التأمين الصحي والاجتماعي الباهظ، مما أفقد الآلاف وظائفهم!
- إصدار قوانين جائرة بسحب الهوية المقدسية من كل مقدسي يغادر القدس 7 سنوات متصلة ولو داخل فلسطين، أو يتجنس بجنسية أخرى، أو حصل على إقامة في بلد آخر!
- تعقيد منح الفلسطينيين رخص البناء في القدس، كما ترميم منازلهم، أو الإضافة إليها، لإجبارهم على مغادرة القدس. وهو ما أجبر الكثيرين على السكن في أوضاع مأساوية، لا تتحملها الزيادة الطبيعية لنموهم. ولا يجد الشباب والشابات منازل للسكن، إلا بمخالفة التعليمات والبناء من دون رخصة، مما يعرض البيت وأهله للطرد والهدم! حتى أصبحت رخص البناء الممنوحة للمقدسيين تساوى تقريباً عدد المنازل التي يطالها الهدم اليهودي الجائر، مما يديم حالة المعاناة والظلم. فبين العامين 2004-2014، تم تهجير 2028 مقدسيا بسبب هدم منازلهم، منهم 1118 قاصرا، ومنهم 59 مقدسيا هدموا منازلهم بأيديهم حتى لا يدفع كلفة ضخمة لو هدمتها البلدية!
- تشير تقارير نشرت العام 2014، إلى أن 79 % من المقدسيين العرب تحت خط الفقر، و40 % من أطفالهم يغادرون مقاعد الدراسة، مما يخلق بيئة محطمة، يعمد اليهود إلى تسهيل تجارة المخدرات فيها، لقتل الروح الوطنية وزيادة المعاناة!
- إقامة الجدار العازل الذي عمل على ضم كثير من المستوطنات للقدس، وطرد الكثير من الأراضي العربية منها، بينهم آلاف المقدسيين! هذا فضلاً عمن بقي مقدسيا لكنه خارج الجدار، فيحتاج لعبور الجدار إلى قضاء 3-4 ساعات يومياً على طابور التفتيش في الدخول ومثلها في الخروج!
وما تزال معاناة المقدسيين قائمة؛ من مصادرة أملاكهم ومنازلهم في البلدة القديمة وحولها. فحي جراح وقرية سلوان مهددان بالمصادرة حالياً. كما أن الكثير من الأوقاف الإسلامية والمسيحية تتعرض للعدوان والمصادرة.
إن ما يتعرض له أهل القدس هو جرائم ضخمة جداً، لا تجد من يردعها. وكل ذلك من أجل وصول اليهود لغايتهم الكبرى بالاستيلاء على المسجد الأقصى وهدمه وبناء الهيكل المزعوم. فهل نبقي نتفرج، أم ننهض لنصرة المظلومين في القدس؛ بتثبيتهم فيها ورفع الظلم عنهم بكل وسيلة مشروعة؟

التعليق