محمد أبو رمان

المشاعر وحدها لا تكفي!

تم نشره في الجمعة 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 01:10 صباحاً

يتداول شباب أردنيون فكرة لمبادرة تأخذ، لاحقاً، طابعاً عربياً إسلامياً، وتقوم على الدعوة إلى استبدال كلمة "ISIS" (الاختصار المتداول في الأوساط الإعلامية والسياسية والأكاديمية في الغرب لتنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" باللغة الانجليزية)، بكلمة "NISIS"، أي "ليست الدولة الإسلامية" (Non Islamic State)؛ من أجل نزع الشرعية الدينية والرمزية عن هذا التنظيم، بخاصة بعد الأحداث الإرهابية الأخيرة في باريس.
الفكرة، من حيث المبدأ، جميلة. وتهدف إلى حماية صورة الإسلام وروحه من اختطاف تنظيم "داعش" لمفهوم الإسلام وتشويهه عالمياً بهذه الأعمال، بخاصة أنّ المواطنين في الغرب يظنون أنّ هذا هو الإسلام، وهو ما ينعكس على مواقف عدائية ضد القرآن والدين والمسلمين هناك.
لكن بالرغم من هذه النوايا والمشاعر الطيبة والجميلة من هذا الشباب الأردني، إلاّ أنّ علينا أن نكون أكثر صراحةً مع أنفسنا، وأكثر جرأة في نقد الذات والتفكير بعمق المشكلة عند التفكير في هذه المبادرة التي نجدها تهدف إلى مخاطبة المجتمع الغربي، حتى على صعيد اللغة المستخدمة؛ وهذا ليس خطأ بالطبع، لكن المطلوب أن يكون هناك وعيٌ بأنّ صورة الإسلام وروحه وتعاليمه وفلسفته هي أيضاً مشوشّة لدى المسلمين أنفسهم بسبب هذا التنظيم، وما يقوم به من أعمال، وما يجترحه من فتاوى، من زاوية؛ كما بسبب الصراع الطائفي الذي دفع بكلتا الفئتين الكبيرتين المسلمتين، السنة والشيعة، إلى أحضان الخطاب الانفصالي الاتهامي المتبادل!
المشكلة، إذن، ليست فقط في صورة الإسلام في الغرب، بل هي في الداخل أولاً، وقبل كل شيء. وقبل أن نبدأ عملية التفكير النقدي الذاتي، التي من الضروري أن يتمخض عنها مشروع إصلاح ديني وثقافي جذري، فإنه لا يمكن أن نعدّل الصورة في الغرب عبر تحوير الكلمات فقط، مع الاعتراف بأنّها مبادرة طيبة وجيدة، لكنّ القصة أكبر من ذلك بكثير!
لم تمر على تاريخ المسلمين لحظة يواجهون فيها ارتباكاً كبيراً في تحديد علاقتهم بدينهم مثل هذه اللحظة. فداعش هو تحدٍّ حقيقي، ليس على صعيد أمني واستراتيجي فقط، بل على صعيد رمزي وديني وفقهي وفكري. وإذا أردنا أن نتجاوز ذلك إلى القول الصريح السافر، فإنه يحرج الفقهاء والعلماء والحركات الإسلامية، لأنّه يضعهم أمام "مدونة الفقه الإسلامي" التاريخية، التي ينهلون منها، ولم يجرِ تطويرها بما يتوافق مع مقاصد الشريعة وروح العصر ومنطق التجديد والإصلاح.
إذا عدنا إلى الكتاب الفقهي المعتمد لدى "داعش"، وهو "مسائل في فقه الجهاد" لمؤلفه أبي عبدالله المهاجر، ويطلق عليه تندّراً "فقه الدماء"، فإنّه كتاب مريع مرعب لما يحمله من فتاوى دموية تفتح الباب لمجازر حقيقية، وهو الذي يفسر لنا مرجعية من قاموا بعمليات باريس والطائرة الروسية والضاحية الجنوبية وغيرها من أعمال. لكن أخطر ما في الكتاب أنّه لا يخرج بحرف واحد عن "مدونة الفقه الإسلامي"!
صحيح أن هناك انتقائية واجتزاء وتوظيفا لهذه الآراء والفتاوى بما يخدم المنهج السياسي لهذا التيار، إلاّ أنّ ذلك لا ينفي أنّنا بحاجة إلى غربلة حقيقية للمدونة الفقهية الإسلامية والفكر الإسلامي، وثورة حقيقية مفاهيمية في المدونة الفقهية، يشارك فيها علماء وفقهاء ومثقفون، على خطى الإمام محمد عبده، الذي لو قدّر لمشروعه أن يعمّ وينتشر لكان بالفعل بمثابة ثورة داخلية حقيقية.
من الضروري التأكيد، مرة أخرى هنا، على أنّ مثل هذه الثورة لا تواجه تيارا جامدا مرتجفا من كلمة التجديد والإصلاح، في الأوساط الدينية، بل الظروف السياسية في الدول السلطوية العربية التي تدفع بالشباب إلى أحضان هذه الحركات المتطرفة وتغلق أمامهم الآفاق، بدلاً من تعزيز النزوع نحو الاعتدل والابتكار والتطوير!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وماذا عن ابن تيمية و ابن القيم (فراس زهير)

    الجمعة 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
    و من اين استقى ابي عبدالله المهاجر قهقهه الذي الفه في كتابه ، هي من فتاوى ابن تيمية و ابن القيم و الذي استقى منهم محمد ابن عبد الواهاب كذلك فتاويه التي تطبق في عدة بلاد عربية.
  • »اصبت (خلدون)

    الجمعة 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
    اصبت في مقالك، نعم ما نحتاجه هو ثورة على التاريخ الفقهي الصلب، و اعادة دويره بما يخدم العصر.
    بالمختصر نحن نحتاج "Non islamic state" و اضيف عليها "counties". بمعنى اخر فصل الدين عن السياسة القذرة
  • »كتب التراث (أبو احمد)

    الجمعة 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
    كل ما تفعله داعش موجود في كتب التراث وكتب الفقه ولنكن صريحين مع أنفسنا ونعيد فتح باب الاجتهاد