مقابسات في جديد "الخطاب الدينيّ" وتجديده (1)

تم نشره في الجمعة 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 12:00 صباحاً

د. نارت قاخون

سئل "ناقدٌ" عن رأيه في "مهرجانات الشعر وأمسياته"، فقال: ما أكثر "الشعراء"، وما أقلّ "الشعر"!
وبالقياس، هل يصحّ القول: "ما أكثر "دعاة التجديد"، وما أقلّ "التجديد"؟!
كثُر الحديث عن "التجديد"، فنجد عشرات المقالات والكتب والأبحاث تحمل عناوينها "قضايا تجديد الخطاب الدّيني"، وما يمسّها من قضايا تتوزّع بين "تجديد الخطاب"، و"إنشاء خطاب جديد"، وتتداخل فيها أسئلة التجديد والجديد مع أسئلة الاجتهاد وفتح أبوابه، والتقاليد والتقليد وكسر قيودهما، حتى صار الخوض في "التجديد" قرينَ سؤال عنترة القديم:
هل غادر الشعراء من متردَّمٍ   
أم هل عرفتَ الدّارَ بعد توهّمِ؟
فهل ستأتي مقالات أسبوعيّة في صحيفة يوميّة بما لم يأتِ به الأوائل والأواخر؟
لن أدّعي، ولن أزعم، ولكن سأقدّم سلسلة مقالاتٍ تطرح الأسئلة وتمتلئ بها، تحاول التأصيل والتدليل والتمثيل، ثمّ تقترح إجابات خاضعة للاختبار والتقويم؛ مقالات تتحدّث في "التجديد" وعنه، ولكنها لا تقف عند ذلك، بل تقترح نماذج من "التجديد" و"الجديد" في الخطاب الدّينيّ ومستوياته المتعدّدة.
وقبل البحث في "الخطاب الدّينيّ" وسؤال "التجديد" وضرورته ومستوى "التجديد" المطلوب، فإنّ سؤالاً أوليّاً يلزم منهجيّاً، وهو: "ما مدى الحاجة الحقيقيّة لـ"الخطاب الدّيني" نفسه؟"، قبل سؤال الحاجة إلى تجديده أو إنشاءٍ جديدٍ؛ فوجود الشيء ابتداءً هو فرع لقيمة وجوده، والوظائف التي يؤديها من وجوده.
موقع هذا السؤال سابقٌ لأسئلة دعاة التجديد وحرّاس التقاليد. وهو سؤال يُطرح في سياق "فلسفة الدين" و"علم اجتماع الدّين" و"علم نفس الدّين"، بين فريقين: الأوّل، مَن يرى "التجربة الدّينيّة" تجربة إنسانيّة خالصة، أنشأها بخبرته وتجربته في محاولة منه للإجابة عن أسئلة الكون والحياة والإنسان. فيكون "الدّين وخطابه" استجابة وظيفيّة لحاجات الإنسان والمجتمع، يُمكن له أن يُراجع حاجته إليه إذا تغيّرت أحواله وتطوّرت في آفاق إجابات أخرى، بل يُمكن التخلّي عنه كليّاً. والفريق الثاني، مَن يرى "التجربة الدّينيّة" إلزاماً وتوجيهاً إلهيّاً، وهي تَمثُّلٌ لـ"الدين" الذي أنزله الله خالق الكون والإنسان برسالات وكتب مقدّسة لهداية الإنسان وإرشاده، يتفاعل مع "الخبرة الإنسانيّة" من دون أن يفقد قوّته الإلزاميّة.
هذا سؤال لازم منهجيّاً ومعرفيّاً، ولكنه يقبل التجاوز الإجرائيّ إذا ما انتقلنا به إلى حيّز الجماعات المؤمنة بالأديان بوصفها رسالاتٍ سماويّة إلهيّة، وهذا ما سأقوم به، مُضيفاً نقلة ثانية، وهي وضعه في حيّز المجتمعات المؤمنة بـ"الإسلام" رسالة سماوية خاتمة.
هذه النقلات لا تنفي الوجاهة المعرفيّة لأسئلة الفريق الأوّل بأيّ شكل من الأشكال، ولكن قد يكون -في البحث المعرفيّ- أوّل الأسئلة آخرَها إجابة، ففي الفكر والفلسفة والثقافة ليس "الخط المستقيم" هو أقصر طريق وصول بين نقطتين دائماً.
إذن، ننتقل إلى "أسئلة التجديد" بوصفها فروعاً عن أسئلة المؤمنين بالإسلام وخطاباته. فحين نقول: ضرورة "تجديد الخطاب الدّينيّ" فإنّ ذلك يعني:
1. أنّ الخطاب الدّينيّ السائد الموروث لم يعد يفي بمتطلّبات المؤمنين به أفراداً وجماعات، وفقد القدرة الكافية والوافية للإجابة عن الأسئلة التي تفرضها هذه المتطلّبات.
وهذه المتطلّبات قد تكون "ضروريّة"؛ أي لا تقوم الحياة إلا بها، أو "حاجيّة" لا تنمو الحياة وتتطوّر إلا بها، أو "تحسينيّة" لا تحسن الحياة ولا تجمل وتسهل إلا بها. وهذه تقسيمات معروفة في علم الأصول وعلم المقاصد، وما أريده منها الآن هو تقسيمها وتوصيفها لا ما استقرّ عند الفقهاء من تعيينها.
2. أنّ الخطاب الدّينيّ السائد الموروث وإن لم يعد وافياً بتلك المتطلّبات بفروعه وتطبيقاته، إلا أنّه يحمل من التكوين الأصوليّ الثبوتيّ ما يجعله قابلاً للتجديد من دون الحاجة إلى إزالته والانتقال إلى إنشاء خطاب جديد كليّاً.
وفي النقطة الثانية يكمن الفرق بين الدّاعي إلى "تجديد الخطاب الدّينيّ"، والدّاعي إلى "إنشاء خطاب جديد"؛ فالأوّل يرى "الخطابات الدّينيّة" الموروثة رغم حاجتها للتجديد فإنها ما تزال تحمل ممكنات التغيير فيها من دون الحاجة إلى إنشاء جديد ينفصل عن الخطابات الموروثة تأصيلاً وتفريعاً، وهذا يشبه تجديد البيت القائم بإعادة تقسيم غرفه، أو تغيير ألوان جدرانه ومنافعه وأثاثه وتحديثها. والثاني يرى أنّ "الخطابات الدّينيّة" الموروثة فقدت القدرة على الوفاء بمتطلّبات الزمان والمكان والإنسان في "بنيتها" و"تأسيسها"، فهي تحتاج إلى "إزالة" و"إقامة بناء جديد"، وهذا يشبه بناء بيت جديد.
والذي يُحدّد اختيار أحد هذين الخيارين هو تقويم قدرة البيت "القديم" على الوفاء بالمتطلّبات الجديدة. فإن كان قادراً وبكفاءة عالية، فقد لا يكون مطلوباً حينها هدم هذا البيت وبناء بيت جديد محلّه، وإن لم يكن فلا مناص من إنشاء بيت جديد.
إذن، ينبغي أن تكون النقطة الأولى محلّ البحث والتحرير والتأصيل، فهي نقطة الاتفاق بين دعاة "التجديد"، ودعاة "الجديد"، ولكن باختلافهم في توصيفها تختلف مقترحات حلولهم. وعليه، فإنّني أرى أنّ هذين الفريقين ينبغي أن يحرّرا المسائل الآتية المنضوية في هذه النقطة، وهي:
1. صحة فهم الخطاب الدّينيّ الموروث وعمق تصوّره، ليس فقط في المشهور منه في وسائل الإعلام والمنابر، بل في مظانّه وممكناته الحقيقيّة المتنوّعة. فمن أراد "التفكير خارج الصندوق"، لزمه أن يعرف حقيقة ما في "داخل الصندوق" أوّلاً، فإنّ القول بعدم وفاء الموجود الموروث من دون فهمه بتجليّاته المختلفة، ومنجزاته السابقة، يشبه تشخيص الحالة الصحيّة لمريض بالاكتفاء ببعض الأعراض من دون إجراء الفحوصات الكاملة، والاختبارات الدقيقة، ممّا يؤدّي إلى خطأ التشخيص. فقد يكون "عدم الوفاء بمتطلّبات العصر حضارة وإنساناً" نتاج سوء فهم لهذا الموروث، أو نتاج تشويه أصابه من "دعاة" زعموا فهمه وهم لم يفهموه، أو غيّبوا كثيراً من ممكناته جهلاً أو تجاهلاً. وبالاستعانة بمثال "البيت" أقول: هل نقبل دعوى أحدهم أنّ بيتاً مكوّناً من غرف كثيرة وطوابق متعدّدة وأساسات ما تزال فيها قوّة وصلابة، لم يعد وفيّاً بمتطلّبات سكانه، لأنّ بعض "ساكنيه" تركوا كلّ الغرف وفضاءاتها ليسكونوا "بيت الدرَج" المظلم؟
المشكلة حينها ليست في البيت، بل فيمَن سكنوا "بيت الدرج"، ويصرّون على أنّ البيت كلّه باتساعه لا يُسكن إلا حيث سكنوا هم.
2. صحة الفهم والتّصوّر وعمقهما لمتطلّبات إنسان عصرنا ومجتمعاته وسياقاته الحضاريّة الماديّة والمعنويّة. وهذا الفهم مطلوب لذاته، كما هو مطلوب لفهم الحاجة إلى "تجديد الخطاب الدّيني" أو "إنشاء خطاب جديد". فمتطلّبات العصر لا تُعرف بالحدس و"التأمّل" و"التمنّي والتوقّع"، بل بالدراسات العلميّة الجادّة التي تكشف عن أسباب التحضّر والتقدّم في الأمم، وتدرك تحوّلاتها وتحدّياتها وممكناتها في كلّ عصر.
وهنا يلزم من صحة الفهم في النقطتين السابقتين أن ندرك الحجم الحقيقيّ لأثر "الخطاب الدّينيّ" قديماً وتجديداً في "النهضة الحضاريّة"؛ فالدين وخطابه "جزء" من منظومة الفكر الحضاريّ لا كلّها، وعلاج "الخطابات الدّينيّة" سبب من أسباب "استئناف الفعل الحضاريّ" لا السبب الوحيد الكافي. وعدم الوعي بهذه الحدود والتداخلات يوقع في تطرّفين متضادّين؛ حصر أسباب "التقدّم" في "الدّين وخطاباته"، وحصر أسباب "التخلّف" فيه أيضاً.
3. القدرة على تقديم بدائل حقيقيّة تجمع بين الصحة والمقبوليّة العلميّة والإصلاح الحضاريّ من جهة، وتجاوز مشكلات الأنماط السائدة وإغناء الآفاق من جهة أخرى؛ فنحن لسنا بحاجة إلى تجديد يُخرجنا من تحت "الدلف" إلى "المزراب"!
إنّ التفاوت والاختلاف في هذه النّظر إلى هذه المسائل هو ما يميّز الدعوات سواء كانت لتجديد الخطاب الدينيّ، أم لإنشاء خطاب جديد، ويضعها في سياقها الحقيقيّ المنبثق من حسن الفهم والتصوّر لمكوّنات هذا السياق.
سأتناول في مقالات مقبلة قضايا تمسّ الجوانب "العقديّة" و"الفقهيّة" و"السلوكيّة" و"المنهجيّة" تنضوي تحت أسئلة "التجديد" وتتقاطع مع مفهوم "الاجتهاد" و"التقليد" و"المذاهب" والخبرة الدّينيّة في حيّزها الفرديّ وحيّزها العموميّ، إنطلاقاً من أنّ "وعود الدّين" بـ"الحياة الطيّبة" تستحقّ الوفاء بالدنيا لا الآخرة، وأنّ "الجنّة الموعودة" ليست تلك التي يدخلها النّاس بعد "الموت" وحسب، بل هي من "معاشات الدنيا" أيضاً، فـ"الدنيا" هي محلّ اختبار "الدّين وخطاباته".

التعليق