زليخة أبوريشة

الدولة تُميّز

تم نشره في الثلاثاء 1 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:03 صباحاً

أيّ وثيقة تصدرُ عن الدولة هي موقفٌ يعبّر عنها من "راسها لأساسها". ولذا فإنّ "البوستر" الذي نُشر بخصوص التعداد السكانيّ (سنغفلُ الملاحظات التقنية والفنية التي تُعيق جعله وسيلةً نافعة للهدف المعلَن)، يحتوي على موقفيْن أيديولوجيَّيْن غريبين لا يمكن أن يمرّا دون التلبّث عندهما وكشفهما على ملأ.
الأول: توجيه الخطاب إلى الذكور دون الإناث "أخي المواطن أخي المقيم" دون أدنى ذكر لأختي المواطنة ولأختي المقيمة! حيث استنتج المواطنون والمواطنات على وسائل التواصل الاجتماعيّ -ساخرين- أنّ الذكور هم فقط المعنيين بالتعداد، وأن النساء يستطعن الخروج في "شطحات" في أرجاء الوطن الحنون. ولا يقولنَّ أحدٌ في مؤسّسة الإحصاء أو في وزارة التخطيط إن المقصود بكلمة "مواطن" المواطِنة أيضاً، فتلك سذاجةٌ لغويّة تجاوزناها منذ نادينا بالإفصاح عن التأنيث وحذَّرْنا من مغبّة محوه في الوثيقة الرسميّة والخطاب الرسميّ وغير الرسميّ، واعتبرنا هذا المحو اللغوي تمييزاً فاضحاً ضدّ النساء. فمن قبل كتابنا "اللغة الغائبة: نحو لغة غير جنسويّة" الذي صدر العام 1996، وفيه، وبعده، كم لفتنا إلى ما يعنيه توجيه الخطاب إلى الذكور فحسب، من إقصاءٍ أيديولوجيّ للمرأة من الحياة العامة، وحبسها في مهمات نمطيّة خارج المهمات الوطنية والإنسانية الملقاة على عاتق كلّ من النساء والرجال لبناء المجتمع، وتحديثِ رؤاه. وسأزعم أننا أضفنا إلى القاموس الأدبيّ والصحفيّ في الأردن مصطلحاً جديداً شاع، كان نحَتَه قبلي وصكَّه المفكرُ السوريّ أبوعلي ياسين، وأقصد به مصطلح "الجنسوية" الذي يعني التمييز بين الناس على أساس الجنس.
كل ذلك لأقول إن الدولة لا تستطيع بعد اليوم أن تتجاهل في وثائقها وفي خطابها النساء أو التأنيث، وإلا كان جهادُ المرأة لنيل حقوقها وتحقيق ذاتها لا يقابله من الدولة إلا النكران، ويجعل من جميع "طنطناتها" عن وضع المرأة وإنجازاتها في الأردن محضَ ادعاءات وأمنيات كاذبة.
أما الموقف الأيديولوجيّ الثاني المعيب في "البوستر" الحكوميّ فهو القول بأنّ "المشاركة في التعداد واجب وطنيّ ودينيّ"! ويستطيعُ أيّ عاقل وعاقلة أن يريا ما في هذه العبارة من رياءٍ، ليس فقط أنه لا يليقُ بدولةٍ تحترم نفسها، بل لا يليقُ حتى بدعاية انتخابيّة لنائب أو نائبة محترمين. فبالإضافة إلى البعد الفقهيّ المزيّف للعبارة، فإنها جملة تعبّر عن محاولة الموقف الرسميّ استعمالَ الدين سياسيّاً ونفعياً وبراغماتيّاً مثل أي فريقٍ إخوانيٍّ أو سلفيٍّ متأسلم. بل إنها تزايد عليهم في لهاثهم لخلق غمامةٍ ثقيلةٍ تحجبُ عن الناس النظر الى الواقع والتعامل معه. بل إنها تدخل مع هؤلاء مباراةً لتأكيد أن يحكمنا التفسيرُ الدينيّ الأحاديّ، وأن يتدخَّل في أبسط شؤوننا الدنيويّة المحضة. وإلا ما علاقة الدين بالتعداد السكاني؟ مثلما ما دخل الدين مثلاً في دروس العلوم البحتة في الكتاب المدرسيّ؟ إذ أن الدولة بمعناها الحكوميّ، تخرقُ ما نرفوه، بل توسِّعُ الخرق حتى يتّسع على الراتق! فهي إذ لا تبني بهذا مفهوم المواطنة والوطن، فمن سيبنيه إذن؟
ومن ناحية أخرى، يبدو أنّ هذا الشعار الدينيّ المفتَعَل يضربُ بعرضِ الحائط بالدستور الذي ينصّ على أنّ الأردنيين جميعاً سواء أمام القانون ولا يجوز التمييز بينهم على أساس الدين.
دعونا لا نفقد الأمل...!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المسؤولية الوطنية (هاني سعيد)

    الخميس 3 كانون الأول / ديسمبر 2015.
    تقوم الدول الحديثة على اسس موضوعة راسخة نابعة من صميم الفكر الواعي المتفتح على كل الامور الذي تهم المصلحة التامة النابع من الخبرة العملية الذي تهدف في النهاية الى مصلحة المواطنين جميعا بدون استثناء بما يضمن لهم حقوقهم لقاء ما عليهم من واجبات وطنية تصب كلها لمصلحة الوطن وتظهر بشكل قوانين تخدم كل شرائح الوطن
    بدون استثناء فالكل متساوون لأن قضية التمييز تضر مصلحة الوطن وتعكر صفوه وتعيق تقدمه
    والعجيب ان ذلك شيئا مثاليا ولا يتوفر حتى في اكثر الدول تقدما فلا بد ان تلمح بعضا منه بشكل او باخر وبمقادير متفاوته من بلد الى أخر ولكن تظهر بشكل واضح في بعض البلاد بشكل منفر ومستفز وباسلوب عنصري يبعث على القلق في تلك المجتمعات مما يعيق تقدمه وازدهاره
  • »حتى في الدستور (الفرد عصفور)

    الأربعاء 2 كانون الأول / ديسمبر 2015.
    يجب تعديل المادة رقم 6 من الدستور بحيث تحذف عبارة امام القانون وتضاف في نهاية المادة بعبارة وهم امام القانون سواء ويصبح النص كما يلي: الاردنيون متساوون لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وان اختلفوا في العرق او اللغة او الدين وهم امام القانون سواء. النص الاصلي يوحي ان الاردنيين امام القانون فقط متساوين وفيما عدا ذلك فحدث ولا حرج