الجريمة التي لم تحل في الضفة: كلفة فشل إسرائيل بتحقيق العدالة للفلسطينيين

تم نشره في الثلاثاء 1 كانون الأول / ديسمبر 2015. 12:00 صباحاً
  • الرضيع الفلسطيني علي دوابشة الذي أحرقه المستوطنون حياً في قرية دوما - (أرشيفية)

جوشوا ميتنيك - (كريستيان سينس مونيتور) 23/11/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

لم توجه إسرائيل اتهاماً لأي أحد حتى الآن في قضية مقتل زوجين فلسطينيين وابنهما في الصيف الماضي. وهو نمط من الفشل الذي ينظر إليه على أنه يساعد في صب الوقود على نار موجة من الهجمات العنيفة.
  *   *   *
دوما، الضفة الغربية- في مركز هذه القرية الفلسطينية التي ستكون وادعة لولا ذلك الحادث، ما يزال الحزن العميق يخيم بظلاله السوداء على مدخل المنزل؛ حيث أفضى حريق متعمد أشعله مستوطنون في الصيف الماضي إلى إزهاق أرواح سائد ورهام الدوابشة، وأحد نجليهما، الطفل علي. وقد مرت شهور طويلة على الحادثة، بدون أن توجه إسرائيل أي اتهام للقتلة، بينما تستمر المشاعر في دوما في التأجج.
يقول محمد دوابشة، بينما تغرورق عيناه بالدموع في مجلس عزاء على بعد بضعة أمتار من المنزل المحروق: "كيف تتوقع أن يكون شعوري عندما يتحرك قتلة ابني وحفيدي بحرية؟ لو أن العكس حدث لكان الإسرائيليون قد دمروا دوما" من أجل تحديد مكان الجناة.
أصبح الضحايا الثلاث من عائلة الدوابشة رمزاً مباشراً لانعدام الحيلة الفلسطينية في وجه حملة الإرهاب التي يشنها عليهم الأشرار الإسرائيليون. وفي الأثناء، ألهب فشل إسرائيل في النظر في القضية حتى اللحظة إحساس الشعور بالإهانة وعدم المساواة أمام القانون، وهو ما كان سبباً في الموجة اللاحقة من أعمال الشغب وحوادث الطعن وإطلاق النار الفلسطينية. وكان 16 إسرائيلياً وحوالي 90 فلسطينياً -أغلبهم مهاجمون، وفق إسرائيل- قد قتلوا في العنف الأخير الذي تزامن مع نزاع متجدد حول الوصول إلى الموضع المقدس في القدس. وكان مراهق أميركي يهودي من بين الضحايا أيضاً.
في وسائل التواصل الاجتماعي، نُشرت صور قتلى عائلة الدوابشة مع الهاشتاغ "أحرقوا الطفل". وقال وزير الدفاع الاسرائيلي، موشي يعالون، إن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تعرف هوية مهاجمي دوما، لكنها تفتقر إلى أي دليل يثبت الاتهامات. وأفضى التباين بين هذا الرد وبين الملاحقة الإسرائيلية الشرسة في العادة وحالات الاعتقال السريعة للمتشددين الفلسطينيين إلى تفاقم الإحساس بالإهانة.
تقول منظمات حقوق إنسان إسرائيلية إن قضية دوما تتطابق مع النمط الثابت من فشل إسرائيل في ملاحقة جرائم قومييها ضد الفلسطينيين -حيث تقول مجموعة إن واحدة فقط من كل 50 قضية تنتهي إلى إدانة- ويقر خبراء الأمن الإسرائيليون إن هذا الفشل يشكل محركاً دائماً للعنف الفلسطيني.
يقول داود كتاب، الصحفي الفلسطيني المقيم في عمان "إن الفلسطينيين يستخدمون هذا الأمر كمانعة صواعق. إنه موجود في الملصقات ورسومات الجدران وأعمدة الصحف. وقد أثر في مشاعر الكثير من الناس، خاصة بين الشباب. رأوا الإسرائيليين يقفون إلى جانب المستوطنين ويفتقرون إلى التصرف كقوة مسيطرة -لا بل يدافعون عما هو غير قابل للدفاع عنه".
"لا أحد يعاقب المستوطنين"
انضم الحنق بسبب قضية دوما إلى قائمة من مواطن المعاناة الفلسطينية الأخرى بسبب الشعور بنوعية العدالة غير المتساوية التي تطبقها إسرائيل، سواء كان ذلك في الاستخدام المتصاعد لهدم المنازل بشكل حصري ضد الفلسطينيين، أو بإبداء المرونة مع الجنود الإسرائيليين المهتمين بظلم الفلسطينيين، أو التمدد التدريجي للمستوطنات اليهودية داخل الأراضي الفلسطينية.
في حادث شغب أعقب هدم منزل فلسطيني في مخيم للاجئين في مدينة رام الله في الضفة الغربية، ذكر رماة الحجارة المقنعون عدم تحقيق العدالة بشأن جريمة القتل في دوما وهم يواجهون قنابل الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت التي يطلقها عليهم جنود حرس الحدود الإسرائيليون.
وقال جمال السيلاوي، طالب الجامعة: "إلى متى نتحمل هذا السلوك؟ لقد قتلوا عائلاتنا في غزة وفي دوما وفي الضفة الغربية، ولا أحد يعاقب المستوطنين الذين يقتلوننا. يجب علينا الاستمرار في المقاومة".
يقول رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وغيره من القادة الإسرائيليين إن الدافع الرئيسي للموجة الأخيرة من العنف هو التحريض الفلسطيني الرسمي ورفض القبول بوجود إسرائيل. ويشير خبراء في السياسة الفلسطينية إلى مزاعم تتعلق بتعامل إسرائيل مع المواقع المقدسة المتنازع عليها وإلى ضعف القيادة الفلسطينية.
مع ذلك، ذكر جهاز الأمن الداخلي في إسرائيل، الشين بيت، في تقرير أخير عن العنف "شعوراً من التفرقة القومية والاقتصادية والشخصية" ضد الفلسطينيين كمحرك رئيسي للعنف.
الولايات المتحدة تعرب عن قلقها
يقول ناصر دوابشة، شقيق سائد الذي يمضي نصف الأسبوع في مستشفى إسرائيلي مع ابن أخيه اليتيم: "لقد تعهد لي نتنياهو بثلاثة أمور في المستشفى: اعتقال ومحاكمة المجرمين، وهدم منازلهم، تعويض العائلة". ومن المتوقع أن يحتاج أحمد، البالغ من العمر 5 سنوات، إلى أعوام من العلاج للتعافي من الحروق التي لحقت به. ويقول ناصر: "نرى الآن أنه (نتنياهو) قد كذب، وهذا ما أثار الغضب في الشارع الفلسطيني".
أصبحت قضية دوما التي لم تجد حلاً حتى الآن عنصر اهتمام عند الحكومة الأميركية أيضاً: وما فتئ السفير الأميركي، دان شابيرو، يذكر الإسرائيليين مراراً وتكراراً في الخطب العامة بأهمية جلب مرتكبي الحادثة للعدالة. وموطن الخشية هو أن تجعل العدالة غير المكتملة في هذه القضية من أمر الدفاع عن إسرائيل أكثر صعوبة دولياً.
من جانبهم، يقول مسؤولو الأمن الإسرائيليون إن مهاجمي دوما جاؤوا من إحدى البؤر الاستيطانية الأمامية غير المشروعة في الضفة الغربية، والواقعة في التلال العالية بالقرب من القرية. ويقول المسؤولون أيضاً إن المهاجمين يستلهمون إيديولوجية دينية متشددة تدعو إلى مهاجمة الفلسطينيين بغية زرع بذور الفوضى، وهو ما من شأنه أن يقوض حكومة إسرائيل.
لكن جهاز الشين بيت يتوافر على شبكات استخبارات محدودة بين المتطرفين اليهود، ولديه نجاح أقل في التحقيقات مقارنة مع الفلسطينيين، لأنهم يجب أن يحافظوا على معدل أعلى من الحقوق المدنية والحريات المدنية، كما يقول بن هارت مان، مراسل الشرطة في صحيفة جيروساليم بوست. ويستطيع العملاء الاسرائيليون رشوة المخبرين الفلسطينيين الذين يحملون تصاريح عمل، بينما يتم توفير الحماية للمشتبه بهم اليهود ليبقوا صامتين.
"لا يقومون بالأساسيات"
في الأثناء، رفض ناطق بلسان الشرطة الإسرائيلية التعليق على هذه المسألة، وقال إنها تابعة لنظام السرية في المحكمة. ولم ترد وزارة الدفاع الإسرائيلية على طلبنا التعليق أيضاً.
وتقول منظمات مراقبة حقوق الإنسان الإسرائيلية، إن الفشل الذي سجلته السلطات القانونية الإسرائيلية في التحقيق بفعالية في الجرائم الإيديولوجية ضد الفلسطينيين هو مشكلة مزمنة: فمن بين حوالي ألف حالة من هذا القبيل خلال الأعوام العشرة الأخيرة، كان معدل الاتهام 7 % وحسب، ومعدل الإدانة 2 % فقط، وفق ياش دين، المراقب البارز لحقوق الإنسان.
ويقول جلعاد غروسمان، الناطق بلسان المنظمة: "إن الأرقام لا تكذب. إنهم لا يفعلون الأساسيات: لا يجرون فحوص الطب الشرعي ولا يتفحصون المقدمات ولا يتفحصون المبررات. إنهم لا يعرفون كيف يحلون هذه القضايا لأنهم لم يحاولوا ذلك أبداً، كما يشعر مرتكبو الجرائم بأنهم يتمتعون بالحصانة".
هناك في منزل عائلة الدوابشة في دوما، يتذكر الأجداد عبثاً الحياة الطبيعية الوادعة في الأمسية التي سبقت الحريق المتعمد قبل الفجر، والذي غير حياتهم: الخطط لشراء ملابس جديدة، والتعطيل يوماً عن العمل. والآن، تخيم على العائلة والقرية صورة الطفل القتيل في مهده.
يقول الجد محمد: "نحن قرية مسالمة. لم نعلّم أطفالنا أن يحرقوا الناس أبداً. إذا أقدم الإسرائيليون على معاقبة هؤلاء الذين ارتكبوا هذه الفعلة، قد يشعر الناس بنوع من الارتياح من مشاعر التوتر والمرارة. وحتى لو فعلوا ذلك، فإن البسمة لن تعود إلى وجهي ثانية أبداً".

*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:Unsolved murder in west Bank: a case of uneven Israeli justice and its cost

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق