ضحى عبد الخالق

لرباعية الياسمين تُرفعُ التحية

تم نشره في الخميس 3 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:00 صباحاً

في لحظة تاريخيّة استثنائيّة قام أربعة من الشخصيّات الدؤوبة بإدارة أوّل حوار مُجتمعيّ من نوعه في العالم العربي، مّا أدّى إلى تعاقب سلميّ للُسلطة في تونس وأنقذوا البلاد من حرب أهليّة.
وقد حدث هذا الحوار وهو في جوهره "عُمّالي" في الزمن العربيّ الصعب! ذلك بالوقت الذي كثُرُت فيه الحرائق والتصفيات والحُروب، ويأس الإنسان والشباب وتعوّد البصر على مشاهدة الدم، وتعثّرت المصالح، واستُنزفت القُدرات، وانتشر الفقر العربيّ كثيرا.
وهُنا تمكّنت امرأة من القطاع الخاص وهى التونسيّة وداد بوشماوي مع ثلاثة رجال من الوصول إلى توافق حول معنى ومفهوم السلم المُجتمعي الجديد في تونس.
وربما لم يعلم معظمنا عن لجنة الحوار التونسيّة إلاّ بعد أن لاحظها المُجتمع الدولي باعتبارها حالة فريدة في نوعيّة اللقاء وفنّ التحاور في العالم العربي.
والملاحظة الأبرز، أنّ حوار الأربعة قد حدث بصمت وتواضع ضمن مخاض تونسي خاص وحكيم منذ بداياته في العام 2013، بعيدا عن العناوين المُلتهبة للفضائيّات العربيّة!
وقد حصلت الرباعية اليوم بما تُمثّله من مؤسّسات ومن مهارات فرديّة على أرفع جائزة دوليّة للسلام بعد أن فهم العالم خُصوصيّة التجربة.
والذي جرى أنّه عندما التقى الاتّحاد العام التونسي للشغل (أي المركزيّة النقابيّة وهى عندنا الاتّحاد العام لنقابات العمّال)، مع الاتّحاد التُونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليديّة (مثل غُرف التجارة والصناعة عندنا وتُمثّل القطاع الخاص)، مع الهيئة الوطنيّة للمُحامين، مع الرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان للتداول لآلاف الساعات في غرفة واحدة فهذا بحدّ ذاته مُعجزة عربيّة.
ثمّ لتفاجئ التجربة العالم بمُنطلقاتها لتحقيق الاستقرار المُجتمعي في تونس عبر ضمان حقوق العامل وكرامة الإنسان أوّلا.
وبالواقع، فقد تمكّن الأربعة من تنفيذ القفزات الكُبرى؛ مثل دعوة حكومة بأكملها إلى الاستقالة، وتعيين رئيس وزراء ولجنة انتخابات مُستقلة، وإعداد الدستور والاستماع الى المُعارضة، وهذا بتقدير الخُبراء قد حدث تحت ضغط مطالب الطبقة العاملة التونسيّة.
وفي الأردنّ، لدينا 17 نقابة عُمّال واتّحاد عام بسلطة مركزيّة، وقد يبدو اليوم بعيدا عن الحوار المُجتمعي الشامل بالنظر إلى أنّ 15 % فقط من القُوة العاملة الأردنيّة مُسجّلون في الاتّحاد العام للنقابات العمّاليّة.
كما وتقودُ الحُكومة، مُمثلة بوزارة العمل، قضيّة العامل كأساس للعدل المُجتمعي، ولكن ليتقاطع ذلك تحت ضغط الميزانيّات مع مطالب القطاع الخاص، والمطالب النقابيّة وبعض المطالب الشعبيّة، وبالوقت الذي تمكّن به المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأردني (شكليا) من جمع كل أطراف العلاقة على ذات الطاولة.
كما وأتنبّأ بأنّ حوارا عماليا في الأردن سيتسارعُ بتفاهُمات أكثر انفتاحا على القضايا الأساسيّة، بين غرف التجارة والصناعة، كممثّل لمصالح القطاع الخاص، والنقابات المهنيّة أو الاتّحاد، والمُؤسّسة العامّة للضمان الاجتماعي وبين بعض المؤسّسات الدوليّة الرقابيّة، كما حدث في تجربة المناطق الاقتصادية الحُرة.
ومن الدُروس المُستفادة من الفكرة التونسيّة يُمكن التلخيص بأنّ الكلّ عُمّال، وللكلّ رغبة بالبقاء، وأنّ الجندريّة بالعمل مُفيدة إن كانت النساء سيسعين إلى إيجاد الحلول، وأنّ القضايا الأساسيّة للعمل وللعُمّال مثل الحدّ الأدنى الواقعي من الأجور أو التفتيش أصبحت مُفيدة ولن يُمكن لأحد "شراء" الوقت بتأخيرها لأي سبب كان، وأنّ على الحكومة عبء التدخّل لتصحيح بعض التشوّهات بسوق العمل وإلاّ قام السوق بتصحيح نفسه بنفسِه بالعنف، وبأنّ خبرات التكنوقراط مُفيدة، وأنّ القطاع الخاص المُتنوّر يريد أن يقوم بالشيء الصائب، وأنّ التفاوض مطلوب، وأخيرا أنه يوجد في العمل العربي العام مكان (لبني آدميين) مُستمعين عاكفين على التشخيص وحلّ الأزمات دون حاجة مُلحّة لإراقة الدماء!
 ففي كل يوم يذهبُ العمل العربي العام إلى غير جدوى لإصرار الجماعات على معارك غير لازمة يخسرُ بها الجميع، ولكن الذي حصل في معركة تونس هو أنّ العامل الكادح انتصر، والمُوظّف انتصر ومعهما ديمومة الإنتاج والأعمال ولينتصر الصناعيّ والغنيّ والتاجر.. والأهم أنه انتصر في تونس عقل الإنسان العربي الهادئ.
هذه معارك الياسمين.. كلّ التحيّة لحسين العبّاسي، ومحمد فاضل محفوظ، وعبد الستّار بن موسى، وعاشت تونس بهيّة حُـرّة..Vivre Tunisie

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • ».. البسطاء الكادحون هم من سيصلون وإن طالت المرحلة (سارة طعامنة)

    الخميس 3 كانون الأول / ديسمبر 2015.
    "العامل الكادح انتصر، والمُوظّف انتصر ومعهما ديمومة الإنتاج والأعمال ولينتصر الصناعيّ والغنيّ والتاجر.. والأهم أنه انتصر في تونس عقل الإنسان العربي الهادئ." ..... لا بد وأن ينتصر العامل في نهاية الأمر.. البسطاء الكادحون هم من سيصلون وإن طالت المرحلة