محمد أبو رمان

بكذب عليك!

تم نشره في الخميس 3 كانون الأول / ديسمبر 2015. 12:08 صباحاً

أم محمود، من سكان عمّان الشرقية، صدّقت -مثل غيرها من الأردنيات المتزوجات من أجانب- أنّ مشكلتها في طور الحل بالفعل، عبر "المزايا الخدماتية". فسارعت، بالرغم من الظروف المالية الصعبة، إلى استخراج بطاقات لأبنائها من دائرة الأحوال المدنية، بما يتيح لهم على الأقل حقّ العمل والإقامة القانونية، والحصول على رخصة قيادة السيارة، والتعليم والتملّك!
تزامن ذلك مع مرض زوجها (مصري الجنسية؛ لا يوجد خوف من الوطن البديل هنا!) الذي يدير مخبزاً منذ قرابة 20 عاماً، فأرادت استخراج تصاريح عمل لأولادها ليحلوا محلّ والدهم. ولكن لتتفاجأ بأنّ الرسوم التي ألغتها الحكومة باليد اليمنى، أخذتها باليد اليسرى، عبر رسوم أخرى بديلة جعلت من كلفة "تصريح العمل" للأبناء أقل فقط بمائة دينار من الوالد (الابن يدفع قرابة 200 دينار، بينما الوالد يدفع 300 دينار) الذي لم يعد قادراً على القيام بعمله في المخبز، بينما يحتاج أبناؤها إلى تصاريح عمل مثلهم مثل أي وافد يعمل في الأردن، سواء كانت أمه أردنية أم لا!
الحال نفسها، لم تتغيّر، بالنسبة لرخصة قيادة السيارة؛ فالشرط الرئيس للموافقة عليها هو الحصول على تصريح عمل، وهي لا تريد أن تقيد أبناءها بتصريح عمل، حتى لا يصبح ذلك أمراً واقعاً. وحتى في حال استخرجت تصريح العمل، فإن الرخصة سنوية، وتكلّف العائلة قرابة 120 دينارا كل عام!
أم محمود راجعت الدوائر الرسمية والمعنية، ووصلت إلى النتيجة التي وصل إليها أغلب الأردنيين الـ45 ألفا الذين استخرجوا بطاقة أبناء الأردنيات، وهي أنّهم "شربوا المقلب"، فدفعوا ثمناً كبيراً لهذه البطاقة للحكومة، من دون فوائد حقيقية تذكر!
شخص آخر ابنته متزوجة من "غير أردني"، وحفيدته تدرس الطب في إحدى الجامعات، كانت تملك سيارة، فباعتها لتشتري سيارة جديدة أكثر تطوراً. إلا أن العائلة تفاجأت بعدم الحصول على موافقة للسيارة الجديدة. وعندما اتصلت شخصياً بمسؤولين ومعنيين، أخبروني أنه لا يحق لها امتلاك سيارة جديدة وفق التعليمات المطبقة، ولم يشفع لها أنّها ابنة أردنية ولا قصة المزايا الخدماتية.
والحديث ذو شجون. فالمرأة الغزية (أمها أردنية) وصلت إلى حدّ اليأس من حلمها بامتلاك شقتها الخاصة. وعجز السادة النواب وعجزنا بالرغم من الاتصال المستمر مع الحكومة، عن تحقيق ذلك الحلم البسيط، أي التملك، بالرغم من أنّ أمها أردنية. ذلك أنّ "البند غير المعلن" في المزايا الخدماتية هو أنّ حق التملك للشقق لأبناء الأردنيات يبقى منوطاً بمجلس الوزراء، وعليه لم يكن موظفو إدارة الأراضي والمساحة هم المخطئون، بل الحكومة هي التي أخفت هذه القصة ولم نعرف الحقيقة المرّة إلاّ بعد تكرار المحاولات الفاشلة!
النتيجة التي توصلت إليها بعد هذه القصص، وغيرها عشرات ممن يتصل بنا أصحابها ويعربون عن صدمتهم من أن لسان حال الحكومة بما ادّعته من تغييرات حقوقية إنسانية حضارية تعطي حقوقاً مدنية وإنسانية بسيطة لأبناء الأردنيات، هو أشبه بكلمات الأغنية: "بكذب عليك.."؛ فلا يوجد اختلاف حقيقي جوهري أو نوعي في هذه الحقوق، والأهم من هذا وذاك في نظرة الدولة لهذه الشريحة الاجتماعية الواسعة.
الغريب أنني تحدثت شخصياً قبل أشهر مع رئيس الوزراء عن هذا الأمر تحديداً، وأكد لي بأنّ التعليمات مطبقة. وكما ذكرنا سابقاً، نجحت جهود الدكتور مصطفى حمارنة في الحصول على تعميم من وزير الداخلية للدوائر الرسمية بالعمل بهذه التعليمات، لكن مع ذلك ما تزال المعضلة قائمة والتغييرات طفيفة!
هل المشكلة أنّ هناك استعصاء بيروقراطياً! كما يذهب البعض بالوصف؟ برأيي لا. الجواب باختصار وبساطة: لا يوجد هناك قناعة ولا قرار سياسي حاسم لدى الدولة بشأن هذه الحقوق.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شمرا للكاتب (تهاني روحي)

    الخميس 3 كانون الأول / ديسمبر 2015.
    شكرا الزميل محمد على كتابتك لهذا المقال، على الأقل الموضوع لا يزال حيا في الأقلام الحرة كأمثالك
  • »سؤال (زكي محمد)

    الخميس 3 كانون الأول / ديسمبر 2015.
    هل من الممكن مقاضاة الحكومة بسبب هذا التعسف؟
  • »"القانون" (يوسف صافي)

    الخميس 3 كانون الأول / ديسمبر 2015.
    بداية الفيصل هو القانون ولايعقل ان يكون هناك قانون دون تفسير وإلااصبح يساق وفق المزاج والهوى؟؟؟ وهل تم تشريع وقوننة المبادرة ؟؟الشفافية اساس للمنفذ والمستفيد ؟؟؟
  • »صدق رسول الله (حسين عمر)

    الخميس 3 كانون الأول / ديسمبر 2015.
    سبحان الله، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ليس منّا من دعا إلى عصبية، أو من قاتل من أجل عصبية، أو من مات من أجل عصبية" وفي حديث أخر قال صلى الله عليه وسلم محذراً من العصبية " دعوها فإنها منتنة.." رواه البخاري ومسلم
  • »الحديث بالانجليزي والتنفيذ بالعربي (بسمة الهندي)

    الخميس 3 كانون الأول / ديسمبر 2015.
    مهم أنك تكتب في هذا الموضوع أستاذ محمد وتتابعه وتثيره. أنت رائع وأردني أصيل. سأقول لك ما هي الحداثة في بلدنا؛ الحديث بالانجليزي والتنفيذ بالعربي.
    نحن لم نعد جديين بما يتعلق بحقوق المرأة. من برة رخام ومن جوة سخام. المعركة مع داعش هي معركة اعتدال وتسامح وحداثة وحقوق إنسان لا فقط أسلحة. ما يحدث يعيدنا إلى المربع الأول؛ قصة حقوق أبناء الأردنيات هي قصة حقوق إنسان ومساواة لا قصة ميزات خدمية، ونقطة على أخر السطر. نقول ذلك في الوقت الذي يتبوأ منصب المفوض السامي لحقوق الإنسان الأمير الهاشمي زيد بن رعد، فخرنا به وبثقة العالم به وأداءه المتميز يتطلب منا أن نكون أكثر استجابة لقيم حقوق الإنسان.
  • »التمييز (أبو عبدالله - الامارات)

    الخميس 3 كانون الأول / ديسمبر 2015.
    والله يا استاذ محمد انه الانسان غلبان .... سبحان الله شريعة الغاب واحدة في كل الكون ولكن البشر وهم الاكرم لديهم شرائع وقوانين متعددة تضعهم في دوامة من عدم الاستقرار ، وهذا برأي ما يحدث مع أبناء الأردنيات نوع من التمييز ، اصبحنا في القرن ال 22 ونحن ما زلنا في عقلية تصعب الأمور ، وكأنها متعة وسادية الدولة، وكأن القوانين والتشريعات لا تصبح قوانين وتشريعات الا بتضييق الخناق سياسة التطفيش ، تطبيق القوانين في بلاد العالم الثالث ، يجب أن يمر في مراحل من التعقيدات ولتشعر برحمة وروعة الامتياز الذي حصلت عليه ، وهو في الأساس حق وجودي مكتسب . وبحكيلك نريد استثمارات في البلد وايجاد مناخ استثماري جاذب.
  • »الحقيقه (فيصل مرار)

    الخميس 3 كانون الأول / ديسمبر 2015.
    لا بد من شكرك على هذه الجرأة في كشف الحقيقة عن المخفي من الأمور التي تمس الجوانب الحياتيه للمواطن الأردني!
  • »عار وفضيحة أيضاً (مواطن نخب أول)

    الخميس 3 كانون الأول / ديسمبر 2015.
    عار علينا ما يحصل من إهانة للأردنيات وأبنائهن ما فعلته الحكومة هنا هو فعلاً أمر مخجل وموضوع تعدى العيب ووصل إلى مرحلة إنتهاك أبسط الحقوق الإنسانية لأشخاص ولدوا وتربوا في هذا البلد. أين مجلس النواب ولمذا لا نسمع أي إستجواب منهم للحكومة بخصوص هذا الموضوع أنا لا أتخيل شعور أي اردنية أو إبن أو بنت اردنية ولا أدري ما هو الهدف المرجوا من التمسك بهذه المهزلة
  • »الجنسية الاردنية وأولوياتها (سلافة سميح الشريف)

    الخميس 3 كانون الأول / ديسمبر 2015.
    على الحكومة اعادة النظر مرارا في الجنسيات الاْردنية لإعطاء الأولاد أولية أفضل من المتجنسين فالأم أساس المجتمع الأردني