منشقات عن شرطة أخلاق "داعش"، يتحدثن عن القسوة، والكرب والهروب (1 من 2)

تم نشره في الجمعة 4 كانون الأول / ديسمبر 2015. 12:00 صباحاً
  • عناصر من "كتيبة الخنساء" النسائية التابعة لأمن "داعش" - (أرشيفية)
  • أوس، (25 عاماً)، المواطنة السابقة من الرقة، التي عملت مع "كتيبة الخنساء" في "داعش" قبل هربها إلى تركيا – (المصدر)
  • داعية من "داعش" يلقي موعظة في الشباب في إحدى ساحات بلدة تل أبيض، سورية – (أرشيفية)

آزاده موافينوف - (نيويورك تايمز) 21/11/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بداية، تود صحيفة "نيويورك تايمز" تأكيد الحقائق الآتية:
• النساء السوريات الثلاث اللواتي يظهرن في هذه المادة، كلهن عضوات سابقات في "كتيبة الخنساء"؛ جهاز شرطة الأخلاق في "الدولة الإسلامية"، واللواتي انشققن عن المجموعة وهربن إلى تركيا هذا العام. وقد التقتهن مراسلتنا في مدينة بجنوب تركيا حيث أمضت ساعات من المقابلات معهن، معاً وكلاً على حدة، في زيارات متعددة على مدى يومين.
• الأسماء: أوس، ودعاء وأسماء، هي أسماء مستعارة بقصد حمايتهن، لكنهن عرَّفن لنا أنفسهن وصلاتهن العائلية بشكل كامل.
• رواية هؤلاء السيدات الجماعية عن عملهن مع "الدولة الإسلامية" وحياتهن، وعن الأحداث التي جرت في الرقة السورية في السنوات الأخيرة، تتفق مع رواياتهن الفردية المنفصلة، ومع مقابلات وروايات سكان حاليين وسابقين في الرقة.
• شاركتنا النساء أيضاً صوراً في هواتفهن المحمولة لمواقع في الرقة، ولحياتهن هناك، وتم التأكد من صحتها بشكل منفصل.
*   *   *
جنوب تركيا- كان شهران فقط قد مرا على بدء دعاء عملها في "كتيبة الخنساء"؛ وحدة شرطة الأخلاق المكونة كلها من الإناث في "الدولة الإسلامية"، عندما جيء بصديقتيها إلى المركز لجَلدهما.
جلبت الزميلات في الشرطة امرأتين تعرفهما دعاء منذ الطفولة؛ أم وابنتها المراهقة، وقد اعتراهما ذهول مطلق. لقد اعتبرت الشرطة عباءتيهما السوداوين ضيقتين وتكشفان تفاصيل الجسد بشكل غير مناسب.
عندما رأت الأم دعاء، هرعت إليها وتوسلت إليها حتى تشفع لهما. وأصبح جو الغرفة خانقاً بينما تحاول دعاء تقدير ما يجب أن تفعل.
تقول دعاء: "كانت عباءتاهما ضيقتين جداً في الحقيقة. قلت للأم إن ذلك خطؤهما؛ لقد خرجتا وهما ترتديان الملابس الخطأ. ولم تكونا سعيدتين بما قلت".
جلست دعاء إلى مكتبها وراقبت الشرطيات الأخريات وهن تأخذن المرأتين إلى غرفة خلفية لجلدهما. وعندما أزلن النقابين اللذين يخفيان وجهيهما، وجدت الشرطيات أن صديقتيها تضعان الماكياج أيضاً. وهكذا تلقت المرأتان 20 جلدة لجريمة العباءة، وخمسا للماكياج، وخمسا أخرى لأنهما لم تكونا وادعتين بما فيه الكفاية عند اعتقالهما.
بدأ صوت صرخاتهما يعلو ويتردد في المكان، وحدقت دعاء في السقف، بينما شرعت غصة في الصعود إلى حلقها.
في الفترة القصيرة منذ انضمت إلى كتيبة الخنساء في مسقط رأسها؛ مدينة الرقة في شمال سورية، أصبحت قوة الأخلاق في "الدولة الإسلامية" أكثر قسوة باطراد. كان ارتداء العباءات والنقاب ما يزال جديداً على العديد من النساء في الأسابيع التي أعقبت تطهير جهاديي "الدولة الإسلامية" المدينة من الميليشيات المنافسة والاستيلاء عليها بالكامل. وفي البداية، طُلب من الكتيبة أن تمنح المجتمع فرصة للتكيف، وعوقبت جنح ارتداء الملابس غير المناسبة بفرض غرامات صغيرة.
مع ذلك، وبعد أن تكرر ارتكاب العديد من الشابات للمخالفات، ودفعهن الغرامات من دون تغيير في السلوك، انتهى الأسلوب الناعم. والآن، أصبحت العقوبة هي الجَلد -لكن صديقات دعاء هن اللواتي كُن يعاقبن هذه المرة.
بعد ذلك، جاءت الأم والابنة إلى منزل والديّ دعاء للتعبير عن غضبهما منها والتنفيس عن غضبهما من "الدولة الإسلامية". وتقول دعاء: "قالتا إنهما تكرهانها وتتمنيان لو أنها لم تأت يوماً إلى الرقة". وتوسلت دعاء إليهما، وأوضحت لهما أنه لم يكن في يدها ما تفعله لهما باعتبارها صغيرة وجديدة في كتيبة الخنساء.
لكن صداقة بطول عمر، والتي شهدت التشارك في تجمعات العطل وحفلات أعياد الميلاد، وصلت إلى نهايتها فجأة. وتقول دعاء: "بعد ذلك اليوم، أصبحن يكرهنني أيضاً. لم تعودا إلى بيتنا ثانية أبداً".
عملت أوس، ابنة عم دعاء، مع كتيبة الخنساء نفسها أيضاً. وبعد وقت قصير من جَلد صديقتي دعاء، رأت أوس مقاتلين آخرين يجلدون رجلاً في ساحة المدينة. كان الرجل الضعيف أبيض الشعر في السبعين من عمره قد سُمع وهو يشتم الذات الإلهية. وبينما تجمع حشد في المكان، جره المقاتلون إلى ساحة عامة وجلدوه بعد أن جعلوه يركع على ركبتيه.
تقول أوس: "كان يبكي كل الوقت. من حسن حظه أنه شتم الذات الإلهية لأن الله رحيم. ولو أنه شتم النبي لكانوا قد قتلوه".
اليوم، تعيش أوس (25 عاماً)، ودعاء (20 عاماً) في مدينة صغيرة في جنوب تركيا بعد هربهما من الرقة وحكامها الجهاديين. وقد التقتا هنا بأسماء (22 عاماً)، وهي منشقة أخرى من كتيبة الخنساء، والتي وجدت لنفسها ملاذاً هنا في المجتمع الكبير للاجئين السوريين في المدينة.
تعرف الرقة على نطاق واسع بأنها عاصمة خلافة "الدولة الإسلامية" المعلنة ذاتياً، وبكونها موضع تركيز للغارات الجوية الكثيفة التي يشنها عدد من الدول الساعية إلى الانتقام من هجمات المجموعة الإرهابية الأخيرة. لكن المدينة التي ترعرعت فيها الفتيات الثلاث كانت مختلفة تماماً. وباستخدام أسماء مستعارة، تحدثت هؤلاء الفتيات لساعات عدة وعلى مدار يومين من الزيارات في هذا الخريف؛ حيث روين تجاربهن في ظل حكم "الدولة الإسلامية"، ووصفن كيف غير الجهاديون الحياة تماماً في الرقة.
وصفت الفتيات الثلاث جميعاً أنفسهن بأنهن كُن يطابقن نموذج الفتيات السائد في الرقة. كانت أوس منجذبة إلى النمط الهوليوودي، بينما انجذبت دعاء إلى بوليوود. وكانت عائلة أوس من الطبقة الوسطى، ودرست الفتاة الأدب الإنجليزي في فرع لجامعة الفرات على بعد ثلاث ساعات بالحافلة في مدينة الحسكة. وكانت تقرأ الروايات: بعضها لأجاثا كريستي، لكنها فضلت كتب دان براون بشكل خاص. وكان "الحصن الرقمي" هو كتابها المفضل.
يعمل والد دعاء مزارعاً، ودخله أقل. لكن حياتها الاجتماعية كانت متشابكة كثيراً مع حياة أوس، وأحبت ابنتا العم مدينتهما الساحرة. كانت هناك المسيرات الطويلة إلى قلعة جبر، الحصن القديم من القرن 11 الميلادي عند بحيرة الأسد؛ والمقاهي في متنزه الرشيد؛ وجسر الرقة، حيث يمكن رؤية أضواء المدينة في الليل. وفي الحدائق العامة ومتنزه الترفيه وسط المدينة، هناك البوظة والشيشة اللتين يتجمع حولهما الناس.
تقول دعاء: "في الصيف، كان الجميع يخرجون في الليل ويظلون في الخارج حتى وقت متأخر، لأن الطقس يكون حاراً خلال النهار".
تحتفظ الفتيات بصور لحياتهن القديمة في الرقة على هواتفهن المحمولة، وفيها مشاهد من الحفلات والرحلات إلى الريف. ويتضمن أرشيف أوس صوراً لأيام قضتها على شاطئ البحيرة، ولصديقاتها في ملابس السباحة، وهن يرقصن في الماء.
كانت أسماء، ذات النظرة المشرقة، شابة أخرى تتطلع إلى الحياة، وتدرس إدارة الأعمال في جامعة الفرات. كانت أمها من أصل دمشقي، من العاصمة، وأمضت أسماء سنوات مراهقتها في اللقاءات مع الصديقات، والسباحة في البرك، والخروج إلى المقاهي. وهي أيضاً قارئة نهمة، مولعة بروايات إيرنست همنغواي وفيكتور هوغو، وتتحدث بعض الإنجليزية.
كانت الفتيات الثلاث ينتمين إلى جيل من النساء السوريات اللواتي يعشن حيوات أكثر استقلالاً من أي وقت سابق. كن يختلطن بحرية مع الشباب، حيث يتواصلون ويدرسون معاً في مدينة متعددة الأديان وذات أعراف متساهلة نسبياً.
كانت الكثير من الشابات هناك يرتدين ما يسمى "السبور"، حيث لا شروط مشددة على شكل الملابس في الصيف أو على وضع الماكياج. وفي حين ارتدت بعض ساكنات الرقة الأكثر محافظة العباءات والحجاب، كانت الفتيات يذهبن إلى الجامعة بأعداد أكبر ويتزوجن في وقت لاحق. وكان معظم الرجال والنساء يختارون شريك الحياة بأنفسهم.
عندما بدأت الانتفاضة ضد حكومة الرئيس بشار الأسد بالامتداد عبر سورية في العام 2011، بدت الأحداث أولاً بعيدة عن الرقة. وعندما شرعت أخبار القتال والمذابح بالقدوم إلى المدينة، كان أغلبها يأتي من مدن بعيدة في غرب البلد، مثل حمص. وحتى عندما بدأ المشردون من ديارهم بالظهور في مدينة الرقة، وبدأ الشباب بالانضمام إلى المجموعات المناهضة للأسد في المنطقة، بما فيها "جبهة النصرة" وما أصبح الآن "الدولة الإسلامية"، بدا نسيج الحياة في المدينة متماسكاً.
لكن كل شيء تغير في بداية العام 2014. فقد انتزعت "الدولة الإسلامية" السيطرة على الرقة وجعلت المدينة مركز قيادتها، ووطدت سلطتها هناك بالعنف. وتعرض أولئك الذين قاوموا، أو كانت لعائلاتهم أو أصدقائهم صلات خاطئة، للاعتقال والتعذيب أو القتل.
أصبحت "الدولة الإسلامية" تعرف في العالم بأسماء ومختصرات عدة. لكن سكان الرقة يسمونها "التنظيم". وسرعان ما أصبح واضحاً أن كل بقعة في الترتيب الاجتماعي، وأي فرصة لسلامة العائلة، إنما تعتمد تماماً على هذه المجموعة.
لم يقتصر الأمر على تحول سكان الرقة إلى محكومين خاضعين لقيادة المنظمة العراقية في أغلبها، وإنما تراجعت مكانتهم في المجتمع بين عشية وضحاها. وعندما بدأ المقاتلون الأجانب والمتطوعون الآخرون بالتدفق على المدينة، ملبين دعوة الجهاد، أصبحوا هم الأضواء الهادية والرواد في المجمتع المهتز. في الرقة، أصبح السوريون مواطنين من الدرجة الأولى -في أفضل الحالات.
لكن دعاء وأوس وأسماء كن من بين المحظوظات: كان خيار الانضمام إلى المجموعة متاحاً لهن. واختارت كل واحدة منهن مقايضة حياتها، من خلال العمل والزواج، مع "التنظيم".
لم تشارك أي منهن المنظمة إيديولوجيتها المتطرفة. وحتى بعد فرارهن من بيوتهن والاختباء، ظللن يناضلن لمحاولة شرح كيفية تحولهن من شابات عصريات إلى شرطيات يفرضن قوانين "الدولة الإسلامية" على الأخريات في جهاز شرطة الأخلاق.
في تلك اللحظة، بدا كل خيار وكأنه هو الخيار الصحيح، وطريقة للحفاظ على حياة مقبولة: الزواج من مقاتلين لتهدئة عنف التنظيم والإبقاء على أسرهن في وضع تفضيلي؛ الانضمام إلى "كتيبة الخنساء" لكسب بعض حرية التنقل وتأمين دخل في مدينة جُردت فيها النساء من حق تقرير المصير.
لكن كل تنازل تحول إلى هول مطلق قبل مرور وقت طويل، وشرعت النساء في استنكار الطريقة التي حُرضن بها ضد جيرانهن، وأصبحن جزءا من قوة تمزق أوصال المجتمع الذي أحببنه. وبعد مرور أشهر فقط، ولدى ترملهن أو هجرهن وإجبارهن على الزواج ثانية من الغرباء، شرعن في اكتشاف كيف يتم استغلالهن كعبدات جنس مؤقتات للمقاتلين الأجانب الذين كان إخلاصهم الوحيد للعنف ولإله لا تعريف له.
كل ذلك دفع كل واحدة منهن إلى الاعتقاد بأن الهرب هو الفرصة الوحيدة لمواصلة الحياة. وانضمت كل منهن إلى سيل السوريين الذين يهجرون وطنهم، تاركين فجوة ليملأها الأجانب الذين لا يحتفظون لسورية في قلوبهم بشيء.
الخطوبة
يوم اجتاز أبو محمد؛ المقاتل التركي في "الدولة الإسلامية"، عتبة منزل والديّ أوس طالباً الزواج، قدمت أول تنازلاتها للتنظيم.
استقبل والدها وجدها "أبو محمد" في غرفة الجلوس، وقالا لأوس إنها تستطيع رؤيته لاحقاً إذا عرض مهراً مناسباً. لكن أوس كانت رومانسية جداً، وشاهدت الكثير من أفلام ليوناردو دي كابريو، بحيث وافقت مباشرة على الزواج من رجل لم يسبق أن شاهدت وجهه على الإطلاق.
عندما انحنت خلف باب غرفة الجلوس لتترك فناجين القهوة التي صنعتها، أطلت ولمحته لحظة خاطفة. كان له حاجبان مجنحان، وعينان فاتحتان وصوت عميق. وبينما انتظرت انتهاء النقاش، حاولت أن تتخيل كيف يمكن أن تكون حياتهما معاً. وعندما حل وقت استدعاء أبيها لها للدخول، كانت قد قررت مسبقاً وبعصبية أن تقول نعم، من أجل عائلتها.
بعد زواجهما، فوجئت حين وجدت ذلك الزواج يبدو حقيقياً -بل وحتى حنوناً. أحب أبو محمد الشامتين اللتين صنعتا كويكبين على خدها الأيسر؛ واعتاد أن يمازحها ويغيظها بلطف متندراً على لهجتها عندما حاولت لفظ الكلمات التركية.
لكنه لم يكن يأتي إلى المنزل في الليل في كثير من الأحيان، وغاب أحياناً ثلاثة أو أربعة أيام ليقاتل مع "الدولة الإسلامة". وقد كرهت أوس تركها وحيدة وكانت تعبس عندما يعود أخيراً إلى البيت؛ لكنه يجيب بإلقاء النكات ويحملها على الغفران.
حاولت أوس أن تشغل نفسها بالعلاقات الاجتماعية مع زوجات المقاتلين الأخريات. وبينهن، شعرت بأنها محظوظة. فقد تزوجت بعضهن من رجال فاسدين يسيئون معاملتهن.
الكل سمع عن فاطمة، التي قتلت نفسها بقطع أوردة رسغيها بعد إجبارها على الزواج من مقاتل؛ وهناك فتاة تونسية في البيت المجاور، كانت تنفجر بالبكاء كلما ذكر أحد اسم زوجها. وحتى هؤلاء كن يعتبرن أفضل حظاً من النساء الأسيرات من الأقلية الأيزيدية، اللواتي يجري تهريبهن إلى البلدة ليكن عبدات للمقاتلين الآخرين.
مع ذلك، أصبحت أيام أوس في غالب الأحيان فراغاً لا يُطاق. وأصبحت، هي الفتاة الأنيسة لطيفة المعشر ذات السعر الأسود الطويل المجعد والوجه الطفولي، تمتلئ بالضجر والتعاسة. كانت تنهي أعمالها المنزلية بسرعة، وإنما لا تجد مكاناً تذهب إليه. كان العثور على كتب جديدة شبه مستحيل بعد أن أحرق الجهاديون معظم الروايات تقريباً، في عملية تطهير للمكتبات والمركز الثقافي المحلي.
ألقت المنظمة أيضاً بظلها الطويل على زواجها. فمع أن أوس أرادت دائماً إنجاب طفل، طلب منها أبو محمد تناول حبوب منع الحمل التي ما تزال متوفرة في صيدليات الرقة. وعندما ضغطت عليه، قال لها إن قادته نصحوا المقاتلين بتجنب حمل زوجاتهم. فالآباء الجدد يصبحون أقل ميلاً إلى التطوع للمهمات الانتحارية.
كانت تلك من اللحظات المبكرة المدمرة في تجربة أوس، حين رأت أن حياتها ستكون خالية من الطبيعية والاختيار؛ كانت "الدولة الإسلامية" شريكاً ثالثاً في زواجها، وتشاركها حتى غرفة نومها نفسها. وتقول أوس: "في البداية، داومت على ذكر المسألة أمامه، لكن ذلك كان يضايقه حقاً، ولذلك توقفت".
بالنسبة لعائلة دعاء، كانت النقود دائماً قضية. كان والدها ما يزال يزرع، لكن العديد من المحامين والأطباء الذين فقدوا وظائفهم عندما استولى الجهاديون على المدينة، شرعوا أيضاً في بيع الفواكه والخضار لكسب العيش، خالقين منافسة جديدة. وفرض التنظيم الضرائب التي التهمت المزيد من دخل الأسرة. وعندما جاء مقاتل سعودي طالباً الزواج من دعاء، في شباط (فبراير) 2014، دفعها والدها إلى القبول.
جاء السعودي، أبو سهيل الجزراوي، من أسرة غنية تعمل في الإنشاءات في الرياض، ووعد بتحويل حياة دعاء جذرياً. فكرت ثم وافقت في نهاية المطاف. والتقت به للمرة الأولى يوم زفافهما، عندما وصل حاملاً الذهب لعائلتها. وأحبت دعاء ما رأت: كان أبو سهيل فاتح البشرة، بلحية سوداء ناعمة، طويل القامة ونحيلاً، وصاحب كاريزما وله طريقة سهلة في جعلها تضحك.
أسكنها في شقة واسعة بأجهزة مطبخ أوروبية حديثة ووحدات تكييف للهواء في كل غرفة -على نحو لم يُسمع بمثله في الرقة تقريباً. وتفاخرت ببيتها بشغف أمام صديقاتها وقريباتها. وأصبح مطبخها المكان الذي تتوقف فيه زوجة مقاتل آخر في المبنى -فتاة سورية تزوجت، أوس، من مجند تركي- لشرب القهوة. كل صباح، كان خادم أبو سهيل يتسوق لهم ويترك أكياس اللحم والأغراض خارج الباب.
في الأمسيات، كان الزوجان يجتمعان على مائدة العشاء، وكان يثني على طبخها، خاصة عندما تصنع له طبق "الكبسة" الذي يحبه. بل إن أبو سهيل لم يمانع وجود وشم الوردة الصغير على يدها، مع أن الأوشام الدائمة ممنوعة في تفسيرات الإسلام المتشددة. وتقول دعاء: "لقد غير حياتي تماماً. أقنعني بأن أحبه".
ملء ساعات الفراغ
بينما كان قليل من الضوء، على الأقل، يصل إلى حياة كل من أوس ودعاء، كانت غرفة معيشة أسماء مظلمة وخانقة على الدوام. كانت تبقي الستائر مسدلة والنوافذ مغلقة حتى لا يعرف أحد أنها تشغل جهاز تلفازها في الداخل. التلفاز، الموسيقى، والراديو -كل شيء تبقي أصواتها منخفضة إلى الحد الأدنى وبما يكفي لتسمعها فقط.
ولكن، حتى ذلك المخرج أصبح أكثر ندرة بينما تضاءل وجود الكهرباء في الرقة إلى ساعتين أو أربع ساعات في اليوم أحياناً. ولم تعد تستطيع بالتأكيد أن تذهب إلى الصالون لملء وقت فراغها.
أصدر التنظيم مرسوماً يقضي بأن يستعمل الإنترنت فقط للأعمال الضرورية جداً، مثل العمل المضني لأولئك المجنّدين والمجنّدات الذين يظهرون على الشبكة من أجل إغواء المقاتلين الجدد والنساء الأجنبيات بالقدوم إلى سورية. وأسماء، التي كانت تقضي سابقاً ساعات على جهاز حاسوبها المحمول كل يوم، وجدت نفسها منقطعة عن العالم.
تذكرت أوس لاحقاً، بينما تجلس النساء الثلاث معاً هنا في تركيا: "لكن ذلك كان مقبولاً بالنسبة لهم، الاتصال بكل أولئك الفتيات لجلبهن إلى سورية". ورفعت النساء حواجبهن دهشة: "ذلك كان عملاً".
في شباط (فبراير) 2014، بعد أن مر شهران على زواجها ولم تستطع إقناع أبو محمد بجعلها تحمل، قررت أوس الانضمام إلى كتيبة الخنساء. وانضمت دعاء إلى الكتيبة في الوقت نفسه تقريباً، وبدأتا تدريبهما العسكري والديني الإلزامي معاً.
كانت لدى ابنتي العم مخاوفهما من الانضمام. لكنها كانتا قد تزوجتا مسبقاً من مقاتلين، مختارتين محاولة تجنب تبعات احتلال الرقة بالاصطفاف إلى جانب التنظيم. وكان العمل مع كتيبة الخنساء فرصة لتحقيق أكثر من مجرد الإعالة. كان يماثل عمل زوجيهما. كما أن المدى الكامل للاضطهاد الذي تمارسه الكتيبة سوف يظهر لهما فقط مع مرور الوقت.
كان عدد من أقرباء أسماء قد بدأوا العمل مسبقاً مع "الدولة الإسلامية" بالكثير من الطرق. وقد فكرت جيداً قبل الانضمام في كانون الثاني (يناير) من العام 2014. وبما أن عائلتها اندمجت مسبقاً مع التنظيم، بدا لها ذلك أكثر الخيارات منطقية.
وتقول أسماء، وهي تتحول إلى الإنجليزية لوصف تلك الدوافع: "بالنسبة لي، كان الأمر يتعلق بالسلطة والمال، وخاصة السلطة. وبما أن أقاربي انضموا مسبقاً، فإن انضمامي لم يكن ليغير الكثير. أصبح لدي المزيد من السلطة فقط".
مع أن النساء الثلاث حاولن تبرير انضمامهن، فإنها لم تكن هناك أي طريقة لتجنب رؤية التنظيم في صورة آلة القتل الوحشية التي كانها. لكن كل سورية، كما يبدو، كانت قد أصبحت موطناً للموت.
في الليل، سمعت أوس ودعاء محاولات لتبرير السلوك الذاتي من الزوجين اللذين انتظرتاهما وتعيشان معهما. كانا مضطرين لأن يكونا وحشيين عندما يستولي التنظيم على بلدة جديدة من أجل تقليل الخسائر فيما بعد، كما أصر الرجلان. كانت قوات الأسد تستهدف المدنيين، وتقتحم البيوت في منتصف الليل وتعامل الرجال بوحشية أمام زوجاتهم؛ ولم يكن لدى المقاتلين خيار سوى الرد بوحشية مماثلة، كما قالا.
اجتازت النساء الثلاث دورة التدريب المطلوب من الملتحقات بكتيبة الخنساء. ومعهما، حضرت 50 امرأة تقريباً دورة في استخدام الأسلحة لمدة 15 يوماً في آن واحد؛ وخلال ثماني ساعات كل يوم، تعلمن كيف يعبئن وينظفن ويطلقن نيران المسدسات. لكن إشاعات قالت إن النساء الأجنبيات اللواتي جئن إلى سورية للانضمام إلى "الدولة الإسلامية" كن يدربن على "الروسيات"؛ الاسم العامي لبنادق "كلاشنكوف" الهجومية.
 (يتبع)

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:
 ISIS Women and Enforcers in Syria Recount Collaboration, Anguish and Escape

التعليق