نضال منصور

حقوق الإنسان والأمن

تم نشره في الأحد 6 كانون الأول / ديسمبر 2015. 12:06 صباحاً

في "المنتدى الوطني لحقوق الإنسان نحو شراكة فاعلة" الذي عقد الأسبوع الماضي في البحر الميت شغل المشاركين فيه من مختلف الأطراف سؤالان، الأول كيف نبني ونصنع شراكة وطنية تعزز قيم الحوار لمأسسة حكم تشاركي، والثاني كيف نصيغ ثنائية حقوق الإنسان والأمن بعد مرحلة اجتياح الإرهاب والتطرف للعالم وليس المنطقة العربية؟
وعلى الرغم من أن هواجس الأمن هي التي تطغى وتتقدم كل الأجندات فإنني ما زلت أعتقد بأن المشاركة الوطنية في التخطيط وصناعة القرار تقوي منعة الأردن وتحصنه أكثر وأكثر في مواجهة "الحرائق" التي تحيط به.
أسئلة المشاركة الوطنية متعددة، فماذا نعني بالمشاركة، ومن هم المستهدفون بها، وما هي الأطر المحددة لها، وهل يوجد سياق تاريخي للفكر التشاركي في الأردن، وماذا يُلزم الحكومة أن تفعل ذلك، وأكثر ما هو المحدد القانوني والمسار السياسي لهذا التوجه؟
بالتدقيق بهذه الأسئلة وأخرى يتبين بوضوح أن المشاركة الوطنية بين كافة أطراف المعادلة في الدولة الأردنية تحدث بشكل غير منهجي ولا تحكمها أطر مؤسسية، وتتطور وتتراجع وفقاً لمزاج الحكومة.
وللإنصاف فإنه في السنوات الأولى من عودة الحياة الديمقراطية والبرلمانية للأردن عام 1989 بعد عقود من الأحكام العرفية، كان هناك توجه متزايد لإشراك مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب والنقابات في بناء التوجهات السياسية للدولة، ومايزال الجميع يتذكرون لجنة الميثاق الوطني، وما أزال أتذكر أيضاً وفد الأردن في المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان 1992 وشاركت به شخصيات سياسية وحقوقية وبرلمانية أكثر من ممثلي الحكومة، وتكررت هذه التوجهات نحو المشاركة والحوار في مناسبات متعددة، لكن لأهداف مختلفة، مثلما حدث في وثيقة "الأجندة الوطنية" والتي ما تزال تستخدمها الدولة في تسويق الأردن عند الغرب، وجاءت "لجنة الحوار الوطني" في بداية الربيع العربي لمواجهة التداعيات وترسيخ الوحدة الوطنية وامتصاص غضب الشارع.
إذن الحوار والمشاركة الوطنية في الأردن ليست مفردة غريبة في قاموس الحياة السياسية الأردنية، ولكن استدعاءها واستخدامها لا يبدو سياقاً مؤسسياً، ولا يوجد ما يلزم الحكومة قانوناً أن تتبعه، وغالباً ما يحدث إنفاذاً لمتطلبات تنص عليها معاهدات دولية وإرضاء للدول المانحة.
لن يحدث التغيير في الواقع سريعاً، بل يتطلب إصراراً ومن كل الأطراف على إنجاز ذلك، والعمل على تخطي الصعاب بصبر، والكل مطالب بخطوات بناء ثقة لتعزيز التشاركية بدلاً من تقاذف الاتهامات.
سؤال حقوق الإنسان والأمن كان أكثر إشكالية في المنتدى وخلق حالة من الاستقطاب، لأنه ينطلق أكثر من إطار التنظير إلى الواقع المُعاش والممارسة والتطبيق، وقناعتي الشخصية أن مؤسسات المجتمع المدني صاحبة مصلحة في مواجهة الإرهاب والتطرف، وفكرة وجودها تعيش بالتضاد مع الإرهابيين والظلاميين.
ثنائية حقوق الإنسان والأمن تثير أسئلة مشروعة كثيرة، ربما يتقدمها سؤال أساسي، هل بالضرورة أن يكون الأمن على حساب حقوق الإنسان أو العكس، ألا يمكن أن يتلازم الأمن وحقوق الإنسان معاً، فلا تكون هناك ضحية لأي من أطراف المعادلة؟
واستناداً لذلك، ألا يمكن صياغة معادلة تحفظ وتصون حقوق الإنسان دون تفريط بالأمن، واستكمالاً هل يمكن بناء الأمن والسلم المجتمعي على أنقاض العدالة وحقوق الإنسان؟
وبالتفاصيل وفي حالات الطوارئ والنزاعات والاضطرابات الأمنية، هل يجوز العصف بضمانات أساسية لحقوق الإنسان، مثل حرية التعبير والإعلام، والمحاكمات العادلة؟
باعتقادي أن صيانة حقوق الإنسان هي السبيل الأقوى والأساسي لتعزيز منعة المجتمع والدولة في مواجهة الإرهاب والتطرف، وغياب العدالة وإهدار حقوق الإنسان إحدى الحواضن لتوليد العنف والتمرد على سلطة الدولة.
وللأسف بالأردن وفي مواقع المسؤولية أشخاص لا يلتفتون كثيراً لحقوق الإنسان، وينظرون لها باعتبارها شعارات ولا يبالون إن داسوها بأحذيتهم.
المقاربة الواقعية تكشف بأن أجندة الأمن تطغى وتتقدم على ضمانات حقوق الإنسان، والأمثلة على ذلك متوفرة، فحق التظاهر والتجمع السلمي يسقط من أبجديات الحكومة وتقدم مبررات كثيرة لفض الاعتصامات بالقوة المفرطة دون التفات لانتهاكات حقوق الإنسان التي حدثت، ودون مساءلة للمعتدين والمنتهكين، وبالنتيجة استمرار الإفلات من العقاب.
ما ينطبق على ما يحدث بالاعتصامات يمكن مقارنته بما يحدث بالإعلاميين عند منعهم من التغطية المستقلة ومنع المعلومات عنهم، وكذلك قرارات الاحتجاز للحرية بأمر الحاكم الإداري، وهكذا.
الأردن مؤهل ليكون دولة أنموذجا في الأمن وفي احترام حقوق الإنسان، لو توقف الذين لا يتقنون سوى تذكيرنا بحالنا مقارنة بأحوال بلدان حولنا تعيش الفوضى والخراب، ودون أن يعطوا لشعبنا الحق بأن يحلم يوماً بالحياة والعيش كالسويد مثلاً.

التعليق