د.أحمد جميل عزم

بضائع المستوطنات في أوروبا!

تم نشره في الأربعاء 9 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:06 صباحاً

يثير الإسرائيليون ضجة كبرى بشأن قرار أوروبي بوسم بضائع المستوطنات؛ أي توضيح مصدرها للمستهلك الأوروبي، رغم أن القرار لا يعني مقاطعة أبداً، كما أنّه يتعلق بنسبة صغيرة جداً من مكونات الاقتصاد الإسرائيلي وصادراته.
أولى النقاط التي تحتاج للنقاش، هي أنّ جزءا كبيرا مما يحتج عليه ويرفضه الإسرائيليون يتعلق بسحب مكاسب حققوها، بفضل أو بعد اتفاقيات أوسلو.
إنّ من أضرار اتفاقيات أوسلو المسكوت عنها تقريباً، أن كثيرا من دول العالم بدأت علاقات دبلوماسية أو طورت علاقاتها مع الإسرائيليين بعد تلك الاتفاقيات، مثل الفاتيكان التي لم تبدأ علاقات مع الإسرائيليين إلا نهاية العام 1993، بعد نحو ثلاثة أشهر من توقيع اتفاقيات أوسلو. وبالمثل، تطورت علاقات الصين وإسرائيل. وفي السياق ذاته، وقع الأوروبيون اتفاق تجارة حرة مع الإسرائيليين العام 1995. والقرار الأوروبي الصادر هذا الشهر؛ بتمييز السلع المصدرة من المستوطنات في الأراضي المحتلة العام 1967، هو تتمة لقرار سابق بعدم إدراج هذه البضائع ضمن الإعفاءات الجمركية، وبالتالي المكاسب التي حققها الإسرائيليون من اتفاقية التجارة الحرة لم تُمس، وفقط بضائع المستوطنات وضعت في شريحة أخرى.
بحسب دراسة أعدها الباحث أشرف بدر، ضمن برنامج تدريبي وبحثي في معهد أبحاث "مسارات" الفلسطيني، حول حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات، جاء أنّ عدم استثناء بضائع المستوطنات من المعاملات التفضيلية جاء أصلا على خلفية عملية التسوية. ويشير بدر إلى أنّ توقعات وزارة المالية الإسرائيلية في تقرير لها حول المقاطعة، مطلع هذا العام، تشير إلى أنّ جميع دول الاتحاد الأوروبي سوف تلتزم بمقاطعة منتجات المستوطنات في حال توقفت عملية السلام والمفاوضات. والواقع أنّ الأمر لم يصل حد المقاطعة أبداً.
وبحسب بدر، تعتبر قيمة الصادرات "الصناعية" للمستوطنات ضئيلة مقارنة بمجمل الصادرات الإسرائيلية؛ إذ بحسب أرقام وزارة المالية لا تتعدى قيمة الصادرات الصناعية للمستوطنات 1.47 % من الصادرات، بينما تبلغ قيمة الصادرات الزراعية 25 إلى 30 مليون دولار، أي ما يعادل 2.5 % من الصادرات الزراعية. ويستنتج بدر أنّه في حال نجحت حركة المقاطعة في وسم منتجات المستوطنات، بحيث يقود ذلك إلى مقاطعة جميع منتجاتها الزراعية والصناعية من قبل الاتحاد الأوروبي، فإن ذلك سيؤثر على الصادرات الإسرائيلية بنسبة ضئيلة لا تشكل 3.5 % منها للاتحاد الأوروبي (645 مليون دولار من 18.286 مليار دولار)، مع الأخذ بالاعتبار أنّ المطروح حاليا ليس مقاطعة، بل مجرد مساعدة المستهلك الأوروبي على معرفة مصدر البضاعة.
بالطبع، تقوم شركات إسرائيلية بالفعل بالتكيف مع القرار الأوروبي، مثل شركة "صودا ستريم" التي نقلت مصانعها من مستوطنات الضفة الغربية إلى بئر السبع، فيما يبدو سعيا للحصول على المعاملة التفضيلية لبضائعها.
والحقيقة أنّ موضوع المقاطعة معقد اقتصادياً وسياسياً. فمثلا، أهم فائدة يحققها الفلسطينيون لو قاطعوا هم البضائع الإسرائيلية تماماً، وتحديدا البضائع التي لها بديل، ليس الإضرار بالاقتصاد الإسرائيلي، بل دعم الاقتصاد الفلسطيني، بتوفير عشرات آلاف فرص العمل، فضلا عن الانفصال وتخفيف الاعتمادية على الاحتلال.
في المقابل، يمكن فهم الغضب الإسرائيلي من القرار الأوروبي، رغم محدودية أثره الاقتصادي، ورغم تقليل الأوروبيين أنفسهم من المغزى السياسي للخطوة، ووصفه بأنها قرار "تقني"، في سياق أنّ هذه خطوة استباقية لردع أوروبا عن التفكير بالمزيد من الخطوات. وهو غضب لرفض الإسرائيليين التنازل عن مكاسب حققوها في إطار مفاوضات التسوية، ولذلك يهددون تحديداً بعدم إعطاء الاتحاد الأوروبي دورا في أي مفاوضات.
إثارة موضوعات مثل أنّ وسم بضائع مستوطنات الأرض المحتلة العام 1967 ينزع الشرعية عن إسرائيل، أو هو "لا سامية"، تمثل في جزء منها هجوما مضادا يهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية، وصيانة وخلق "تابوهات" حول المستوطنات، وإعطاء الإسرائيليين حصانة من النقد والمقاطعة.
إذا كان الجانب الفلسطيني يزعم أنه بصدد مراجعة اتفاقيات السلام مع الإسرائيليين، لأنّ هؤلاء لا يلتزمون بها، فيجدر وضع قائمة بالمكاسب التي حققتها إسرائيل دوليا من هذه العملية، ومطالبة العالم بالتراجع عمّا قدموه للإسرائيليين بحجة دعم عملية التسوية، لأنّ هذه المكاسب تسجل الآن بوضوح ضمن أخطاء أوسلو الفلسطينية، وضمن خسائرها.

التعليق