حقائق بين الجهل والتجاهل

تم نشره في الأربعاء 9 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:00 صباحاً

محمد الشواهين

اعتدنا في حياتنا أن نبحث عن الحقيقة. فالحقائق ليست في أحسن أحوالها كما نريدها؛ جلية واضحة، وإلا لماذا يقولون "حقيقة غامضة"، أو "ترك الباب مواربا"، أو "ضبابية الموقف"، بمعنى أن الحقيقة قد تكون منقوصة أو مشكوكا في صحتها.
ومن المؤسف أن جمهورنا العربي بات، في معظم الأحيان، يستقي معلوماته من وسائل إعلام جهات معادية، لاعتقاده أن غالبية إعلامنا لا يملك المصداقية والشفافية، بخلاف الحال في المجتمعات الغربية أو في البلدان المتحضرة ديمقراطيا. وثمة اعتقاد راسخ أن دول العالم الثالث قاطبة تخشى كشف الحقائق، بينما في العالم المتمدين يظهرونها ولو كانت مرة المذاق، ويتحملون نتائجها بكل رحابة صدر.
ولو أجرينا مقارنة مع إسرائيل، فسنجد الحقيقة لديها في كثير من المسائل التي تتعلق بالحياة اليومية هناك، أكثر نصاعة منا كعرب بشكل عام. لكن الإسرائيليين أيضا لا يقولون الحقيقة كما هي إذا ما تعلق الأمر بأمنهم. فمثلا، قد يقولون قتيلا واحدا بدلا من ثلاثة، ويتقبلها شعبهم على مضض. لكنه يقيم الدنيا ويقعدها لو علم أن رئيس حكومتهم قبل هدية مهما كانت قيمتها من صاحب مصلحة، أو أن زوجته امتنعت عن إبلاغ سلطة النقد لديهم عن رصيدها بالعملة الأجنبية، ولو كانت قيمته ألفي دولار.
طبعاً، لست معنيا بتحسين صورة إسرائيل، وإنما الهدف أن يعرف العرب حقيقة أن عدوهم الذي انتصر عليهم في عدة حروب، له سياسات وسلوكيات مع شعبه تتسم بالصدق والصراحة. ولا ضير أن نستخلص العبر من أعدائنا في الأمور الإيجابية، فيما نبتعد عن القضايا السلبية التي لا تتفق مع ديننا وأعرافنا وعاداتنا. هل من المعيب أن نعرف كيف انتصر الإسرائيليون على جيوشنا العربية، وكيف بنوا ترسانة من السلاح من صنع أيديهم، وأن نعرف سر التكنولوجيا التي توصلوا إليها في معاهد أبحاثهم (كالتخنيون في حيفا)، وراحت تشتريها منهم دول عظمى كالصين وروسيا وحتى الولايات المتحدة!
من الحقائق التي اعتدنا أن نغمض عيوننا عنها، امتلاك إسرائيل أسلحة ذرية من عشرات السنين. وقد كشف عنها النقاب المهندس الاسرائيلي مردخاي فعنونو الذي عمل في مفاعل ديمونا الشهير، فأودع السجن لسنوات.
وعليه، فكثيرون يقولون إن الديمقراطية في إسرائيل أفضل بكثير من الديمقراطية في معظم بلداننا العربية، إن لم يكن كلها، على الرغم من حقيقة وجود تفرقة عنصرية من تحت البساط، كما قالها لي ناشط السلام الاسرائيلي لطيف دوري العراقي الأصل، والمولد بين اليهود الغربيين (الأشكناز) المسيطرين على مقاليد الحكم، واليهود الشرقيين (السفرديم) الأقل درجة. وعرب الضفة الغربية ليسوا من مواطني إسرائيل رسميا، بل هم واقعون تحت الاحتلال، حدث ولا حرج عن القمع الذي يطالهم، خاصة هذه الأيام التي تشهد هبّة أو انتفاضة وطنية.
إذا كنت قد أسهبت في الحديث عن إسرائيل، فليس ذلك -كما قلت- من أجل تحسين وجهها القبيح في قمع الشعب الفلسطيني، المتطلع للحرية والاستقلال. بيد أنه العجز العربي وتقهقر أمتنا إلى الخلف خطوات.

التعليق