رنا الصبّاغ

كلنا في الهواء سوا!

تم نشره في الأربعاء 9 كانون الأول / ديسمبر 2015. 12:00 صباحاً

مع تعمق الردّة على الحريات في غالبية دول المنطقة عقب احتواء ما سمي "الربيع العربي"، يتشارك الإعلاميون في عديد تحديات تطاول دور السلطة الرابعة، بما هو كشف تجاوزات أصحاب النفوذ ونبش قضايا فساد من أجل المصلحة العامة.
تجلّى ذلك خلال مداولات الملتقى الثامن للصحفيين الاستقصائيين العرب، الذي اختتم أعماله في عمان مساء الأحد الماضي تحت شعار "الإعلام العربي: العمل تحت سيف الرقابة"، بمشاركة 300 زميل/ة من 13 دولة عربية. إذ عكست مداخلات المشاركين صورة سوداوية لمشهد الحريات الإعلامية والسياسية، بما يضمن الحد الأدنى من الشفافية، والعدالة والحوكمة الراشدة.
مم اشتكوا وماذا يمكن عمله؟
تقهقر حرية النشر/ البث؛ تسليط سيف الاعتقال على رقابهم ومحاولة تدجينهم بفعل حزمة تشريعات "تكيّف حسب الطلب" وتشكل جزءا من أدوات الضغط الرسمي؛ إلى جانب "دكتاتورية" الرأي العام الذي بات ينظر إليهم عموما كمثيري شغب وتخريب للعلاقات بين الدول العربية.
تحدثوا عن قيود قانونية تكبّل الإعلاميين، وعن تعسّف السلطات في تطبيقها. وأشاروا بالتحديد إلى قانون مكافحة الإرهاب المستنسخ في عدّة دول عربية. وكذا إفراغ قانون حق الولوج للمعلومات في الأردن وتونس من محتواه. وتحدثوا عن تداعيات تطبيق قانون الجرائم الإلكترونية على مستخدمي الفضاء الالكتروني وتطبيقات "فيسبوك" و"تويتر" في الأردن والبحرين.
اشتكوا من نقابات ممالئة للحكومات، ومتخلية عن واجبها في الدفاع عن حقوق الإعلاميين وحمايتهم من الانتهاكات وتطوير مهاراتهم. كذلك أشاروا إلى انكشاف ظهر الإعلامي/ة أمام القوانين ما لم يكن عضوا في نقابة الصحفيين. وتوقفوا مطولا أمام غياب العدالة والشفافية في شروط العضوية واقتصارها على المنتسبين لمؤسسات الإعلام التقليدي. وتذمروا من الأوضاع المالية الصعبة التي أجبرت مؤسسات إعلامية على تقليص كوادرها و/ أو تأخير صرف مستحقات موظفيها.
لكن، هل يستسلم الإعلاميون، بخاصة المهنيون المستقلون عموما والاستقصائيون، أمام هذه الضغوظ المتنامية، التي تحد من قدرتهم على كشف مواطن الخلل في أكثر مناطق العالم اضطرابا؟ بالتأكيد لا، خصوصاً إن كان خيار العمل نابعا من إيمان وشغف بالمهمة.
على أن طوق النجاة يتضمن امتلاكهم ثقافة قانونية عالية، والتزاما بالمهنية ومدونات السلوك، إلى جانب التضامن بين أعضاء الأسرة الصحفية. وعلى الصحفيين الاستقصائيين تحديدا توخي "الدقّة والصدقية 100 % لتفادي المساءلة القانونية".
اطلع المشاركون في ملتقى عمان على خبرات وتجارب متعددة، ووقفوا على واقع صحافة الاستقصاء في العالم العربي، وإن ظلت التحديات أعظم من الفرص.
الإعلامي المصري حسام بهجت (موقع "مدى مصر") تطرق إلى تجربة توقيفه أخيرا بعد أن نشر تقريراً عن قضية محاكمة ضباط بتهمة محاولة الانقلاب على نظام الحكم في مصر. بهجت قال لزملائه العرب في الملتقى إنه وقع تحت حدي سكّين تشريعية؛ فمن جهة، اتهم بنشر أخبار كاذبة بغرض الإضرار بالأمن القومي، ومن جهة ثانية بنشر معلومات من شأنها إثارة الذعر من دون قصد. وبالتالي، يواجه الصحفي خطر الحبس حتى لو أثبت بالوثائق صحّة بياناته المنشورة، حسبما يشرح الإعلامي المصري.
قوانين العالم العربي مدججة بعشرات البنود التي يمكن توظيفها لحبس أي إعلامي يخالف التوجهات الرسمية.
حمزة البلومي مقدم البرنامج الحواري "اليوم الثامن" في القناة التونسية، اشتكى من أن ضغط الرأي العام يؤثر على سقف الصحفيين في دولة تعد أنموذجا في مآلات الثورات العربية. وتحدث عن تحديات العمل أمام ترسانة قوانين تنتمي للعهد القديم، وكذلك تعرض صحفيين للضرب على يد أفراد شرطة.
يدور جدال داخل الوسط الإعلامي التونسي حول كيفية تغطية العمليات الإرهابية من دون التأثير في سير التحقيقات أو منح الجهات المتشددة منبرا لنشر أفكارها. لكن ثمّة بقعة ضوء وسط كم التراجع. فهناك شبه إجماع بأن التدخل الرسمي في محتوى النشر/ البث شبه متوقف. كما أن التلفزيون الوطني ووكالة الأنباء الرسمية باتا أكثر تعددية وحيادا مقارنة مع الإعلام الخاص.
في اليمن، انهارت مؤسسات إعلامية تحت وقع الصدامات المسلحة، وسط بيئة عمل خطرة، فيما يتعرض إعلاميون للقتل أو الاعتقال. وتواجه صحافة الاستقصاء تحديات كبيرة، في مقدمتها حبس الصحفيين، ومصادرة أدواتهم أو تدميرها، ما دفع أكثر من 300 منهم للهروب إلى الخارج، أو النزوح إلى مناطق ريفية هربا من تهديد من يتحكم بالوضع على الأرض. وتناسلت عشرات المواقع الإعلامية "مجهولة النسب" خلال الأشهر الماضية، غالبيتها قائم على تسريبات الفرقاء المتناحرين، لتحل مكان أكثر من 50 وسيلة إعلامية أغلقت أو دمرت مقارها.
ويضاف إلى التسلط، انتشار فوضى في القوانين وتضارب فيما بينها في غالبية الدول العربية، ما يؤثر على انتشار صحافة الاستقصاء. الإعلامي اللبناني حازم الأمين ("الحياة" اللندنية) رأى أن الإعلام التقليدي في الدول العربية لا يتسع لمرونة الاستقصاء وجسارته، وبالتالي تهاجر التحقيقات الاستقصائية صوب فضاء الإعلام الرقمي الذي بدوره يعاني تحديات مالية.
في لبنان، ثمة تحول بعد "هبّة" القمامة التي وحدّت اللبنانيين لأول مرّة حول قضية مجتمعية، بغض النظر عن الولاءات السياسية.
في فلسطين، يتعامل الإعلاميون مع تحديات الاحتلال وصعوبة التنقل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وأيضا تضييق السلطة الفلسطينية على تدفق المعلومات، مع معاقبة من لا يلتزم بالرواية الرسمية. مع ذلك، فتحت نافذة على صحافة الاستقصاء، وثمّة أمل في تنامي صحافة مستقلة هناك.
ثلث العراق تحت سيطرة تنظيم "داعش". وفي كردستان تتأرجح التعددية السياسية بعد سلسلة تغييرات سلبية ستنعكس على المشهد الإعلامي، مقارنة مع أجواء الانفتاح التي سادت قبل سنوات. في بغداد وسائر العراق، ترتع 53 مليشيا مسلحة، يما يشكل تهديدا مباشرا للصحافة المستقلة. سطوة المليشيات تفوق سلطة الحكومة. نقابة الصحفيين تحاول سحب الإعلام إلى بيت الطاعة، لكنها عاجزة عن وقف "صحافة بث الكراهية" المتنامية. ويقول أحد كبار الإعلاميين في العراق: "المواطن يتعرض اليوم لأكبر موجة تضليل من الإعلام بتلاوينه كافة".
في سورية، الغارقة في حمام دم، الإعلام "تفتت إلى 100 شقفة"، بحسب شهادة أحد الزملاء؛ كتائب إعلام النظام وأبواق المعارضة بتلاوينها، ثم إعلام "داعش". وكل من في السلطة يريد حشر الصحفيين: "إما معنا أو ضدنا"، والضد يعني القتل أو الاعتقال أو الاختطاف أو الترهيب. وهناك إشكاليات التعاطي مع الإعلام البديل، وغالبيته يتكئ على مواطنين تحولوا إلى صحفيين تنقصهم أساسيات المهنة وأخلاقياتها. بعد تلك الشهادات، هل يستسلم الإعلاميون ويختارون الطريق الأسهل؛ غض الطرف عن محاسبة المسؤولين، والتوقف عن نشر أخبار قد تحرج السلطات أو تغضب المجتمعات؟ ربما بات هذا خيار الغالبية التي تطارد لقمة العيش.
لكن عديد المشاركين في الملتقى يصرون على مواصلة دورهم الرقابي على المتنفذين، لكي يخدموا المجتمع ويحققوا الحد الأدنى من الحوكمة الرشيدة من خلال تحقيقات قائمة على التوثيق والتدقيق.
زميلنا حسام بهجت يرى أن دقّة المعلومات وتوثيقها منحاه حصانة خلال التحقيق معه، والذي استمر 55 ساعة. ويصر مع غيره من الزملاء على أن غالبية الصحفيين العرب لم يبادروا، حتى الآن، إلى تحدّي السقوف ودفع الخطوط الحمراء الوهمية التي كبلّوا أنفسهم بها.

التعليق